هل تقترب التجربة "الديموقراطية" الأميركية من نهايتها؟

ما سرّ تربّع حزبين فقط على عرش السياسة في أميركا دون غيرهما، والتناوب على الحكم من دون أية معارضة حقيقية وأحزاب تستطيع أداء دور مراقبة ممارسة السلطة؟

  • لمّح ترامب أكثر من مرة إلى أنه لن يعترف بنتائج الانتخابات ما لم ينجح
    لمّح ترامب أكثر من مرة إلى أنه لن يعترف بنتائج الانتخابات ما لم ينجح

إذا افترضنا أنّ أميركا دولة ديموقراطية، أي دولة يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه عن طريق مجالس نيابية حقيقية، فإننا نتساءل: هل أميركا ترامب الحالية هي بالفعل دولة ديموقراطية؟ هل كانت الولايات التي تكوّن أميركا ديموقراطية مرةً؟ ألم تُحكم منذ نشأتها من طرف أوليغارشيات مختلفة لا تُدافع إلا عن مصالحها الخاصة؟

ألم تُمارَس في أميركا أنواع مختلفة من الديموقراطية، وخصوصاً الديموقراطية الاستبداديّة، حيث تُختار نخبة لتمثيل مصالح المجتمع، وتختار هذه النخبة مُرشحاً يُصوت له أفراد الدولة، والديموقراطية الشمولية التي تُتيح للحكومة فرض سيطرتها على جميع ما يتعلق بمصالح المواطنين، من دون إشراكهم أو ضمان تأييدهم، ويُقضى على كل اعتراض ومعارضة تحت ذريعة المحافظة على المصلحة العامة، والديموقراطية التمثيلية الممارسة بكل وضوح حالياً، فأي شخص في هذا النوع من الديموقراطية فاز في الانتخابات الرئاسية يحقّ له مُمارسة سلطاته طبقاً لقناعاته، من دون أيّ تقييدٍ على سلطاته؟ ما سرّ تربّع حزبين فقط على عرش السياسة في أميركا دون غيرهما، والتناوب على الحكم من دون أية معارضة حقيقية وأحزاب تستطيع أداء دور مراقبة ممارسة السلطة؟ أمن المعقول أن تعيش ديموقراطية ما من دون تعددية حزبية حقيقية؟

ليست لديّ أيّ نية للإجابة على هذه الأسئلة، لأنها تجيب على نفسها بنفسها. ما أود الإشارة إليه فقط هو أن النموذج الديموقراطي الأميركي ليس له من الديموقراطية إلا الاسم. وقد اتضح هذا الأمر بشكل جلي في الوقت الحاضر. 

ما يخيف الغرب برمّته حالياً، بالنظر إلى هذا الكمّ الهائل من الدّراسات في الأشهر الستّة الأخيرة، هو تحول الديموقراطية الاستبدادية الأميركية إلى نظام ديكتاتوري واضح المعالم، لا يهمه الشعب الأميركي ولا العالم برمّته. وسبب مثل هذا الخوف هو تصرّف ترامب وتصريحاته في ما يخص الانتخابات القادمة، فعلى بعد أقل من 3 أشهر من الاستحقاقات الرئاسية، تتضح معالم حرب أهلية حقيقية في أميركا، ما لم يفز ترامب بولاية رئاسية ثانية، أو إذا كانت نتائج الانتخابات متقاربة جداً، كما حدث في المرة الأخيرة، والعالم كله يتذكر كيف وصل ترامب إلى الحكم، على الرغم من أن هيلاري كلينتون حصلت على أصوات أكثر منه.

لمّح ترامب أكثر من مرة إلى أنه لن يعترف بنتائج الانتخابات ما لم ينجح. ومثل هذا التصريح يهدد الديموقراطيات الغربية برمتها، بل يهدّد السّلام العالمي كلّه، لأنه يعني ببساطة نهاية حلم الديموقراطية، وفتح الباب على تجارب سياسية جديدة، أو الرجوع الواضح إلى تجارب قديمة، بكلّ ما يحمل ذلك من مخاطر على الاستقرار السياسي الأوروبي الهشّ على الرغم من الواجهة "القوية" له.

