الانتخابات الأميركية الأكثر إثارة... هل يخالف ترامب التوقّعات؟

لا شكّ في أنّ الصّين تفرك اليدين فرحاً بهذا الاشتباك الأميركي الحزبيّ والتراجع الاقتصادي، وهي الّتي أدماها ترامب بحربه الاقتصاديّة التي لم يسبق لها مثيل، أما روسيا وإيران، فهما في حالة عرس حقيقي.

  • الانتخابات الأميركية الأكثر إثارة... هل يخالف ترامب التوقّعات؟
    لا يبدو ترامب مرتاحاً لهذه الانتخابات أو متيقّناً من الفوز فيها

يعيش الأميركيون حالةً من القلق والترقب مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التي لا تفصلنا عنها سوى أسابيع قليلة، فالتوقعات المتشائمة ترفع منسوب التوتر إلى مستويات مجنونة، ليس خوفاً من الانتخابات كاستحقاق وسلوك سياسي دائم، إنما بفعل حجم الانقسام الحاصل في المجتمع الأميركي، وجنوح بعض التيارات المتطرفة نحو العنف، يغذّيها رئيس متعصب متغطرس وعنصري مقدم على انتخابات التجديد الرئاسي. وقد استبقها بالتشكيك في نزاهتها، مسدّداً طعنة نجلاء إلى العملية الديموقراطية برمتها، زاعماً أن التزوير وحده سيجعله يخسر الانتخابات، ملمّحاً إلى أنه لن يقبل بنتيجتها إذا فاز فيها منافسه الديموقراطي جو بايدن.

يحصل كل هذا وسط تراجع اقتصاديّ حادّ لم تشهده أميركا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وفي ظل جائحة تسببت بخسارة عشرات الملايين من البشر لوظائفهم، وأدت إلى تراجع هيبة أميركا في المسارح الدولية، وغياب تأثيرها في أغلب الملفات الملتهبة حول العالم، بسبب السياسة الترامبية الفاشلة داخلياً وخارجياً.

لا شكّ في أنّ الصّين تفرك اليدين فرحاً بهذا الاشتباك الحزبيّ والتراجع الاقتصادي، وهي الّتي أدماها ترامب بحربه الاقتصاديّة التي لم يسبق لها مثيل. أما روسيا وإيران، فهما في حالة عرس حقيقي، وينظران إلى هذا السقوط المروع للقوة التي سميت بالأعظم على مدار تسعين عاماً بالترحيب والتصفيق.

لا يبدو ترامب مرتاحاً لهذه الانتخابات أو متيقّناً من الفوز فيها. وقد حاول إرجاءها بذرائع شتى. ولولا العقبة الدستورية، لفعل ذلك، وهو لا يكاد يستفيق من فضيحة إلا وتتبعها أخرى أشد إيلاماً من سابقاتها، وآخرها فضيحة الضرائب التي كشفتها صحيفة "نيويورك تايمز" أخيراً. 

إنّها فضيحة مجلجلة بكلّ المقاييس، أظهرت تهرّب الرئيس المليونير من دفع الضرائب للحكومة لمدة 15 عاماً، وكشفت أنه لم يدفع سوى 750 دولاراً في العام 2016، عام انتخابه للرئاسة، ما وضعه وحزبه في حالة حرج كبير، فقد بان كرجل أعمال فاشل غارق في الديون المليارية ومخالف للقوانين، وفي ذلك نسفٌ للدعاية التي حاول مراراً نسجها حول نفسه بأنه رجل أعمال ناجح وخارق الذكاء، ومليونير يجيد جني الأرباح ولا يعرف الخسائر.

من يشاهد "سي أن أن" (cnn) الإخبارية هذه الأيام، يجد حجم الاحتفاء بهذه الفضيحة التي نزلت عليهم برداً وسلاماً، فيما نزلت على ترامب وحزبه الجمهوري كالصاعقة. وتحسباً للهزيمة، سارع الرئيس ترامب إلى تعيين القاضية المحافظة إيمي كوني باريت في عضوية المحكمة العليا، خلفاً للأيقونة الليبرالية غينسبورغ التي رحلت عن دنيانا الأسبوع الفائت، في خطوة تعزز الأغلبية المحافظة في أعلى سلطة قضائية في البلاد، على الرغم من معارضة الديموقراطيين للخطوة، مستندين إلى رفض الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ لمرشح الرئيس أوباما، بحجة أنه عام انتخابي، ولا بد من تطبيق المبدأ نفسه مع مرشح ترامب، لأنه عام انتخابي أيضاً، الأمر الذي يرفضه الجمهوريون والرئيس ترامب.

