كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟

لم يطرح السيد نصرالله نظاماً بديلاً، كنظام "إسلامي" مثلاً، ولم يتبنَ نوعاً من شيوعية أو اشتراكية قضّت مضاجع الغرب عامة.

  • كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟
    كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟

أن يعترض رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري على كلام السيد حسن نصرالله في دعوته لتعزيز الإنتاج الصناعي والزراعي في لبنان، في واحدة من الطرق لمواجهة الأزمة الخانقة التي تحكم الخناق على المواطن اللبناني، وأن يتهم الحريري نصرالله بأنه يريد أن يغيّر النظام "الحر"، ففي ذلك ما نتفهّمه. 

لكن أيّ نظام "حر" يريد السيد نصرالله أن يغيّره؟ هل طرح نظاماً من خارج الأنظمة "الحرة" الرائجة عالمياً، والمنقسمة بين اثنين بصورة عامة، وهما، أولاً، النظام الرأسمالي الحرّ الذي نشأ في تطور الثورة الصناعية في أوروبا، وحمل في طياته نوعاً من الرعاية الاجتماعية في بعض الدول، كفرنسا والسويد، وقام أساساً على التطور الصناعي المنتج، وعرف بنظام دولة الرعاية الاجتماعية، وهو ليس نظاماً آخر غير النظام الرأسمالي الذي شهدته أوروبا حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، موعد سيطرة النوع الثاني من الأنظمة الحرة في العالم، وهو النظام الليبرالي الأميركي، الذي يقوم على تهميش الدولة، وضرب الاقتصادات الوطنية، وإلحاق مختلف الأنظمة بسياقاته وآلياته المختلفة، وإلحاق الناس بشركات التأمين بدلاً من دولة الرعاية؟

لم يطرح السيد نصرالله نظاماً بديلاً، كنظام "إسلامي" مثلاً، ولم يقدم نموذجاً - فزاعة للملتحقين بالركب الأميركي، كالنموذج الإيراني، ولم يتبنَ نوعاً من شيوعية أو اشتراكية قضّت مضاجع الغرب عامة، والأميركي خاصة، منذ الحرب الباردة عقب الحرب العالمية الثانية. لم يقدم السيد نصرالله كوبا أو فنزويلا أو الاتحاد السوفياتي السابق نموذجاً. كل ما قاله السيد بديهي، وهو تعزيز الإنتاج الصناعي والزراعي، كأفضل وسيلة لفك الحصار، ورد العدوان الأميركي بالسلاح المستجد: الاقتصاد المرتكز على الدولار.

في سياق تأكيده على الاعتماد على الإنتاج الذاتي زراعياً وصناعياً، حثّ السيد على اعتماد الإنتاج، حتى لو على الشرفات أو السطح. الكارثة وقعت عندما فهمت نائب في البرلمان اللبناني أن مشروع السيد هو الزراعة على السطح. وفي نظرها، يؤدي ذلك إلى عزلة الناس عن بعضهم البعض، ولذلك ترفضه.

مؤسف أن يكون على رأسك، في برلمان بلدك، من يقوم بأدوار من هذا النوع، وهو التسخيف الممنهج والموجه الذي تقوم به جوقة باتت معروفة، تنتظر كلام السيد، وقبل إنهائه، يتبنى كل عنصر من فريق طويل عريض جرى تحضيره منذ سنوات طوال، جملة منه، ويطلق عليه عبرها شتائمه المعدة سلفاً. إنها لعبة باتت سطحية ومكشوفة الأهداف.

في عودة إلى موقف الرئيس الحريري واتهامه السيّد بمحاولة تغيير النظام، رغم أنَّ السيد لم تأتِ على لسانه كلمة "تغيير"، ولو مرة واحدة، في خطابه، فإن ما طرحه من تعزيز للإنتاج صناعياً وزراعياً، هو بالتحديد استدراك لما ارتكبه النظام الحر الذي جاء على أكتاف الحريرية منذ اتفاق الطائف. الرئيس الحريري يستهدف بالكلام عن تغيير النظام الحر تحديداً النظام الليبرالي الذي أوكل تنفيذه للحريرية السياسية - الاقتصادية.

