شعب البحرين ينتفض ضد التطبيع ولم يسمع من الإمارات شيئاً

لماذا شعب البحرين ينتفض احتجاجاً ضد تطبيع السلطات في بلاده العلاقة مع "إسرائيل"، فيما لم يحرك شعب الإمارات ساكناً؟

  • الموقف الرافض للتطبيع نابعٌ من الوعي السياسي والوطني والقومي لدى الشخصية البحرينية عموماً
    الموقف الرافض للتطبيع نابعٌ من الوعي السياسي والوطني والقومي لدى الشخصية البحرينية عموماً

خرجت في البحرين تظاهرات شعبية احتجاجاً على تطبيع السلطات هناك العلاقة مع "إسرائيل"، فيما لم يُسجل في الإمارات أي احتجاج؟ لماذا؟ سؤال يفرض نفسه بعد مشهد التظاهرات الشعبية الجامعة في البحرين ضد السلطة فور الإعلان عن نيتها توقيع اتفاقية مع العدو الإسرائيلي.. أما في الامارات، فلم يحصل الأمر نفسه. وفي حين خرجت أصوات إماراتية تؤيد التطبيع وتمجده وتعدد "فؤائده العشرة"، كان البحرينيون قد بدأوا بتنظيم حملة مقاطعة للشركات التي قد تُطبَّع تجارياً واقتصادياً مع "إسرائيل".

ما الذي يدفع البحرينيين على اختلاف مشاربهم السياسية والإجتماعية إلى تحدي سلطتهم وقرار منع التظاهر؟ هي أولاً القضية الفلسطينية، وهي الخط الأحمر، لدى الشعب البحريني.

هي القضية التي غنوا لها في طفولتهم وتغنوا بها. هي القضية التي ناضلوا من أجلها، فاستشهد منهم في سبيل الدفاع عنها، ليس فقط في حرب الـ48 بل أيضاً خلال الإجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، حين استشهد المناضل مزاحم عبد الحميد الشتر، في النبطية، أثناء مقاومته الغزو مع المنظمات الفلسطينية، ووري الثرى في مدافن الشهداء في البلدة.

هذا الموقف نابعٌ من الوعي السياسي والوطني والقومي لدى الشخصية البحرينية عموماً. هذا الوعي تشكل بفعل الأحزاب الناشطة فيه وإن بمسمى الجمعيات، فاليسار كان حضوره قوياً وليس أقل منه حضور حركة القوميين العرب والبعثيين وجبهة التحرير البحراني والجبهة الشعبية، هذه الأحزاب بتلاوينها شكلت الوعي الشعبي البحريني وجعلت من القضية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من هوية البحرين العربية. وهو لذلك متقدم بمراحل لا تقاس على السلطة هناك. لهذا ترى في البحرين طيفاً واسعاً ومتنوعاً من المثقفين والفنانين والمناضلين والناشطين السياسيين.. والمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي.

وهنا تكتسب التظاهرات الاحتجاجية ضد الإعلان عن تطبيع العلاقات مع العدو، قيمة أكبر، نظراً لمعاناة الشعب البحريني منذ العام 2011 من استبداد سلطة ترفض تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية ... سلطة تمارس التمييز الطائفي، ولم تتورع عن تهجير المواطنين الأصليين وإسقاط الجنسية عن معارضيها واستبدالهم بمواطنين مرتزقة من هنا وهناك لتحقيق التغيير الديموغرافي الذي تريده، لنصبح أمام مشهد سوريالي، حيث السلطة تغير الشعب بدلاً من أن يغير الشعب السلطة. 

وإن كانت تجربة الـ2011 موزعة بين موالين ومعارضين، فإنهم توحدوا بالأمس تحت راية فلسطين، فخرج البحرينيون بتلاوينهم السياسية المختلفة إلى الشارع رفضاً للتطبيع.

والتجربة السياسية لا بد أن تستدعي تجربة ثقافية، فالمجتمع البحريني له تجربة ثقافية واسعة ومعتبرة. ومما لا شك فيه أن التلازم بين السياسي والثقافي ساهم في صقل الشخصية البحرينية.

أما بالنسبة للإمارات... فكل ما سبق ذكره في البحرين، لا أثر له في هذا البلد. فالسلطة الحاكمة في الإمارات لا تتحمل تشكيل حزب فحسب، بل لا تتحمل تشكيل نقابة.. فلا أثر لأية تجربة سياسية أو حزبية أو ثقافية فيها، وكأن الشعب في هذا البلد وقع باكراً في فخ الرخاء الذي تمنحه السلطة له، وفي فخ الفردية تالياً. تخلى عن التعاطي بالسياسة والأحزاب، وأبقى على تعاطيه بالثقافة لماماً، بما يقتضيه الترويج للبلد في المهرجانات السنوية. علماً أنه ليس في الإمارات ما يُحتفل به سوى مهرجان التسوّق. لكنها تقيم مهرجان السينما ولا صناعة سينمائية إماراتية فيها، تنظم الجوائز الصحافية والإعلامية دون أدنى تجربة إعلامية أو صحافية إماراتية يُعتدّ بها، وكذلك تحتفل بمهرجان الكتاب ولا كتاب فيها..

وبين التجربتين البحرينية والإماراتية أيضا فارق اجتماعي مهم، فمن الملاحظ أن زائر البحرين يتعرف على أهلها وهو يتجول فيها، من السائق إلى البائع إلى الطبيب والمدرس وعامل المقهى وسيدة المنزل والطالب، بينما زائر الإمارات لا يرى سوى الجاليات العربية والفليبينية والهندية والباكستانية والبنغالية والألمانية والإنكليزية وغيرها الكثير، باستثناء "المواطن" الإماراتي إذ ليس من البديهي رؤيته.. وهذا دليل على حيوية الشعب البحريني ومساهمته الأساسية في بناء بلاده.

عموماً، تقاس حيوية المجتمعات بتجاربها السياسية وعليه تقوم خبراتها المعرفية المؤسسة للثقافة - الموقف.

فالشعوب التي لا تجربة حزبية لديها ولا تجربة ثقافية ولا تجربة سياسية... لا يُعوّل عليها.​

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ضياء شمس

إعلامية في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

الوجه الآخر للمساعدات الدولية للبنان

هل لهذا الاهتمام الدولي الزائد أن يوضح لنا من المستفيد من التفجير؟ وبالتالي السبب الأساسي...