تركيا الجديدة و"الوطن الأزرق".. إرهاصات حرب عالمية؟

هل ستحارب تركيا أوروبا؟ وهل ستخرج منتصرة؟ من البديهي أن يكون الجواب لا، فهل يمتلك إردوغان أوراقاً أخرى غير الاستعراض العسكري والخطابات؟!

  • هل يدرك صانع السياسة الخارجية التركية أبعاد قراراته؟
    هل يدرك صانع السياسة الخارجية التركية أبعاد قراراته؟

لا يمكن معرفة الأهداف الخفيَّة للسّياسة الخارجية التركية الحالية وطموحاتها ومخطّطاتها من دون فهم محدّدات نسقها العقائديّ وسياقها التاريخيّ.

 هذه السّياسة التي رسمها السياسي والأكاديمي أحمد داوود أوغلو، نجد بعضاً من أسرارها في كتابه "العمق الاستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية" الصادر في العام 2001، أي قبل عام واحد على وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم. وقد أضيفت إلى هذا الكتاب فصول في العام 2010، وترجم إلى لغات عدة.

ومما جاء فيه: "يجب على تركيا أن تظهر بنية دفاعية تأخذ بعين الاعتبار كلّ العناصر الهامة التي تميزها عن الأخرى. لقد وضعت العوامل التاريخية الموجودة في البنية الدفاعية تركيا أمام ضرورة تلزمها بتطوير استراتيجية دفاعية تذهب إلى أبعد من مجرد الحدود الدولية الموجودة في الواقع، فلا يمكن لتركيا التي ظهرت على الأرضية التركية والجيوسياسية للدولة العثمانية، والتي كان لها نصيب الأسد من ميراثها، أن يقتصر مجال تخطيطها أو تفكيرها الدفاعي على حدودها القانونية فحسب".

صحيح أنَّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تخلّى عن "خدمات" أحمد داوود أوغلو، "مهندس" السياسة الخارجية التركية الحالية، إلا أن أنقرة اليوم تسير على نهج أفكاره ومخططاته (والعودة إلى كتابه الآنف الذكر تؤكّد ذلك)، وهو السعي إلى أن تكون بلاده دولة محورية ومؤثرة مع فارق أكبر، وهو زيادة عسكرة هذه السياسة عبر التدخل العسكري المباشر في بلدان عربية، والتلويح باستخدام القوة في دول أخرى (اليونان وقبرص)، وليست القوة هنا هي الهدف من سياسة تركيا، بل الهدف هو التوسع والسيطرة، وإيجاد منافذ للثروة والتأثير في الساحة الدولية، وتغيير موازين القوة.

والحديث الدائم عن "البنية الدفاعية" هو مصطلح درجت عليه لتبرر مشاريعها الاقتصادية والسياسية، وأهمها التنقيب عن الغاز شرق المتوسط، والمناورات المستفزة للجارتين اليونان وقبرص، والتواجد غير الشرعي في كل من ليبيا وسوريا.

 

الغاز "المكتشف" في ساحة الصراع!

شكَّك العديد من الخبراء الأوروبيين والأميركيين، وفقاً لصحف فرنسيَّة، في صحَّة اكتشاف تركيا "أكبر حقل غاز طبيعي في تاريخها" في البحر الأسود، والذي قيل إنَّ مخزونه يُقدّر بـ320 مليار متر مكعّب، كما شكّكوا في إمكانية توزيع هذا الغاز في العام 2023، إن تم حقاً اكتشافه، كما أعلنت أنقرة، موضحين أنه عادة ما تستغرق هذه المشاريع 10 سنوات على الأقل، كما أنها بحاجة أيضاً إلى رصد ميزانية ضخمة وخبرات أجنبية وشركة دولية، لأن الأتراك لا يتمتعون بالخبرة اللازمة لتطوير حقول الغاز في البحر!

 

تركيا الكبرى والاستقلال الثاني ونهاية لوزان

داخلياً، عمل إردوغان منذ وصوله إلى الرئاسة التركية في العام 2002 على توسيع صلاحيَّته، وقد نال مبتغاه خلال هذا العام بعد إجراء تعديلات دستورية. أما على الصعيد الخارجي، فهو يسعى إلى جعل تركيا قوة جيوسياسية في المنطقة، وهو ما يبدو جلياً من خلال تدخلاته في سوريا، واحتلاله جزءاً من أراضيها، وهجماته العسكرية على العراق، وتدخله المباشر في ليبيا، وتدخلاته غير المباشرة في دول شمال أفريقيا، وأيضاً محاولة فرض قوته في شرق المتوسط.

الأكيد أنَّ السياسة الخارجية التركية ليست "عبثية"، بل هي نتاج رغبة صناع القرار في خلق دولة قومية قوية، لكن نتائجها هي التي لا يمكن التنبؤ بها، وخصوصاً في ظل استنفار أوروبي لوقف تحركات السفن التركية وعملياتها الاستفزازية ضد الجارتين اليونان وقبرص.

