الخذلان العربي والأوروبي لفلسطين

القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة التي لم ينكشف أمر الحكام العرب فيها إلا في السنوات القليلة الأخيرة.

  • الخذلان العربي والأوروبي لفلسطين
    هذا الخذلان تجاه الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة في أرضهم، هو نموذج يتكرّر منذ قرون

كان مؤتمر مدريد بمثابة ذبح للقضية الفلسطينية من الوريد إلى الوريد، وكانت اتفاقية أوسلو سلخاً نهائياً لها. وإذا كان خذلان الحكام العرب قاطبة، واضحاً وموثقاً تاريخياً تجاه احتلال فلسطين، فإن الخذلان الأوروبي يتمّ بتكتيك لا يفهم المرء ظاهره.

تيقَّن الشّعب العربيّ من المحيط إلى الخليج أنَّ من يحكمونه، ليسوا أكثر من خدام طيّعين للإمبريالية الصهيو-الأميركية الحالية. لم يضحِّ الحكام العرب بفلسطين فقط، بل بمجموع القضايا العربية أيضاً، من أجل إبقائهم على عروشهم، سواء كانت ملكية أو رئاسية.

لكن القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة التي لم ينكشف أمر الحكام العرب فيها إلا في السنوات القليلة الأخيرة، ذلك أنّ الشعوب العربية لم تكن تعرف بعد أن اللغة المزدوجة لحكامها كانت تتضمَّن كل مقومات ما اصطلح عليه الاستعمار الصهيوني-الأميركي "صفقة القرن". 

تكفي كلمة "صفقة" للدلالة على المنطق التجاري الذي يتعامل به هذا الاستعمار مع المسؤولين العرب. يتعلق الأمر بواضح العبارة بصفقة سياسية: كرسي الحكم مقابل الصمت، بل العمل على التطبيع مع آل صهيون. وما يحدث أمام أعيننا في الوقت الراهن هو أكثر من خذلان من طرف المسؤول العربي حيال الفلسطينيين، بل محاولة لتطويع الشارع العربي لقبول الإملاءات الإمبريالية.

على الصعيد الأوروبي، لا يختلف اثنان على وضوح اللغة المزدوجة للاتحاد الأوروبي في ما يخص القضية الفلسطينية. من جهة، هناك دعم مالي للكثير من القطاعات الفلسطينية. ومن جهة أخرى، هناك تضامن غير مشروط مع الصهاينة على حساب الحقوق الفلسطينية.

لم تستطع دول "الحق والقانون"، كما تنعت أوروبا المتحدة نفسها، إرغام الصهاينة على تطبيق مقررات الأمم المتحدة، بل هي تتفرج على سحق الكثير من البنيات التحتية الفلسطينية من طرف "إسرائيل"، بما فيها تلك التي موَّلتها بنفسها (أي الدول الأوروبية). والعجب العجاب هو "هرولة" بلدان الاتحاد الأوروبي إلى تسجيل تنظيمات فلسطينية تحاول الدفاع عن نفسها وأرضها في قائمة "التنظيمات الإرهابية"، راضخة في ذلك للإرادة الصهيونية-الأميركية.

ولا عجب كذلك في الصمت المطبق للاتحاد الأوروبي رسمياً على كل الخروقات العنصرية، بل التصفية العرقية التي تنتهجها "إسرائيل" بطريقة ممنهجة ومنظمة ضد الفلسطينيين، فتطور "إسرائيل" إلى نظام أبرتهايد قائم بذاته، يستعمل أبشع طرق الأبرتهايد ويقوننها ويحميها بالعسكر ورجال الأمن من مختلف الأنواع، لا يقضّ مضجع الاتحاد الأوروبي. 

هذا الخذلان تجاه الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة في أرضهم، هو نموذج يتكرّر منذ قرون في السياسة الغربية على العموم، فإذا كان مناضلو الشعوب المستعمرة من أجل الاستقلال يعتبرون في الماضي مثيري الفوضى في المنطق الأوروبي، فإنه أصبح مع الفلسطينيين "إرهاباً". 