نظراً إلى السّياسة "الزلزالية" التي انتهجها ترامب وإدارته وقبيلته السياسية في فترة رئاسته، ونظراً إلى الشروخ العميقة التي تسبّب بها في نسيج المجتمع الأميركي، وتعامله المتهور واللامسؤول مع جائحة كورونا، فإنّ وجه أميركا لن يبقى كما نعهده بعد انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، سواء نجح ترامب أو لم ينجح. 

وإذا نجح، فستغطس أميركا في حرب أهلية ضارية لا تُشبه أي حرب أهلية أخرى، لأن شرائح عريضة من المجتمع الأميركي من كل طبقات المجتمع وأعراقه ودياناته ترفض رفضاً قاطعاً ترامب كرئيس، وما الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت قبل شهور، وهي مستمرة إلى الآن، سوى شاهد إثبات على قولنا هذا. 

وإذا لم ينجح، فإنه سيكون دينامو ومايسترو فوضى ستستغلها قبيلته السياسية لزعزعة المجتمع الأميركي، لأن كُنْهَ سياستهم هي بالضبط الوصول إلى تفتيت المجتمع الأميركي وزعزعة أركانه، رغبةً في بناء مجتمع جديد لا يُعترف فيه إلا بالبيض، شرط أن يكونوا أقوياء وأغنياء، ويحشر الباقي مع السود واللاتينو والشرق أوسطيين، الذين لن يتردد حارسو عمارة سلطة ترامب في إطلاق النار عليهم إن لم يمتثلوا لأوامره.

إذا كان حكم ترامب نقمة على الغرب وديموقراطياته، فإنه نعمة على الحكام العرب الَّذين لا يكفون عن التغنّي بنشيدهم الأبدي: "يا سيدنا ترامب، النفط لك، والقدس لك، ولك غداً مكة والمدينة، لا شريك لك"، فقد ساعد ترامب حراس النفط والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط في تطوير ديموقراطياتهم الخاصَّة على طريقتهم، ولم يعد القتل العمد، وتقطيع المعارضين بالمنشار، أو قهر شعب الإماراتي والبحريني، عملاً إجرامياً، فترامب يقتل بشراً من لحم ودم يومياً، ليس فقط خارج أميركا، بل قبالة البيت الأبيض حيث مقرّ عرشه. 

وإذا كان حكام الإمارات يساهمون مباشرة حالياً، وبشكل علني، في إبادة جماعية للشعب الفلسطيني، بمدّ يدهم إلى آل صهيون، فلأنهم لم يكونوا أبداً مسلمين وعرباً حقيقيين. إنهم صهاينة العرب وعرب الصهاينة، ولا يناصر ترامب ممالك النفط وإماراته حباً فيها وفي شعوبها، بل يستعملهم كبيادق مهمة للغاية لسياسته، التي تهدف أساساً إلى الإبقاء على الفوضى في الشرق الأوسط، لأن ذلك في مصلحة أميركا.

فلتنعم هذه البيادق العربية بديموقراطية ترامب، إلى أن يصل الدور إليها، وهو آت لا محالة، لأن الظلم، مهما طال، يُرفع بسواعد أبناء الأمة الأبرار.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حميد لشهب

دكتور سيكو-بيداغوجي، مترجم وكاتب - النمسا

إقرأ للكاتب

العزلة والخلوة في عصرنا

لا بد إذن أن يقودنا الضجيج إلى التأمل، لنحيا معا حياةً كريمةً، نتحكّم فيما يفرّقنا ونعترف به...

أن نعيش هو أن نتعلم كيف نموت

"يمسّ" الفيروس فينا يومياً فرحة الوجود، ويقتلها قبل أن نموت واقعياً، ونقلّص وجودنا إلى طقوس...

نيتشه والليبرالية الجديدة

ترتبط النيوليبرالية أيديولوجياً، في نظر الكثير من الباحثين، بفلسفة ما بعد الحداثة. يكفي مصطلح...

فن الرسم في خدمة الإمبريالية الجديدة

عندما يتمعّن المرء بعض "اللوحات الإستشراقية"، يلمس فيها تلك العين التجسسسية، التي تلتقط تفاصيل...

جذور الاستكبار الفرنسي تجاه المسلمين

عندما تيقَّنت فرنسا من سيطرتها في غرب أفريقيا، أصبح التجسس منهجاً رسمياً استعملته للتجسس على...

ماكرون على خطى نابليون.. الدين كبش فداءٍ لسياسته!

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ماضٍ في تعنته وإصراره على استمرار النار المستعرة في علاقته مع...