الفتنة في أميركا أكبر من قتل جورج فلويد

أليس هذا ما صرَّح به من قبل رئيسهم الأسبق جورج بوش الصغير، حين قال: "لا يوجد خيار وسط، إما أن تكون معنا أو ضدنا"؟

  • نريد أن نتنفّس كما هَمْهَم جورج فلويد وهو يئن
    جدارية في أحد شوارع أميركا

عندما نظرت إلى جورج فلويد وهو يختنق تحت ركبة ذلك الشّرطي الأميركي المتعجرف في مينيابوليس، أخذتني العبرة وأنا أستحضر وضعية عشرات الملايين من الأفارقة المكبّلين، المهجّرين قسراً، والممددين على ظهورهم أو بطونهم، الذين قضوا اختناقاً في بواخر الموت في عذابهم من أفريقيا إلى أميركا، وتمثَّلت أمامي ظروف آلاف الريفيين المستضعفين من الأطفال والنساء والرجال الَّذين لا يملكون حيلة، وهم يختنقون بغاز الخردل الذي أطلقه الجيش الإسباني، والمصنّع في ألمانيا، والذي استخدم لأوّل مرة في تاريخ البشرية في جبال الريف، لقمع الثوار البواسل لمولاي محمد بن عبد الكريم الخطابي.

وتألّمت لمقتل آلاف الأبرياء من اليابانيين العزّل الذين خنقهم لهيب وجحيم القنابل النووية التي ألقى بها الأميركيون على ناكازاكي وهيروشيما، بعد أن ضاقوا ذرعاً بجيش الاستشهاديين في ساحة المعركة في الحرب العالمية الثانية، واستحضرت صورة باتريس لومبا وهو يخنق بأيدي المستعمر البلجيكي عندما رفض بيع بلده الكونغو.

وتألمت أيضاً لمعاناة ملايين الأطفال والنساء اليمنيين والسوريين المخنوقين تحت ركام منازلهم ومساجدهم المدكوكة عليهم بصواريخ ذكية مسيّرة من طرف عقول غبية.

واستحضرتُ غبن أجدادنا الّذين نقلوا في عهد المستعمر الفرنسي من بلادهم، إغراء من أجل العمل في قعر حفر مناجم فرنسا، فقضوا اختناقاً وسط ركام مظلم في ظروف عمل لاإنسانية، فصاروا نسيّاً منسيّاً.

حقاً، إننا نريد أن نتنفّس كما هَمْهَم جورج فلويد وهو يئن، فركبة هذا المستبد القديم الجديد الجاثم على أعناقنا ثقيلة ولا نقوى على تحمّلها. وهذا الذي كان إلى وقت قريب يعد - من طرف الذين غلبوا على أمرهم - امتداداً لمسيرة الحضارة الإنسانية، ها هو يدحرج قيم العدالة والمساواة إلى قعر البئر في الغرب، كما كبكبها قبله كراكيزه الدواعش في الشرق.

ما حيلة "المعذّبين في الأرض"، بحسب تعبير مناهض العبودية فرانس فانون، هل إلى هؤلاء المتمدنين المستعمرين أم إلى هؤلاء البدو المتصحرين! لا مفرّ. فأينما يولّون تقف بؤر الإرهاب لهم بالمرصاد، وأقنعة الأميركيين في شرق الأرض ملونة بطائفية وتفرقة وتكفير وإرهاب، ومن ثم قتل وإبادة، وأقنعتهم في الغرب عنصرية وإقصاء وتمييز، فإنكار فخنق تحت ذرائع شتى... والسود والبيض لدى الأميركيين سيان، لا فرق عندهم بين عربي فارسي وأفريقي وآسيوي إلا بالخضوع لمولاتهم أميركا.

أليس هذا ما صرَّح به من قبل رئيسهم الأسبق جورج بوش الصغير، حين قال: "لا يوجد خيار وسط، إما أن تكون معنا أو ضدنا"؟ فمن لا يرضى بسياسة الخضوع والخشوع في حضرة المستبد الأميركي، سيخنق إما اقتصادياً وإما اجتماعياً بشتى أنواع العقوبات. وإذا لم ينفع معه ذلك، فسنسحقه بالسلاح المدمر من طيارات ودبابات وصواريخ وهلم جراً... هذا في الخارج، أما في الداخل، فركبة رئيسنا وركب رجال أمننا بالمرصاد لمواطنينا إن لم يخنعوا ويخضعوا منقلبين.

إنَّ سماء أميركا لا تمطر حباً ولا عدلاً ولا مساواة، فلا حقّ عندها إلا لمن أتى بقلب ذليل وجيب سخيّ وقال إنني من الخاضعين. كان هذا لسان حالها. أما وقد تصدَّعت أركان عروش حضارتها، وأخذت الفتنة تأكل الأوتاد، فالملامح تشتّت، وبرزت فتن لا قبل لهم بها، وأصبحت تهدّد أمة كانت تحسب أن لم يُخلق مثلها في البلاد، ولكن يبدو أنّ ربّك صبّ عليها سوط عذاب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
يحياوي رشيد

دكتور في الصيدلة وحاصل على إجازة في القانون الدولي- المغرب