الوضع الفلسطينيّ بين المراهنات والخيارات

ستعطي الانتخابات الشعب الفلسطيني حرية التعبير عن رأيه في اختيار قيادته السياسية والمشاركة بتحديد أولويات البرنامج السياسيّ والوطنيّ لاستكمال مشروع التحرر الوطني وإفشال "صفقة القرن".

  • الوضع الفلسطينيّ بين المراهنات والخيارات
    الوضع الفلسطينيّ بين المراهنات والخيارات

السياسة الخارجيَّة التي اعتمدتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتغليب المصلحة الأميركية على حساب منظومة العلاقات والتوازنات الدولية، ومحاولة تكريس لغة الاستعلاء والعنجهية والصلف حتى مع الحلفاء المقربين، واستخدام منهجية العقوبات والترهيب والردع في السعي لفرض المصالح الأحادية... كل ذلك أحدث الكثير من التأثير العكسي في قدرة الإدارة الأميركية على الاستمرار في الترويج لانفرادها بالهيمنة على العالم، وتجاهل المتغيرات المتواصلة على الأرض، والتي تميل بقوة أكبر نحو عالم متعدد الأقطاب والمصالح والأولويات.

لم تكن التغيرات المتعددة التي جرت في فريق إدارة ترامب هي السبب في نتائج الفشل التي حصدتها هذه الإدارة في التعامل مع العديد من الملفات الرئيسية لسياستها الخارجية، كما لم تكن المسألة مرتبطة بالسمات الشخصية للرئيس، رغم ما فيها من عيوب وثغرات ونواقص تجعله دون مستوى المسؤولية التي يضطلع بها، ويمكن استثمارها من قبل القوى الأكثر تطرفاً وعدوانيةً في أوساط اليمين الديني واللوبي الصهيوني النافذ في المؤسسة الحاكمة، والذي دفع هذه الإدارة إلى تنفيذ هذه السياسات المعادية لحقوق الشعوب.

الأمثلة على هذا الحصاد الرديء لسياسة إدارة ترامب كثيرة، وليس آخرها ما يتّصل بالملف النوويّ الإيرانيّ، وإدارة العلاقات مع الصين وروسيا، وإنما كذلك ما يتّصل بالقضية الفلسطينيّة وأوضاع الشرق الأوسط، إذ أصيبت العديد من حكومات الدول العربيّة بالعقم المزمن في رهانها على هذه الإدارة، واستسلمت لجميع الشّروط والإملاءات والابتزاز لحماية مصالحها الخاصّة.

إنَّ العديد من الدول العربية التي قدَّمت كل المطلوب منها، لم تتمكّن مقابل ذلك من الحصول على أي مكاسب سياسية واقتصادية لاستخدامها في ذرّ الرماد في العيون، ولتبرير هذا التواطؤ والدونية اللذين ارتهنت لهما طوعاً وكرهاً.

وعلى الجانب الآخر، وجد حاكم البيت الأبيض وإدارته وحلفاؤه إجماعاً فلسطينياً رسمياً وشعبياً على رفض "صفقة القرن" وملحقاتها، وإدانة حاسمة لسلسلة من الإجراءات التي اتخذتها هذه الإدارة، سواء بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، أو شرعنة التوسع الاستيطاني ومحاولات المس بقضية اللاجئين.

 وانتقلت العلاقات الأميركية الفلسطينية إلى المواجهة الحادة والمباشرة التي ترافقت مع مجموعة من الممارسات العدوانية والعقوبات التي طالت مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك الضغط الهائل الذي قامت به الولايات المتحدة لفتح مسار الأسرلة التطبيعي مع عدد من حكومات الدول العربية، للضغط على الشعب الفلسطيني، والمساس بجوهر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وفرض معادلات جديدة لشطب الحقوق الوطنية العادلة للشعب الفلسطيني، وتمكين الكيان المحتل من تحقيق أطماعه التوسعية مقابل مشاريع اقتصادية وأوهام الازدهار التي سيدفع فاتورتها حكام بعض دول الخليج.

لقد أصبح واضحاً أنَّ السنوات التي مرت على إبرام اتفاقية أوسلو، والفشل الذي وصل إليه هذا المسار بفعل السياسة الإسرائيلية، والمراهنات على إضعاف الموقف الفلسطيني، واستثمار الانقسام والتفكك الداخلي، وصعوبات الحياه الاقتصادية، وكذلك استثمار الظروف الجارية على إيقاع ما سمي بـ"الربيع العربي"، لتحقيق المكسب الكبير والأهم، بتمرير الحل النهائي القضية الفلسطينية من بوابة "صفقة القرن"، وإعادة إنتاج "دولة" الاحتلال كشريك في التحالفات الجديدة التي تستهدف فرض الهيمنة والوصاية على المنطقة بدواعي الخطر الإيراني والمذهبي الشيعي، وإيقاع المزيد من التدمير والتخريب في أوضاع الدول المركزية عبر الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية، ومفاقمة أخطار التقسيم الجغرافي والسياسي.

إنَّ الصَّفعة التي تلقَّتها إدارة ترامب وحلفاؤها، بفعل صلابة وتماسك الموقف الرسميّ والشعبيّ الفلسطينيّ في رفض "صفقة القرن"، وعمليات الأسرلة التطبيعية، ومحاولات ترسيم السيادة الإسرائيلية على مساحة جديدة من الأراضي الفلسطينية، وإن كانت لم تقضِ بصوره كاملة على هذه المراهنات، فإنها فتحت الطريق لإعادة تعزيز وحشد مجموع القوى والطاقات الفلسطينية، ولدى الكثير من القوى العربية والإقليمية والدولية التي ترفض الرواية الأميركية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتتمسّك بالشرعية الدولية والقرارات الأممية كأساس للتسوية في المنطقة.