إن الهدف الاستراتيجي لتحركات تركيا التي باتت حديث الصحافة الدولية، بحسب تحذيرات الخبراء والعسكريين، يدخل في إطار "النسق العقائدي والسياق التاريخي" لهذه الدولة، والتي كشف عنها النائب في البرلمان التركي ميتين غولونك عن حزب الحاكم، وهي الدعوة إلى إقامة "تركيا الكبرى" التي تضمّ، بحسب قوله، "معظم شمال اليونان وجزر بحر إيجه الشرقية، ونصف بلغاريا وقبرص، ومعظم أرمينيا، ومناطق واسعة من جورجيا والعراق وسوريا". 

واعترف غولونك بأن تركيا تسعى إلى السيطرة على سوريا والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا بروح ما سماه "1071"، وهو تاريخ انتصار السلاجقة على البيزنطيين!

تصريحات رجال "العدالة والتنمية" تنسجم مع العبارتين اللتين يرددهما رئيسهم إردوغان منذ أكثر من 3 سنوات، وهما "العام 2023" و"خير خلف لخير سلف".. فالأولى هي نهاية مئة عام على اتفاقية لوزان التي تم إبرامها في العام 1923 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، بين تركيا من جهة ودول الحلفاء من جهة ثانية، والتي تم بموجبها إنهاء الوجود العثماني في كل من ليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام وقبرص، واعتبار مضيق البوسفور ممراً مائياً دولياً لا يحقّ فيه لتركيا تحصيل أية رسوم. 

كما تنتشر شائعة في الأوساط التركية الموالية لإردوغان بأنّ "هناك اتفاقاً سرياً بين تركيا والحلفاء بأن لاتفاقية لوزان سقفاً زمنياً (مئة عام)"، إلا أن الكثير من الخبراء يفندونها، كذلك يعتبر إردوغان "التوسّعي" أن العام 2023 هو "ولادة تركيا جديدة" التي خطط لها عبر التدخلات غير الشرعية في دول عربية. وهناك عبارة "خير خلف لخير سلف"، وهي دليل على أن الحلم التركي باستعادة "الماضي الاستعماري العثماني" لم ينته ولن يتوقف إلا إذا تم كسر شوكته.

 

هل يدرك صانع السياسة الخارجية التركية أبعاد قراراته؟

يبدو أن الجواب هو "نعم"، ذلك أن إردوغان يعلم أن نتائج محاولاته الحثيثة للسيطرة على المواقع الحيوية في المنطقة لن تكون "وردية"، لكنه ماضٍ في مخطّطه. وقد كان واضحاً أنه لن يتردد في مواصلة سياسته هذه، ملوحاً باستخدام القوة واللجوء إلى الحرب، إن اقتضت الضرورة، موجهاً حديثه إلى الأوربيين واليونانيين على وجه الخصوص، قائلاً في وقت سابق: "تركيا لديها القوة والحزم للقضاء على جميع أشكال التهديدات ضد استقلالها ووجودها وأمن مواطنيها".

ستضطرّ تركيا قريباً إلى مواجهة أعدائها السابقين، وربما سيشهد العالم حرباً عالمية ثالثة بين تركيا بزعامة إردوغان ودول الاتحاد الأوروبي، فلن تقف فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص على الأقل صامتة أمام محاولته السيطرة على شرق المتوسط، الذي هو متنفّس أوروبا، وتواجد السفن الحربية التركية من جهة واليونانية والفرنسية من جهة ثانية ليس مناورات عادية، بل هو "استعراض قوة وتهديدات مبطنة من الطرفين"، في الوقت الذي تحاول ألمانيا تهدئة الأوضاع، معربةً عن مخاوفها من وقوع حرب، فأوروبا ستقف مجتمعة في وجه تركيا، وستساند اليونان بكلّ الوسائل.

وقد تمَّ بالفعل يوم الجمعة الماضي تهديد أنقرة بسلاح العقوبات. كما أنَّ اليونان تسعى إلى تفعيل الاتفاقيات الأوروبية الدفاعية المشتركة، فهل ستحارب تركيا أوروبا؟ وهل ستخرج منتصرة؟ من البديهي أن يكون الجواب لا، فهل يمتلك إردوغان أوراقاً أخرى غير الاستعراض العسكري والخطابات؟!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية

إقرأ للكاتب

كيف يرى برنارد ليفي التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل"؟

يرى ليفي أنه سوف يتم التخلص من صورة "إسرائيل" باعتبارها كياناً غير شرعي في الشرق الأوسط لتتحول...

"دولة عميقة" و"دمى" رئاسية وسيناريو أسود.. هل تنقسم أميركا؟

السّؤال "التراجيدي" الحاضر الآن: ماذا سيحدث لو خسر ترامب ورفض تسليم مقاليد الحكم للرئيس المقبل؟

الحصار الأميركيّ.. دروس من دول "معاقَبة"!

هذه العبارات ليست شعارات لتخدير الشعوب من آلام الحصار والعقوبات واستبداد الدول الغربية، بل هي...

كورونا يُعرّي "نظام التفاهة"

لقد ثبت للعالم أن القِيَم الأخلاقية والفلسفية والثقافية باتت غير مرئية، وأصحابها يعيشون "العزل"...

هل الوضع في سوريا أسوأ من 2014؟

رغم الضغوطات، تسعى دمشق إلى إيجاد أسواق جديدة وقد نجحت في ذلك نوعاً ما، وهناك عمل جدّي لزيادة...