ما الذي تغيَّر لأعلن اليوم انقطاع الأمل؟

إنَّ انقطاع الأمل لا يعني غياب الحلول، فالحلول موجودة، ولو أنها تزداد تعقيداً مع تسارع زخم الانهيار.

  • "كابلات" كهرباء في أحد شوارع بيروت (أ ف ب - أرشيف)

أستيقظ كلَّ يوم على لبنان جديد، أكثر ظلمةً وأشدّ قسوة من لبنان البارحة. أنظر في عيون الشباب، فلا أرى إلا الهزيمة، ثم أتساءل عن طبيعة المعارك التي تخاض داخل صدر كل واحد منهم؛ أتساءل عن السبب الذي ما يزالون يقاتلون من أجله حتى الآن، وعن كمِّ الهزائم التي يستطيعون تحمّلها قبل أن تخور قواهم إلى الأبد.

لديَّ إيمان بأنني لو كنت كابتن طيران أو رائد فضاء مثلاً، وقمت الآن بطلعة استطلاعية فوق هذا الكوكب الأزرق، لوجدت رقعة من الظلام الدامس تخيّم فوق المساحة الصغيرة منه المسماة لبنان، وذلك ليس بسبب غياب الإنارة، رغم انقطاع الكهرباء فيه، بل بسبب انقطاع الأمل.

نعم، انقطاع الأمل، وهو الأمل ذاته الَّذي لطالما روَّجت له بشغف بين طلابي وأصدقائي، ولست نادماً على ذلك، فهذا البلد، رغم كلّ شيء، لطالما كان يشعُّ أملاً وحياة، وكان يمكنه أن يكون عاصمة الدنيا لو أن شعبه لم يبتلَ بالعمى وعبادة الأصنام منذ وقت طويل، فأصبح كلّ فريق فيه يرى فقط ما يشير إليه الصنم الَّذي وضِع أمامه ليعبده، وأمِر بأن يكفر بكلِّ بالأصنام الآخرين، ويكفِّر أتباعها طبعاً. والأشد وطأةً من ذلك كله، أننا ربَّينا أبناءنا على العمى، وهذا هو تحديداً قتل الأمل في مهده.

وعند دراستك للسردية اللبنانية منذ التأسيس حتى الآن، تدرك أنَّ الميثاق الحقيقيّ الذي قام عليه هذا البلد هو ذلك الذي عقدته الأصنام في ما بينها، من أجل أن تضمن تربّعها على عرش السلطة. وجوهر هذا الميثاق هو زرع الجهل والكراهية في قلوب العباد ضدّ بعضهم البعض، وهذا هو الخنجر المسموم الَّذي طعن مفهوم الدّولة في لبنان، ولوَّث بدنها لأجيال قادمة، ثم قسَّمها إلى حظائر فكرية وطائفية وحزبية وثقافية وطبقية متداخلة. 

لكن إن كان الأمر بهذا القِدَم، فالسؤال المنطقي هنا: ما الذي تغيَّر الآن لأعلن اليوم انقطاع الأمل؟ الجواب على ذلك هو حال المجتمع اللبناني الذي ضربته المصيبة مرة واحدة؛ المصيبة التي تآمرت فيها جميع الأصنام علينا جميعاً، ولكن بدلاً من أن تجمعنا الصعاب، كما تملي علينا الطبيعة البشرية، ازددنا كفراً ببعض البعض، حتى غفلنا عن المصيبة نفسها. 

إنَّ من يراقب نوعية الخطاب في الساحة اللبنانية الآن، سيهوله كمّ الكراهية الذي نسقطه على بعضنا البعض يومياً. والمدهش أكثر من ذلك، هو قيادة النخبة "المثقَّفة" لهذا الخطاب. لست أتحدَّث هنا عن الطبقة السياسيّة أو المنتفعة، فهؤلاء هم الأصنام التي تعتاش على كراهيتنا وخوفنا أصلاً. إنني أتحدث عن العباد الذين اعتادوا بغض بعضهم البعض لوقت طويل، حتى نسوا أنهم أبناء وطن واحد، ويعيشون المصيبة نفسها. أتحدث عن أكاديميين ورجال دين وناشطين اجتماعيين، يصرفون وقتهم في الرد على تغريدة كريهة بتغريدة أقوى وأشرس. أتحدث عن وسطيين ومعتدلين مفترضين، اختاروا الشماتة والفوقية لتمييز كراهيتهم عن كراهية الآخرين. كل هذا لأجل من؟ ولماذا! لا أعلم!

إنَّ انقطاع الأمل لا يعني غياب الحلول، فالحلول موجودة، ولو أنها تزداد تعقيداً مع تسارع زخم الانهيار. انقطاع الأمل في لبنان سببه انتصار الكراهية، سببه أنَّ أصوات المنطق خافتة وغريبة، بينما لا صوت يعلو فوق صوت الصراخ والشتم والتخوين. 

لكن، في النهاية، يجدر بي أن أشير هنا إلى أنني خضت هذا الحديث مع سيدة أثق بعقلانيتها، بينما كنت في مرحلة عصف الأفكار، وهي بدورها أوعزت إليّ بأنَّ هناك مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق كل كاتب أو صحافي أو فنان في هذه المرحلة. هذه المسؤولية هي خلق الأمل أو إيصال رسالة إيجابية على أقل التقدير.

وبناء عليه، أعتقد أن الجانب الإيجابي الذي بدت لي معالمه في الأحداث الأخيرة، أن هؤلاء الأصنام، رغم أنهم بقوا على عروشهم، لكن في لحظة ما، في ثانية واحدة من حياتهم الشاهقة، اهتزَّت عروشهم بهم، وترنَّحوا فيها. وبذلك، سوف نهمس في آذان مواليدنا أن لا إله إلا الله، وأن الأصنام هي أصنامٌ فقط لا غير.

لديَّ رصيد جيد من الأمل الخام راكمته خلال سنين، والآن لم أعد بحاجة إليه، فهل من مشترٍ؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسين حمود

أستاذ في الأدب الإنكليزي

إقرأ للكاتب

التعلّم عن بعد في عصر كورونا.. بدعة تجارية أو ضرورة أكاديميّة؟

لكن ما لا يعلمه الكثيرون أنَّ مفهوم التعلّم عن بعد ليس جديداً أبداً، بل هو في الواقع يكبرنا...