هذه هي المعادلة الحقيقية لـ"صفقة القرن" الحالية أيضاً، فكل شعب يريد تحقيق مصيره يُعد في نظر الإرهاب الإمبريالي الغربي خطراً على مصير الإمبريالية. وقد لاحظ المرء "التهديد الخجول" للاتحاد الأوروبي لـ"إسرائيل"، في حالة ضمها ما تريد ضمه من التراب الفلسطيني.

في ظلِّ هذه المعطيات التي تبرهن على الخذلان المزدوج (العربي الأوروبي) للشعب الفلسطيني، لم يبق أمام الفلسطينيين إلا الاعتماد على أنفسهم قبل كل شيء، وعدم قبول أية مساعدة من أية جهة، مهما كان نوعها، وخصوصاً الحكام العرب.

الثورة الحقيقية للشّعب الفلسطيني حالياً هي ثورته ضد من يتحكم برقبته، ويتلاعب بمصالحه في ما يسمى "السلطة الفلسطينية" المُعَيَّنة مباشرة من طرف الاستعمار. هناك مقاومة عربية إسلامية حقيقية تناضل من أجل حقّ الشّعب الفلسطيني في أرضه كلّها من دون اجتثاث أيّ شبر منها، وهي مقاومة حددت مبادئها وأهدافها، وحددت العدو والصديق، وهي الوحيدة التي يمكن للفلسطيني الحر الاعتماد عليها في نضاله الطويل، وليس هناك أي سبيل آخر أمام الفلسطيني لاسترجاع ما سُلب إلا بالمقاومة والنضال، وعدم فقدان الأمل في يوم النصر القادم لا محالة، وإن كان من الممكن أن يطول. 

وهناك الشّارع العربي الذي خُدِّر في السنوات الأخيرة، وأثقل الاستعمار غير المباشر كاهله بمشاكل وجودية شتى، ومنها على وجه الخصوص سياسة تجويعه الممنهجة، لكي لا يفكر في شيء آخر سوى ضمان قوت يومه. أضف إلى ذلك إشعال فتائل الفتنة في أكثر من دولة عربية، والتفنن في رسم خرائط الحروب بين الأشقّاء العرب، والعمل على دفن الإنسان العربي في عوالم استهلاك ثقافي تُبعده أكثر وأكثر عن ذاته، وتجعله موغلاً في استلاب لم يسبق له نظير في تاريخه الطويل.

ستصحو الشعوب العربية يوماً من هذا المخدر الإمبريالي، وستكون سنداً مهماً من جديد للشعب الفلسطيني، كما كانت في الماضي القريب. ولعمري، إن هذا الجناح الرامي إلى إعادة وعي الإنسان العربي بقضايا أمته هو أهم ورشة مقاومة وأصعبها، لأنّه يعتبر مفتاح النضال واسترجاع ما تحاول "صفقة القرن" اجتزازه من الجسد الفلسطيني، بل كلّ ما سرقه الصهاينة منذ الاستعمار البريطاني لفلسطين أيضاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حميد لشهب

دكتور سيكو-بيداغوجي، مترجم وكاتب - النمسا

إقرأ للكاتب

الشرق الأوسط بعد الانتخابات الأميركية.. أية وجهة؟

كان الأمل معقوداً على إدارة ترامب لمساعدة السعوديين على الخروج منتصرين من كل الحروب التي بدأوها...

ماكرون والإرث الإمبريالي

ماكرون لم يخرج على تقليد من سبقه، فعندما تقترب الحملات الانتخابية في فرنسا، وخصوصاً الرئاسية...

جامعة النكسات العربيّة.. وفاء للغة الخشبية

ما أكبر انحطاط الحاكم العربي عندما يهنئ في مؤتمر وزاري دولة عربية أخرى على إقدامها على التطبيع...

"ذئاب أميركا" وتسليم مفاتيح الكعبة والقدس للصّهاينة

ما يهمّنا من إشعال ترامب الشرارة الأولى للحرب الأهلية في أميركا هو التنبيه إلى أن نزوعه السادي...

ترامب بين "اليمين البديل" والفاشية الصهيونية والعربية

يشد ترامب بيد على اليمين البديل، وعلى الصهاينة بيد أخرى، شاقاً طريقه الإقصائي لضمان إعادة...

هل تقترب التجربة "الديموقراطية" الأميركية من نهايتها؟

ما سرّ تربّع حزبين فقط على عرش السياسة في أميركا دون غيرهما، والتناوب على الحكم من دون أية...