ويُعرف عن القاضية إيمي كوني باربت أنها من المحافظين المتشددين في قضايا الهجرة والإجهاض والسلاح، ما يشكل سلاحاً حاداً في يد ترامب، كإحدى الأدوات التي ستفيده حين يحاول الطعن في النتائج عند اللجوء إلى المحكمة العليا للفصل في القضية، كما حصل مع بوش الابن أمام منافسه الديموقراطي آل غور، عندما حسم الأمر لصالح الأول، على الرغم من أن الفارق في الأصوات لا يزيد على 500 صوت في ولاية فلوريدا، ولا زالت آراء كثيرة تقول إنه سرق الرئاسة من يد الديموقراطيين حينها.

هناك رأي لا يستهان به، يقول إن ترامب ربما يلجأ إلى الخيار الانتحاري الأخير في جعبته، ويعلن رفضه الخسارة، ويستخدم صلاحياته الدستورية، ويأمر الجيش بالنزول إلى الشوارع، وهو احتمال غير مستبعد من رجل متهور يصعب التكهن بخطواته.

أكثر من 500 جنرال أميركي في الجيش والمخابرات وقعوا على عريضة تحذر من إعادة انتخاب دونالد ترامب، معتبرين أن ذلك، إن حصل، سيشكل خطراً أمنياً مريعاً على البلاد. العشرات من نجوم الحزب الجمهوري، وأغلبهم خدم في الإدارات الجمهورية السابقة، أعلنوا أنهم سينتخبون المرشح الديموقراطي جو بايدن، كسابقة في تاريخ الحزب الّذي عرف عنه الالتفاف حول مرشحه الانتخابي وتقديم كل الدعم والمساندة له، ومنهم على سبيل المثال الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكولن باول، وكوندليزا رايس، وأرملة جون ماكين، وجون بولتون، وغيرهم كثير.

كل ذلك جعل ترامب كالثور الهائج، ينطح كل من يقف أمامه، ويبحث عن أي إنجاز، مهما كان صغيراً، ليدعم حظوظه الانتخابية. ولذلك، يمارس الضغوط الهائلة على دول في الشرق الأوسط للتطبيع مع "إسرائيل"، لعلّ ذلك يخدمه في الانتخابات، علماً أن الشعب الأميركي لا يكترث كثيراً للسياسة الخارجية، وينظر إلى النجاح في الداخل كأساس للاختيار، وهو الجانب الذي خسر فيه ترامب كل إنجازاته الاقتصادية التي كانت تشكل له قوة عاصفة أمام خصومه، بما في ذلك إنجازه في خفض معدلات البطالة، حتى وصلت إلى حدود %3.7، وذلك لأول مرة منذ 50 عاماً.

لا شكَّ في أن ترامب لا يزال يحافظ على قاعدة جماهيرية لا يستهان بها، وأن استطلاعات الرأي لا تصدق دائماً، مهما أظهرت من تقدم لخصمه الديموقراطي جو بايدن، فقد حصل ذلك مع منافسته المرشحة الديموقراطية هيلاري كلنتون في انتخابات 2016، والتي كانت متقدمة عليه بفارق مريح في كل مرة، لكن التنبؤات جميعها جاءت كسراب بقيعة، ولم تصدق، وفاز ترامب مخالفاً كل الرغبات بخسارته.

أكتب هذه المقالة عشية المناظرة الأولى من مجموع 3 مناظرات للرئيس ترامب مع منافسه الديموقراطي جو بايدن، والتي يعوّل ترامب ومناصروه عليها، باعتبارها الفرصة الثمينة كآخر سهم في كنانته، والتي ستعزز موقعه المتراجع على كل الصعد، وهو المعروف بالتنمر وخطف الأضواء، وبكونه مهاجماً شرساً لا يكترث للياقة والأدب، بخلاف بايدن الّذي يبدو أكثر كياسة ولباقة، مع الإشارة إلى أن المناظرة الأولى لا تكون دوماً في مصلحة الرؤساء، فقد خسرها بوش الأب أمام بيل كلينتون، وخسرها بوش الابن أمام آل غور، وخسرها أوباما أمام ميت رومني، وأتوقع وأرجو أن لا يخيب رجائي بخسارة ترامب فيها، حتى لا تكون سبباً في تحسين موقعه الانتخابي وحسم الأصوات المتردّدة لصالحه.

بايدن لم يكن خياراً موفقاً من قبل الديموقراطيين لمنافسة ترامب، وإن حاول الحزب ترقيع هذا الخطأ باختيار كاميلا هارس نائباً له، وذلك بسبب تقدمه في السن، وهو الذي بلغ من العمر عتياً، حتى ناهز 77 عاماً، كأكبر المرشحين الأميركيين للرئاسة، ويُعاب عليه الانفعال والزلات والنسيان، وهي عوامل مؤثرة بالفعل، تجعل الكثير من الناخبين في حيرة. 

وفي المحصلة، يهون كل شيء ويمكن احتماله، مهما بلغ من السوء، من مثل بايدن النعسان، ذلك أنه سيبقى أفضل بكثير من ترامب المجنون.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عباس المساوي

دبلوماسي يمني سابق- واشنطن