لم يكن لبنان قبل الطائف إلا نظاماً رأسمالياً حراً، جهد كثيرون من الواهمين لتحويله إلى نظام اشتراكي، فكانت نشأة أحزاب، كالشيوعي، والتقدمي الاشتراكي، والبعث، والناصرية... كان نظاماً ينقسم إلى 3 أقسام أو محاور: تجاري - خدماتي بنسبة 60 - 70 في المائة، وما تبقى منقسم بما يقارب التوازي بين الصناعي والزراعي. 

النمط السائد ما قبل الطائف، وخصوصاً في مرحلة ما بعد تأسيس الكيان، كان التجاري الخدماتي. لم يكن ذلك صدفة، بل كان جزءاً من الدور الذي أسست فرنسا الكيان على أساسه: جسر عبور بين الشرق والغرب، عدا عن اعتماده ساحة لتحقيق غايات استراتيجية لمؤسسيه وحلفائهم.

صمد هذا النظام الرأسمالي، وليس أي شيء آخر، حتى اتفاق الطائف، وكانت الدولة ممسكة بكل مفاصله ومنشآته ومؤسساته، وبلغ ذروة تطويره الرأسمالي الحر مع الشهابية، الفرنسية الطابع، عندما تعممت الكهرباء والتعليم الرسمي والمستشفيات الحكومية وسواها، ونشأت مؤسسات الرقابة على الأداء الإداري والتوظيف، فأنشئ التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية، إلى ما هنالك من تطوير واسع في بنى الدولة بصورة أكثر حداثة ومؤسساتية. 

كان من الطبيعي أن تنشأ معارضة لهذا النظام الذي قدم بعض الرعاية الاجتماعية، كالضمان الاجتماعي والصحي، لكن لم يكن ذلك كافياً، في نظر معارضيه، من قوى وأحزاب، نمت في ظل حركتها الاعتراضية على أداء الدولة المنحاز طوائفياً ومناطقياً نقابات في مختلف القطاعات للدفاع عن حقوق العاملين في مجالاتها.

باختصار شديد، كان لبنان نظاماً رأسمالياً حراً مع ضوابط سلطوية في الإطار الذي اعتمد من قبل مختلف الأنظمة الرأسمالية الأخرى، مع فارق كونه نظاماً مستورداً، على شاكلة الأنظمة السائدة أوروبياً، ما جعل فيه الكثير من الثغرات التي لم تكن موجودة في أنظمة عقر دار الرأسمالية: أوروبا.

كانت الولايات المتحدة الأميركية تسعى بعد الحرب العالمية الثانية إلى السيطرة على العالم وتعميم نموذجها الليبرالي، فاعتمدت عدة خطط في آليات سيطرتها بالاعتماد على الدولار، وفق اتفاقية برتون وودز، التي سحبت من العالم احتياطه الذهب، غطاء للعملة الوطنية، ليحل الدولار محله، فيرتبط العالم كله بالعجلة الأميركية عبر الدولار، ثم بضرب إنتاج دول العالم، وتحويل مجتمعاته إلى ملحقات استهلاكية به، وذلك عبر اعتماد التعديل الوراثي للأغذية، الذي بدأ مع الخبز، ليتطور لاحقاً إلى بقية المنتجات الغذائية.

لم يكن التعديل الوراثي هفوة عابرة في النظام الليبرالي، بل كان جزءاً من صلبه، فالليبرالية الأميركية التي حولت المجتمع الأميركي إلى مجتمع مستهلك، ألحقت مجتمعات العالم بنزعتها الاستهلاكيّة، عبر إنتاج أصناف من الصناعات الاستهلاكية غير المنتجة، وكذلك تحويل العالم إلى ساحات استهلاك لبضائعه ومصنوعاته الغذائية المعدلة وراثياً.

نامت مجتمعات العالم، وبقي الأميركي وبعض الدول التي التحقت به المنتج للسلع الاستهلاكية، والنائمون، أمثالنا، مجرد قوى استهلاكية لمنتجات الأميركي والأنظمة الملحقة به. إن التحول إلى قوى استهلاكية تم بعناية ودراسات كافية، فالمنتج الزراعي التقليدي يعطي فيه كيلوغرام من بذار الحمص، مثلاً، 10 كيلوغرامات، بينما ينتج الحمص المعدل وراثياً 3 أضعاف، وربما أكثر، بالتكلفة نفسها، ما أعدم احتمالات المنافسة، ووقعت غالبية دول العالم تحت السيطرة الأميركية والدول المماثلة والملحقة بنظامها.

