رد حزب الله.. الضغط على الوعي الإسرائيلي

الضّغط على الوعي الإسرائيلي دفع رئيس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي إلى التصريح بأن السيد "نصرالله لن يهدأ حتى يقتل جندياً إسرائيلياً"، فمن زرع هذا اليقين في عقله؟

  • رد حزب الله.. الضغط على الوعي الإسرائيلي
    تحاول المقاومة الارتقاء في مستوى فرض المعدلات على العدو، وفرض معادلة جديدة عليه عنوانها "الردُّ آتٍ حتماً"

"نحتفظ بحق الردّ في الزمان والمكان المناسبين".. يعود منشأ هذه العبارة لدى الدول أو التنظيمات التي تتعرّض للهجوم أو الاعتداءات إلى سبب أساسي لا يمكن تجاوزه والتغاضي عنه، لما لتغييبه عن أذهان الناس من انعكاسات سلبية على البيئة العامة. ولعلّ فهم الناس للأسباب الحقيقية لعدم الرد، يجعلهم أكثر مسؤولية وتفهّماً للقرارات التي تُتّخذ بهذا الشأن.

على مستوى الصراع مع العدو الإسرائيلي، كان السبب الأساسي يتمحور دائماً حول ميزان القوة معه، فمن المعروف أن الجيش الإسرائيلي من أقوى جيوش المنطقة، وأنه يملك تفوّقاً كبيراً على مستوى سلاح الجو بشكل خاص، ويتمتع بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة النفوذ الأقوى على مستوى العالم، والجاهزة لمساندته ومدّ يد العون له عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهو ما كان يجعل المُعتدَى عليه يفكّر عشرات المرات قبل الردّ، وصولاً إلى دخول مفهوم "التوعّد بالردّ" مرحلة "الموت السريري" في وعي الناس، على قاعدة انتظار توفّر ظروف أفضل للردّ، لعلّها لن تتوفر.

الاضطرار أحياناً إلى السير بتلك السياسة له عدة أسباب، منها إعطاء الجهات المعتدى عليها فرصة لنفسها في تطوير قدراتها العسكرية والتسليحية، ومنع استنزافها، وعدم جرّها إلى معركة بتوقيت العدو تؤدي إلى ضعفها أو انكسارها، مع جعل الحساب مفتوحاً معه.

بعد حرب تموز/يوليو 2006 وهزيمة جيش العدو وعدم تحقيقه أياً من أهدافه، ومع تطوّر المقاومة بشكل كبير، نتيجة القدرات التسليحية التي تزوّدت بها، وخصوصاً الصواريخ الدقيقة، ونتيجة التجربة الّتي خاضتها والخبرة التي حَصّلتها من مشاركتها في الحرب السورية والدفاع عن الحدود اللبنانية السورية في وجه المشروع الأميركي الذي استفاد من التكفيريين وبعض الجماعات ذات المصالح الخاصّة، تحاول المقاومة الارتقاء في مستوى فرض المعدلات على العدو، وفرض معادلة جديدة عليه عنوانها "الردُّ آتٍ حتماً".

في عملية "أفيفيم" في أيلول/سبتمبر 2019، نفّذت المقاومة هذه المعادلة، وردّت بعد أسبوع تقريباً من استشهاد مقاتلَين لها في سوريا بغارة جوية إسرائيلية، رغم كل التهويل الإسرائيلي والتصعيد الّذي سبق العملية إن حصل أي رد، مع الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي وضع قواته على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة في حالة تأهب قصوى منذ اللحظة الأولى لإعلان المقاومة أن الردّ حتمي.

بعد استشهاد علي محسن في تموز/يوليو 2020، وبمجرّد إعلان المقاومة في بيانها أنه استشهد في غارة إسرائيلية على مطار دمشق، وقبل أن تنطق بأيّ كلمة حول نيتها الردّ، فهم العدو الإسرائيلي ما ينبغي أن يحضّر نفسه له، وهو "الردّ الحتميّ من المقاومة". واللافت في هذا الأمر، أنّ بيئة المقاومة فهمت أيضاً منذ اللحظة الأولى للإعلان أنّ الرد آتٍ حتماً، وأن المقاومة لن تحتفظ بحق الردّ، فاستبقت أيّ تصريح علني لقادتها.

عزمت المقاومة على الردّ والقتل، بعيداً مما يظنّه البعض من أنها قد ترضى بالأمور الشكلية أو بالمسرحيات التي ينفّذها نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه هنا وهناك. بدأت المقاومة تنفّذ هجوماً معاكساً على الوعي الإسرائيلي، وهو ما ظهر في تصريح وزير الدفاع السابق ليبرمان، الذي قال إن السيد "حسن نصرالله كلمته كلمة، وعنده العين بالعين، والسن بالسنّ".

كما كانت رسائل "إسرائيل" غير المباشرة إلى المقاومة، عبر قوات اليونيفيل، أنّها لم تقصد القتل، ولا تريد التصعيد، ما جعلها عرضة للاستهزاء أمام الجمهور والإعلام الإسرائيلي، إذ صرّح الصحافي في "هآرتس"، يوسي ميلمانن، أن "حزب الله انتصر بالضغط على الوعي الإسرائيلي".

"الضّغط على الوعي" دفع رئيس أهم مركز لأبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، عاموس يادلين، إلى التصريح بأن "نصرالله لن يهدأ حتى يقتل جندياً إسرائيلياً!"، فمن زرع هذا اليقين في عقله، وهو نفسه الذي حاول اللعب على وعي اللبنانيين، عندما اعتبر أن ما انفجر في مرفأ بيروت هو مستودع مواد متفجرة لحزب الله!؟

وحتى تحافظ المقاومة على ما حقّقته من إنجاز ملموس في وعي العدو، قادةً وجنوداً ومستوطنين، وما حقّقته من نقلة نوعية في وعي جمهورها والجمهور العربيّ والإسلاميّ، لا بدّ من أن تقوم بتتويج خطواتها بالردّ، وهذا ما يؤكّده سلوكها وخطابات قادتها.

المقاومة يجب أن ترد ثأراً لكل شهيد عربي ومسلم قُتل على يد الجيش الإسرائيلي ولم يؤخذ بثأره.

المقاومة يجب أن ترد حتى لا يتمادى العدو في قتل أفرادها في سوريا أو لبنان أو أيّ مكان في العالم. 

المقاومة يجب أن ترد حتّى يفهم هذا العدو أنّ زمن تفوّق جيشه انتهى إلى غير رجعة.

المقاومة يجب أن ترد لتحفظ كرامة كل مقاوم وكل مناصر لها.
المقاومة يجب أن ترد وتَقتُل.
وإلى ذلك اليوم، ألف سلام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد زكريا عباس

ماجستير في الجغرافيا السياسية