حلم إبليس بالسّلاح

ما لم يتوقعه أبو هيثم هو أن "يكش" الملك قذيفة تودي بنصر اللاعبين وحياتهم معاً.

  • حلم إبليس بالسّلاح
    مجزرة صبرا وشاتيلا واحدة من المجازر المتفق عليها

يجلس الأطفال الثلاثة في حلقة دائرية، وقد مدّ كلٌ منهم رجليه، فلامس إبهام الأول خنصر الثاني، وبدت أصابع الأرجل الصغيرة تلامس بعضها البعض. تمتد يد زاهي الصغيرة، ويعلو صوته مغنياً: "كان في عصفور عالشّجرة...". تتنقل يده من قدم إلى قدم وهو يكمل غناءه: "عم يعد للعشرة".

ما إن نطق بأول كلمة: "واحد"، حتى هوى رأس الطفل على يمينه فوق قدميه.

-         اثنان.

هوى الطفل الثاني إلى الخلف. 

-         ثلاثة.

صمت زاهي بعد أن تلوّنت سترته الصغيرة بنجيعه. 3 أطفال في أقل من دقيقة. أحدهم أصابت الرصاصة رأسه، والآخر نحره. زاهي المسكين باغتت فمه المغنّي، فصمتت أغاني الطفولة حتى اللحظة.

في المنزل المجاور، كانت أم راشد تختار بعناية حبة العدس الصالحة من تلك التي لا تؤكل، فترمي الأخيرة، وتضع الأولى جانباً لتطبخها... لكن القذيفة التي فجّرت قلبها، لم تختر هذا المنزل بعناية، بل كانت تجول بيوت المخيم أجمع.

أمام مقهى أم هاني، جلس رجال الحي إلى طاولة صغيرة. حنى أبو هيثم ظهره في محاولة بائسة لرؤية رقعة الشطرنج جيداً، وكأن ما يراه المرء يُعد مهماً في معركة الفوز والخسارة. ما هي إلا ثوانٍ حتى مد أبو فواز يده، وقد بدا العمر تراثاً في تجاعيدها. حرّك الحجر بحركة سريعة قائلاً: "كش". ما لم يتوقعه أبو هيثم هو أن "يكش" الملك قذيفة تودي بنصر اللاعبين وحياتهم معاً.

فادي حاول تخبئة أخيه البالغ من العمر سنتين في الخزانة، حين سمع صوت القذائف والصراخ. راح يبحث عن أي شيء يحمي به إخوته وأبويه. ما هي إلا دقائق حتى أصابت الرصاصة قدمه، فوقع مغمى عليه. وعندما فتح عينيه، وجد جدار المطبخ مهدماً، وقد تدلّت منه جثة والدته، فيما جثة والده ممددة على الأرضية، وكأن والدته تحاول الوصول إلى صدر أبيه.

لم يجد أياً من إخوته حوله، ولكنه سمع صوت بكاء طفلٍ صغير. كان أخوه يدبدب فوق الحطام الملون بالدماء. نظر إليه وهو يرجو ملء قلبه أن يعود إلى الخزانة. تقدم الطفل من والده. وصل إلى صدره وهو يبكي. فتحت أمه عينيها وقد برزتا دامعتين وسط وجه مخضب بالدم والغبار. كانت يدها ممتدة إليه. ما إن رفع يده ليمسّها، حتى جاءته رصاصة أدمت عينيه الصغيرتين.

 وحده المشهد الدامي بقي في ذاكرة الناجي من تلك العائلة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعرف أحد مصير من تبقى منها. ربما لا تسمح قساوة المشهد لنا بأن نشرح أكثر من ذلك. يكفي القول إن أخته خُطفت، ونقلت من مستشفى إلى آخر، قبل أن تموت متأثرة بجراحها النفسية قبل الجسدية.

خلف جدار منزلهم بقيت جثة جارتهم وفاء، وقد بُقر بطنها وقُتل جنينها. الجدران تلوّنت بالدم، وقد تجمعت تلال من الجثث المشوهة على الأرض. سُرقت المنازل، وقُتل الأحبة، وشُوهت الجثث، واقتُلعت عيون الأطفال، وفُجرت المنازل بأهلها...