لقد تهمَّشت أراضينا، ولم يعد ثمة حاجة لأن يزرع الريفي، فإنتاجه لن يباع، وعليه أن يتكلّف عليه أكثر بكثير مما لو اشتراه من السوق، فعكف عن الزراعة، وتهمّشت مساحات ضخمة من الأراضي، ولم يكن ذلك مصادفة، بل منهجية للنظام الليبرالي الأميركي الذي كان يرفض على الدوام أي تدبير قد يحد من كميات إنتاجه، حتى إنه كان يرفض مجرد وضع إشارة على بضاعته بأنها معدلة وراثياً، بحسب ما طرحت بعض دول العالم، في مؤتمرات عقدت للغاية، حفاظاً على حق الناس في خيارها للمنتجات المعدلة، مع ما يعني ذلك من خلل وأمراض تضرب الإنسان الذي لم يكن معتاداً عليها. 

وفي العام 1989، جيء بنموذج الليبرالية إلى لبنان، ضارباً جمهورية فرنسا ذات النمط الأوروبي، ليحل محلها النمط الليبرالي الأميركي، فبدأ تهميش مؤسّسات الدّولة وضربها من الداخل، ونشأت على هامشها صناديق ومؤسّسات خاصة، هي نسخة طبق الأصل عن نظام هيمنة الشركات الخاصة على النظام الاقتصادي الأميركي والعالمي، وتركّز الاهتمام على الاستثمارات المالية، وفي مشاريع واسعة، كالبنى التحتية والمنشآت وسواها، كما جرى تهميش مؤسسات الرقابة، وكذلك الأحزاب والنقابات، واستقر الوضع لأولياء التجربة، فاستباحوا الدولة والبلد، ونجمت عنه في نهاية المسار الحالي الأزمة التي نعيشها.

جاء السيد نصرالله داعياً للعودة إلى الإنتاج، أي تلافي النظام الليبرالي التبعي للولايات المتحدة، والذي هو مجال عمل الحريرية، فكان كلام الرئيس سعد الحريري بأن السيد نصرالله يريد أن يغير النظام الحر، لكن في حقيقة الأمر، لم يطرح السيد نصرالله إلا بعضاً من دولة الرعاية الاجتماعية والعودة إلى الإنتاج، لعلّنا نعوض بعض الخسارات، وذلك دفاعاً عن المواطنين بكل فئاتهم. 

معارضو السيد نصرالله يدركون ذلك، يدركونه جيداً. لذلك، هم يرفضونه، لأنه يضرب مفصل ارتباطهم بالنظام الليبرالي الأميركي الذي همّش الإنسان والحيوان والأشياء، في محاولة ليبقي سيطرته على العالم. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

مجموعة موطني: مقاومة بالصورة توثق حق العودة

تأسست مجموعة موطني منذ نحو سنتين، ساعية لتوثيق ما لم يعرف من الكثير الكثير من مواقع فلسطين...

دير القاسي: بيوت ونقوش وزخارف تنطق بحق العودة

دير القاسي بلدة فلسطينية دمرها الاحتلال سنة 1948 وما تزال بعض منازل فيها، وبقايا زخارف وونقوش...

خدعة لن تمر

لم يمرّ التطبيع في ذروة قوة العدوان، وهو لن يمر مع بداية تراجعه الاستراتيجي وانحداره التاريخي....

تيار الدمار الأميركي الشامل أم تيارات الإنسانية الخلاقة.. من يسبق؟

إنهما منطقان متناقضان، واحد يدعو إلى السلام، وآخر لا يستمع إلا إلى ربه: "المال".

بسبب كورونا: إحياء ذكرى النكبة بفعاليات مُستعادة

يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة كل عام بمسيرة إلى بلدة أو مدينة مهجرة في فلسطين. وبسبب إجراءات...

مسيرة العودة السنوية.. رقمية بسبب الكورونا

في ذكرى النكبة من كل عام، تنظم "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين" مسيرة سنوية إلى بلدة من البلدات...