أعطوا مال "قيصر"... للعم سام

ما إن نبحث على الشبكة العنكبوتية عن ما يسمى قانون "قيصر"، حتى نجد في التعريف الرسمي له بأنه "لحماية المدنيين في سوريا".. عجباً فالقانون عادة يسّن ضمن الدولة لتنظيم أمورها الداخلية، إلا في بلاد العم سام فالقانون يسّن للبلاد الخارجة عن طاعة حكام أميركا.

  • أعطوا مال
    البلطجة التي يمارسها حكام أميركا ضد الشعوب تطال خبزهم اليومي

لم أستغرب عندما وجدت أن أصل كلمة قانون هي من الكلمة اليونانية (Kanun) التي تعني العصى المستقيمة، ويبدو أن أميركا تستخدم القانون بمفهومه هذا لا بمفهومه الحقوقي، ولا ترى فيه إلا أداة للبلطجة الذي هو أبرز مصداق للعصى الغليظة.

لو كان قانون "قيصر" صادراً عن الأمم المتحدة لقلنا إن الأمر فيه وجهة نظر، ولكن صدوره عن أميركا التي نصّبت نفسها شرطياً على العالم، فهذا المستغرب. لقد كانت غلطة آل سعود الذين ورطوا الكرة الأرضية برمتها بتنصيب هذا الشرطي عندما ربطوا الدولار بالنفط وبذلك ورطونا بأميركا "وأخضرها".

بالعودة إلى أصل تعريف قانون "قيصر" الأميركي فإنني لم أفهم كيف ستحمي أميركا المدنيين، وهي المعروفة بحصارها للشعوب الآمنة لا بحمايتها، بل لكل من يقول لها لا ويشق عصى طاعتها، إن آخر ما تفكر فيه أميركا، هو حماية المدنيين أو الشعوب، أو تطبيق الديقراطية، ألا نعي جيداً كيف تقوم أميركا بقلب الأنظمة المنتخبة، وتنصب الموالين لها، (سيلفادور آليندي في تشيلي ومحاولاتهم لعزل مادورو في  فنزويلا على سبيل المثال) يجب على كل إنسان، أن يفهم، أن أميركا لاتحمي إلا دولة واحدة وحيدة بالعالم هي "إسرائيل"، وفي سبيل هذه الحماية هي مستعدة لعمل أي شيء لا أخلاقي ولا إنساني. والتاريخ يشهد على ذلك.

والعمل الآخر الذي تقوم به حتى لو أدى إلى قتل الشعوب الآمنة هو مصالحها الإقتصادية ودولارها، إذا تم المس بهذين البندين فهي مستعدة لارتكاب أي حماقة مهما كان وقعها كارثياً، حتى لو أخترعت الأكاذيب والإفتراءات؛ فهل تخلصت من صدّام حسين كرمى لعيون الشعب العراقي، أم أنها أرجعت العراق عشرات السنين إلى الوراء، وهل قتلت القذافي كرمى لعيون الشعب الليبي، أم لأنه كما قيل أراد بيع النفط بالدينار الذهبي الإفريقي الذي كان ينوي التداول به.

وإذا رجعنا للوراء قليلاً، فلماذا تخلصوا من عبد الكريم قاسم عندما نادى بمقولة "نفط العراق للعراقيين".

يقال إن هارون الرشيد عنما نظر إلى السماء، وخاطب الغيمة الحبلى بالمطر: (أمطري حيث شئت... فخراجك لي).

لم يكن يعرف، أن "زعراناً" سيحكمون أميركا بعده بألف ومئتين وخمسين عاماً، فلن يكتفوا بالغيوم حيث أمطرت ليأخذوا خراجها، بل الينابيع بأشكالها من نفط وماء من حيث تنبع، والأسماك حيث تسبح والحيوانات حيث ترعى، والخضار والفواكه حيث تنضج، والمصارف حيث تخزن الأموال، فكل هذه يجب أن يكون خراجها للعم سام، ولا يكتفون بتجويع الشعوب بل يستمرون بالضغط عليها حتى تدميرها أو السير بفلكها.

إن أفضل صفة تطلق على ترامب هي صفة "أزعر"، وليس ترامب وحده هو الأزعر بل الأغلبية العظمى من حكام أميركا أيضاً؛ فعلى سبيل المثال كنت قد قرأت مقابلة قديمة مع كيسنجر الذي قال: لقد تعلمت من نكسون أننا يجب أن لا نعطف على خصمنا مهما وصلت به الحال من ضعف، بل يجب الإستمرار بالضغط عليه حتى يفقد صوابه.

إن البلطجة التي يمارسها حكام أميركا ضد الشعوب تطال خبزهم اليومي، وإذا كان بعض السفهاء من أبناء جلدتنا الذين شاركوا بوضع قانون "قيصر" يقولون إن هذا القانون لا يطال الأغذية والدواء، نقول لهم ألا يطال أي دولار أو يورو يدخل إلى سوريا، فمن أين سيأتي الدواء والغذاء، إننا لا نتكلم عن البطاطا والكوسا، بل نتكلم عن المواد الأولية التي تساهم بالصناعات المحلية، وكذلك ألا تسيطر أميركا على منابع النفط السوري، فمن أين ستأتي المحروقات.

كما أنه يطال بالدرجة الأولى إعادة إعمار البلد، حيث شعر أحفاد رامبو والكاوبوي أن الكعكة ستكون بعيدة عن أسنانهم وهذا ما يقض مضجعهم.

لقد قال السيد المسيح أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما للله لله، هذا أيام الرومان أما القياصرة الجدد حكام بلاد العم سام الزعران فهم لا يكتفون بكل المال، بل يريدون أكل البيضة وقشرتها.

لقد كتبت هذه المقالة بعدما تأثرت بما سمعته عن أن أحد أبناء بلدي ذهب إلى السوق فاشترى ليمونة واحدة، لقد أخذتني الذكريات لبلدي، قبل هذه الحرب اللعينة، الذي كان ينتج الحمضيات ويصدرها لكل أنحاء العالم، والآن يفتقد إلى الليمون، كما يفتقد للقمح الذي أحرقه الأميركان، والذين يودون السيطرة حتى على بذار قمحه بعد أن تبين لهم أن الأصناف الموجودة في سوريا هي من أجود أنواع القمح في العالم، والذي لم يطاله التعديل الجيني، الذي يمارسونه على النبات والحيوان والإنسان.

أخيراً لم تكن العقوبات الأميركية مجدية أبداً في يوم من الأيام ضد الشعوب، فصبراً شعبنا في سوريا، وكل الشعوب الآمنة في العالم، فلقد علمنّا التاريخ أن أي أمبراطورية مهما علا شأنها، مصيرها التلاشي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
جان يونان

مهندس مدني وكاتب سوري