آلمك ما قرأته؟ لم أخبرك شيئاً مما حصل بعد! مشاعرك الرقيقة لا تتحمل! حسناً، سأتوقف هنا. دعني أخبرك تفصيلاً صغيراً. يومها، كان الإسرائيلي مع عملائه وميليشياته "اللبنانية" بين قوسين قد أغلقوا المخيم لثلاثة أيام.

نعرف أن قلوبهم الرقيقة مدت يد المساعدة لتنمية المخيم. هدفهم الإنساني كان عظيماً. لا تغرّنكم وحشية المشهد، فهم قتلوا ما بين 700 و3500 بشري محبةً بهم ولأجل مصلحتهم. طبعاً، لم يفرقوا بينهم، بل تم قتلهم على مبدأ المساواة بين الشيخ والطفل والرجل والمرأة، وبين اللبناني والفلسطيني. بالطبع، حفظوا حقوق المرأة بكل إنسانية، فالنساء المتواجدات آنذاك هتكت أعراضهن بكل سلام.

يومها، أغلق المخيّم لثلاثة أيام. تكاد تكون أفظع جريمة ارتكبت بحق مدنين أبرياء، ولكنها جريمة مشروعة. طبعاً، بعض الحمقى الوقحين في ما يسمى وطننا، يجدون ألف تشريع لها، وقد يصوغونها بألف منطق، تماماً كما تصوغ إحدى محطات التلفزة اللبنانية تظاهرة المطالبة بنزع سلاح المقاومة تحت مُسمى "عودة الثورة". بعض إعلامنا أكثر انحطاطاً من الإسرائيلي عينه، تماماً كالعميل الذي منع الصحافة من دخول المخيم خلال واحدة من أفظع مجازر الإسرائيليين وعملائهم.

لم أستعد مجزرة صبرا وشاتيلا اليوم، لأنها واحدة من المجازر المتفق عليها، والتي تتكرم أغلب المصادر بإثبات حصولها، ولكنها ليست الوحيدة، وربما ليست الأفظع، فقد عانى اللبناني ما هو أقسى خلال الحروب الإسرائيلية وحرب الجماعات التكفيرية على لبنان، ولكن من دون أن يعترف بوجودها كثر من الإخوة في ما يسمى وطناً.

هيا، ليكن صدرنا رحباً. أجل، ولنقل لهؤلاء شيئاً.

أنتم محقون، أتفهّم مطالبكم. بروحية عالية أتفهّمها، فيوم قُتل الآلاف في المخيم، كان بعضكم يقف متأملاً مع شارون، وهو يساوم القاتل على أرواحنا. ويوم تشرد أهالي الجنوب، كان البعض منكم يترنح حاملاً سلاحه مع جيش لحد في قرانا. وفيما كان أطفالنا يقتلون، كان أطفالكم يرقصون وكأن شيئاً لم يحصل. ويوم سهر شبابنا في أشد ليالي الصقيع خلف الجرود، كان شبابكم يسهرون حتى الفجر في الحانات الليلية. وحين مات شعب المقاومة جوعاً، لأنه اختار الأرض والعرض، كان البعض منكم يختار بين بيض الكافيار والأوزي.

خلاصة الحديث: حاولت ذكر ما حصل في صبرا وشاتيلا، لأنها حادثة حصلت قبل أن يكون في يد المقاومة سلاح، أو ربما قبل أن تكون المقاومة منظمة آنذاك، لعل البعض يعتبر، إذا كان المشهد قد أزعجكم أو آلم مشاعركم الرقيقة "كصوت أحدهم في البرلمان اللبناني".

فلتعلموا أن هذا المشهد سيتكرر يوم يتحقق حلمكم بنزع سلاح المقاومة، ولكن هذه المرة في بيوتكم... لا، لا تهلعوا. لن يتكرر ذلك، لأن نزع سلاح المقاومة ليس إلا "حلم إبليس بالجنة".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بتول جميل عبدالساتر

خريجة صحافة مكتوبة وإلكترونية

إقرأ للكاتب

بلسان حال الأميركيّ

يومها، عملت وسائل الإعلام الأميركية بعتادها وعديدها على تضليل الرأي العام الأميركي، ولكن اليوم...