بعد نصف قرن على رحيله.. ما أحوجنا اليوم إلى جمال عبدالناصر!

في زمن التطبيع والتهافت والتساقط المجاني، نَتَذكَّرُ كيف رفض جمال عبدالناصر التطبيع، وحافظ على كرامته الشخصية والوطنية وكرامة أمته العربية التي كانت في زمنه مهابةً ومحترمة بين الأمم.

  • دعم عبدالناصر فكرة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لتكون إطاراً سياسياً للشعب الفلسطيني
    دعم عبدالناصر فكرة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لتكون إطاراً سياسياً للشعب الفلسطيني

أنا من شهود العصر والمرحلة... شاهد على عصر جمال عبدالناصر، وما زلت أتذكّر أبا خالد ومواقفه الخالدة، وأشتاق إلى أيامه الحافلة بالعز والمجد والرجولة والشرف، رغم هذا الزمن الرديء الذي نعيشه؛ زمن القحط والهوان والذل، زمن غياب من يملأ الفراغ الكبير الذي خلفه رحيله.

في هذه الأيام؛ أيام الهرولة والتطبيع والتهافت والتساقط المجاني، نَتَذكَّرُ ونُذكِّر كيف رفض هذا الزعيم الفذّ التطبيع، وحافظ على كرامته الشخصية والوطنية وكرامة أمته العربية التي كانت في زمنه مهابةً ومحترمة بين الأمم، وكانت تُضرَب التحية لأبنائها أينما حلّوا ونزلوا في أرجاء المعمورة.

في أيامنا الراهنة التي يتخلى فيها "حكامٌ عربٌ" عن فلسطين وشعبها ومسجدها الأقصى، نستذكر جمال عبد الناصر، صاحب القول المأثور "القدس قبل سيناء"، ونَتَذكَّرُ ونُذكِّر كيف رفض أن تُعاد له سيناء مقابل إنهاء حالة الحرب؛ إنهاء حالة الحرب فقط، وبلا تطبيع وسفارات!

في هذه الأيام التي يتآمر فيها بعض الحكام على القضية الفلسطينية وقضايا الأمة المصيرية، نتذكَّر عبدالناصر الذي لطالما حذرَنا منهم ومن خطر الرجعية العربية، نتذكّر ونُذكِر بأن عبدالناصر جُرح في الفالوجة الفلسطينية وهو يحارب دفاعاً عن فلسطين في العام 1948، وأنه استشهد وهو يحاول حقن الدم الفلسطيني في أيلول/سبتمبر، ونذكر نعي منظمة التحرير الفلسطينية له يوم وفاته، حين قالت: "عاش لنا ومات من أجلنا".

دعم عبدالناصر فكرة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، لتكون إطاراً سياسياً للشعب الفلسطيني، وتقود نضاله، وتتحدَّث باسمه، ونتذكَّر رعايته لها وقوله عن الثورة الفلسطينية إنها "ولدت لتبقى". نتذكر ونُذَكِر بأنه احتضن أيضاً حركة القوميين العرب، وثورتي الجزائر واليمن وكل الثورات العربية، ودعم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ونتذكَّر حرصه على الوحدة العربية وتمسّكه بها، كوسيلة فعالة ومضمونة لرفعة الأمة العربية وحفظ حقوقها ومنع سرقة تاريخها ومصادرة مستقبلها.

نتذكَّر ونُذكّر بأنّ عبدالناصر خسر معكة، ولكنه تحمل النتائج، ولم يتخاذل، ولم ينكسر، ولم يذل، ولم يستسلم، ورفع شعار استرداد الأرض وإزالة آثار العدوان، وعمل على ذلك، ولم يوقع اتفاقيات العار، بل تمسك باللاءات الثلاث، وأعاد بناء الجيش الذي انتصر في حرب الاستنزاف، وانتصر لاحقاً في العبور في أكتوبر، في حين أن من جاء بعده فرَّط في الإنجازات، وحوَّل النصر إلى هزيمة سياسيّة وخسارة استراتيجية ومصيبة لحقت بالأمّة.

نتذكر ونُذكِر بمواقف العز والمجد الّتي وقفها عبدالناصر بعد نجاح ثورته، مثل جلاء الإنجليز عن مصر، وتأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي، ودحر العدوان الثلاثي عن مصر، وتعزيز استقلالها الوطني والنهوض بها، وإحداث تنمية اقتصادية علمية اجتماعية كبيرة ومشهود لها وغير مسبوقة.

نَتذكر ونُذكر كيف بنى اقتصاداً قوياً في مصر، وقاعدة صناعية ضخمة ضمت 1200 مصنع كبير، ونهض بالزراعة، بينما نرى اليوم حكاماً يفرطون في ثروات الأمة، ويبدّدون صناديقها السيادية.

نَتذكر ونُذكر بالقطاع العام الذي بناه، والذي بلغت قيمته، بحسب تقديرات البنك الدولي، 1400 مليار دولار، هذا القطاع الذي قام من جاء بعده بتدميره وسرقته وبيعه بأبخس الأسعار، لإضعاف مصر وإتاحة المجال لمصادرة قرارها والنَيل من عزتها التي حظيت بها في زمنه.

