الإمارات المتحدة مع "إسرائيل"

سوف تذكر الإمارات أنها دقَّت، بموافقتها على التعاون مع الكيان الصهيوني، مسماراً جديداً في نعش عروبتنا، وسطَّرت بيديها شهادة نهايتها.

  • الصورة من مطار بن غوروين التي أقلعت منه الطائرة الإسرائيلية وهبطت في مطار أبو ظبي.
    الصورة من مطار بن غوروين التي أقلعت منه الطائرة الإسرائيلية وهبطت في مطار أبو ظبي.

جاء رد فعل الدول العربية على توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978 سريعاً، إذ عُقد مؤتمر بغداد بحضور 10 دول، وقرَّرت خلاله البلدان المشاركة، ما عدا ثلاثة منها، رفض الاتفاقية ومقاطعة مصر، وتم نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس. وعلى الفور، عقدت قمة عربية لتؤكد مقاطعة مصر وتعليق عضويتها في الجامعة العربية.

ولم تهدأ الدول الثائرة، فقرَّرت أن تشمل المقاطعة المنتجات المصرية والشركات والأفراد المتعاملين مع الكيان الصهيوني، وتعليق الرحلات الجوية، وتوقف شراكة السعودية وقطر والإمارات في مشروع الهيئة العربية للتصنيع، الذي كان من المفترض أن يقام على أرض مصر.

استمر ذلك الوضع أكثر من 12 عاماً، حتى انتهت المقاطعة العربية لمصر رسمياً إثر مؤتمر الدار البيضاء الطارئ الذي عقد في المغرب في العام 1990، وعاد مقر الجامعة العربية إلى القاهرة.

الدول العربية رأت حينها أن مجرد الاتفاق مع ذلك الكيان، حتى وإن كان بهدف وقف نزيف الدم وتقليل حجم الخسائر، يعدّ خروجاً عن إطار المسؤولية العربية الجماعية، ولا يمكن تبريره أو تجاوزه من دون ردّ قاطع وحازم.

وبعد أقلّ من نصف قرن، استطاع الكيان الصهيوني ومن يقف وراءه إحداث الفرقة بين الدول العربيّة، وإثارة الفوضى في المنطقة، ونشر الطائفية والمذهبية، وإحداث اقتتال داخليّ وحروب أهلية، وتكوين جماعات إرهابيّة، فتمزّقت أمتنا العربية وانقسمت، واستبيحت واغتصبت أراضيها وخيراتها، بل وأهلها، فأين العراق؟ وأين سوريا؟ وأين اليمن وليبيا؟ وأين النخوة العربية، تلك النخوة التي دفعت الدول العربية إلى مقاطعة مصر، لمجرد قبولها بالاتفاق مع الصهاينة على استرداد باقي أرضها حقناً للدماء؟

وها هي الإمارات التي كنا نأمل منها الكثير، نجد أنَّها رضخت - وربما سعت - للاتفاق مع الكيان الصهيوني الغاشم والغاصب، ليس لأراضينا وخيراتنا فحسب، بل لعروبتنا أيضاً، فكان ذلك التعاون غير المبرر وغير المفهوم.

كان من المفترض أن تثور الدول العربية مرة أخرى كسابق عهدها، وأن ترفض ذلك التعاون، وتقرّر مقاطعة الإمارات، أو على الأقل تعلن رفضها لما قامت به، ولكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث أيضاً، فالأوضاع تغيّرت، والأفكار تبدّلت، وفقدنا الكثير من معاني العروبة والأخوة، وعلت أصوات المصالح الشّخصيّة الّتي أثق بعدم تحقّقها، بسبب أولئك الصّهاينة الذين لا يعرفون إلا الفساد في الأرض، ولا يهدأون إلا بالوقوف على حطام الدول وأنقاضها.

وسوف تذكر الإمارات أنها دقَّت، بموافقتها على التعاون مع الكيان الصهيوني، مسماراً جديداً في نعش عروبتنا، وسطَّرت بيديها شهادة نهايتها، فأولئك الصّهاينة لا يعرفون إلا لغة القتل وسفك الدماء، وكم من جرائم ارتكبوها في بلادنا على مرأى ومسمع من الجميع!

ولا تظنّ الإمارات أنّها سوف تسلم منهم، فإذا كان الصّهاينة قد قتلوا الأنفس في سوريا ولبنان وفلسطين، وقبلها في مصر، فإنهم سوف يقتلون عقول أبنائها ويسمّمون أفكارهم. وبعد ذلك، سوف يدفعونهم إلى الثورة على حكامهم تحت شعار الحرية والديموقراطية وحكم الشعب لنفسه بنفسه.

باختصار، دولة الإمارات العربية المتحدة باتت متحدة هذه المرة مع الكيان الصهيوني الذي لطالما لعنته وتشدّقت بمعاداته ومعاداة من يتّفق معه أو يتقبّل وجوده.

أعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى بيان، فغالبيتنا على ثقة بأن الكيان الصهيوني لديه مآرب ومطامع خاصة في ذلك التعاون الظاهري مع الإمارات، ولن يسمح بأن يستفيد غيره منه، فقد يصبح ذلك الكيان إمارة أخرى من الإمارات، أو قد تصير الإمارات جزءاً من ممتلكات ذلك الكيان، والوضعان متشابهان.

على كلّ حال، أخشى - وللأسف أتوقَّع ذلك قريباً - أن أعيد الكلام ذاته مرة أخرى عن بلد عربي آخر، فالفكر الصهيوني كالسرطان، سرعان ما ينتشر إذا وجد خلية تمكّنه من البقاء فيها.

فيا حكّامنا وأهلنا، إياكم وأولئك الصّهاينة! إياكم ومَن دنّس أقصانا، وسفك دماءنا، واستباح أرضنا وعرضنا، واغتصب خيراتنا، ويتَّم أطفالنا! ولا تنسوا أننا سوف نلقى الله تعالى غداً، وسيسألنا عن أفعالنا، فلا تغرّنكم الدنيا، واعتصموا بحبل الله عزَّ وجلّ، واعلموا أنّ الخائن لا عهد له ولا أمان، وأنَّ من ارتضى الهوان استحقَّ أن يعيش ذليلاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شريف سلامة

دكتوراه في القانون الدستوري

إقرأ للكاتب

سقوط "أل" التعريف عمداً!

إعادة ذكر القرار رقم 242 ليست من قبيل البكاء على الأطلال وإنما السبب في ذلك هو ما شهدناه على...