 نتذكَّر ونُذكِر بالسدّ العالي الذي بناه عبدالناصر، والذي اعتبرته الأمم المتحدة أعظم مشروع هندسي أنجزته البشرية في القرن العشرين، والذي منع الجفاف في مصر، ونجّاها من فيضانات نهر النيل، ووفَّر لها الكهرباء، بينما نرى اليوم دولاً عربية أخرى تعاني الجفاف والفيضانات المدمرة، ونقص ومحدودية التزود بالكهرباء، بما لا يزيد على ساعات قليلة في اليوم.

وفي ظلّ الحملة على الإسلام ومحاولات تشويهه، نتذكر ونُذكِر بما قام به لرفعة الإسلام الحنيف وتعليمه ونشره وبيان سماحته، وطباعة القرآن، وتعزيز دور الأزهر الشريف، فكان أول من ترجم القرآن وأسَّس له إذاعة خاصَّة.

نتذكَّر ونُذكِر بأنَّ عبدالناصر كان من مؤسسي حركة "عدم الانحياز" التي كانت بمثابة نظام عالمي جديد، وكانت القاهرة عاصمة لهذا النظام العالميّ، ونذكر عندما غادر قاعة اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة أثناء إلقاء المندوب الإسرائيلي كلمته، فلحق به 124 زعيماً من زعماء العالم، ما دفع الرئيس نيكسون إلى أن يقول: "ناصر يحكم نصف العالم"، وهذا يذكّرنا أيضاً بقول بن غوريون لمساعديه عن عبدالناصر: "ماذا أفعل لكم وقد بُعثَ في مصر فرعون جديد"، إضافة إلى قول ديان عند وفاة عبدالناصر: "كان عبد الناصر ألدّ أعدائنا، وأكثرهم خطورة على دولتنا، ووفاته عيد لكل يهودي في العالم"، وقول بيجن: "ﺑﻮﻓﺎﺓ ﺟﻤﺎﻝ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻨﺎﺻﺮ، ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﺸﺮﻗﺎً ﺃﻣﺎﻡ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ، ﻭﻋﺎﺩ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻓﺮﻗﺎﺀ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ، ﻭﺳﻴﻈﻠﻮﻥ ﺑﺎﺧﺘﻔﺎﺀ ﺷﺨﺼﻴﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﺭﻳﺰﻣﺎﺗﻴﺔ".

نتذكَّر ونُذكِر بعبدالناصر الذي كان له أعظم احتفال في المئوية، وكان له أعظم جنازة في التاريخ، ومعهما نتذكَّر قول الإمام أحمد رضي الله عنه: "قولوا لأهلِ البدعِ: بيننا وبينكم يومُ الجنائزِ".

ونحن نرى ونشعر كم كانت الجماهير المشيّعة صادقة وبعيدة النظر والحدس، عندما قالت في وداعه: "يا جمال يا عود الفل.. من بعدك هنشوف الذل".

في هذا الزمن الذي يطغى فيه الفساد والفاسدون، نتذكّر عبدالناصر ونترحم عليه، وهو الذي حارب الفساد والرشوة، ونستذكر عندما أرسل إليه الأميركيون رشوة بقيمة مليون دولار، مع وعدٍ بمليون ثانٍ إن استجاب لهم وكيف بنى بالمبلغ برج القاهرة، ليغيظهم ويكون شاهداً على نظافة يده وفشلهم، ورفع لهم على سطح البرج عموداً طويلاً، ولا ننسى أنه كان الرئيس الوحيد في التاريخ الذي مات مديناً، ولم يترك لأسرته بيتاً تسكن فيه.

لقد قال عنه رجل المخابرات المركزية الأميركية يوجين جوستين: "مشكلتنا مع عبدالناصر أنه رجل بلا رذيلة، ما يجعله من الناحية العملية غير قابل للتجريح، فلا نساء، ولا خمر، ولا مخدرات، ولا يمكن شراؤه أو رشوته أو حتى تهويشه، نحن نكرهه ككلّ، لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً تجاهه، لأنه بلا رذيلة وغير قابل للفساد".

نذكر عبدالناصر ونتذكّره وقد انحاز إلى الفقراء والعمال والفلاحين والطلبة وأنصفهم، وأعطاهم حقوقهم، وحرص على تنمية الطبقة الوسطى وتقويتها، ورفع شعار "ارفع رأسك يا أخي"، وشعارات أخرى جميلة رفعها وطبّقها، من مثل "الرجعية تتصادم مع مصالح جموع الشعب بحكم احتكارها لثروته".. "إن تحرير الأرض واجب مقدس لا يمكن أن نتهاون فيه لحظة"، و"ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة".

ختاماً، عندما أعلن الرئيس بوش بداية غزوه للعراق، أنهى كلامه قائلاً: "لن نسمح بعبدالناصر ثانٍ"، وهو ما يعكس الدور الفاعل الَّذي أداه في مواجهة الأعداء ومخطَّطاتهم والأرق الذي سبّبه لهم.

من الطّبيعيّ أن يكرهه الأعداء والمستعمرون والفاسدون والمطبّعون والعملاء والرجعيون، وأن يحاولوا تشويه صورته، ونحن اليوم نردّ عليهم بأنهم لن يستطيعوا طمس الحقيقة وإطفاء الشّمس، والتجارب الحيّة تبقى ولا تموت في الذاكرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عبد الرحيم سويسة

طبيب وكاتب فلسطيني