وكذلك، أعاد الفلسطينيون تأكيد الحقيقة الراسخة بشأن الخطوط الحمراء المقدسة للثوابت الوطنية، وأكدوا أن الخلافات، مهما بلغت حدتها وتداعياتها وآثارها السلبية والمضرة، لا يمكن السماح باستخدامها كورقة لضرب القضية الفلسطينية وفرض الحلول التصفوية للحقوق الفلسطينية، وهو ما برهنت عليه العقود الطويلة من الصراع مع الكيان الغاصب، وما واجهه الشّعب الفلسطينيّ من موجات المدّ والجزر التي لم توثر في تمسّكه بالخيارات الاستراتيجيّة الحاكمة لطرد الاحتلال وانتزاع الحقوق العادلة.

وفي التجربة الكفاحية الفلسطينية، تبرز في كل محطة من المحطات المفصلية مدرسة الرعيل الأول المؤسس للثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي يسميها البعض أحياناً بالمدرسة العرفاتية، والتي بكلّ ما فيها وعليها خلال هذا التاريخ الطويل، ورغم ما يواجه الوضع الفلسطيني من تعقيدات وتشابكات، فإن المشترك الذي يمكن قراءته لدى رموزها هو قدرتهم على اتخاذ القرار الحاسم في القضايا التي يمكن أن تمسّ الثوابت الوطنية، والاستعداد لتقديم كل ما يلزم من أثمان وتضحيات لإفشال التآمر والاستهداف لهذه الحقوق، وذلك ما وقع في العالم 2000 مع الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات، ويتجسد اليوم في إصرار الرئيس أبو مازن وصلابة موقفه في التصدي لـ"صفقة القرن" ولمسار الأسرلة وتهديدات الضمّ والتوسّع الاستيطانيّ، وكذلك الأمر في توفير الإرادة السياسيّة لتذليل العقبات، وتجاوز المعوقات التي تقف في طريق استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة التلاحم الفلسطيني السياسي والوطني والجماهيري، وتوحيد المواجهة، والحفاظ على استقلالية القرار والتمثيل للشعب الفلسطيني.

إن الخطوات الإيجابيّة المهمّة التي تحقّقت قبل اجتماع الأمناء العامين للفصائل وبعده، وفتح الطريق لتشكيل القيادة الموحدة للانتفاضة الشعبية، وما توصَّلت إليه حركتا فتح وحماس في إسطنبول من اتفاق لإجراء الانتخابات للمؤسسات الفلسطينية في السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية، تعكس بكثير من الوضوح تنامي الاستعداد الذاتي لاستخلاص الدروس والعبر من التجارب السابقة، وتدشين مرحلة جديدة لاستنهاض الطاقات الفلسطينية، والعمل بمسؤولية أعلى على تفعيل كل أدوات الدعم وزجّها في هذه المعركة المصيرية، لإفشال مخطط التحالف الأميركي - الإسرائيلي - الرجعي العربي.

إنَّ الارتكاز على خيار الانتخابات الفلسطينية للانطلاق نحو تصحيح الأوضاع الفلسطينية بكل أبعادها، هو التوجه الأكثر صوابية، وهو الذي يحقق الكثير من الأهداف الضرورية والملحَّة للتعامل مع التحديات ومعالجة الاختلالات والآثار الناجمة عن التطورات الكبيرة التي وقعت في السنوات المنصرمة.

ستعطي الانتخابات الشعب الفلسطيني حرية التعبير عن رأيه، ليس في اختيار قيادته السياسية فحسب، وإنما في المشاركة المباشرة في تحديد أولويات البرنامج السياسيّ والوطنيّ أيضاً، لاستكمال مشروع التحرر الوطني وإفشال "صفقة القرن" وملحقاتها.

ستؤسّس الانتخابات لاستكمال بناء الوحدة الوطنيَّة، وبلورة القواسم المشتركة وشروط تكوين الائتلاف الوطني، واحترام التعددية وحقوق المشاركة، والدخول في معركة قاسية مع المتضررين من إنهاء الانقسام، والذين أسّسوا لمصالح وتحالفات لتأبيد هذه الحالة وعدم تجاوزها.

الانتخابات رسالة إلى كلّ من يهمّه الأمر على المستوى الفلسطينيّ، بكلّ العناوين الّتي تحملها لترسيخ الديموقراطية في المشاركة على أساس نسبة القوى والحضور التمثيليّ، ولتجنّب التباينات في طبيعة التكوين القياديّ للمرجعيات الوطنية.

وفي الانتخابات النّزيهة الشّفافة، سيقرأ العالم رسالة الشّعب الفلسطينيّ، صاحب الحقّ الوحيد في تقرير مصيره، وفي اختيار الخيارات لصناعة مستقبله الوطني.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مصطفى مسلماني

أسير فلسطيني محرر

إقرأ للكاتب

وفاء الأحرار والوفاء للأحرار

كنت واحداً من بين 1027 أسيراً وأسيرة استطاعت المقاومة الباسلة تحريرهم من أغلال القيد، وفتحت...

ماهر الأخرس اختار الانتصار بمواجهة الموت البطيء

لم يتطلّع ماهر الأخرس للحلول الفردية والمساومات التى تخفف عنه مدة الاعتقال ولم يقبل بجميع الوعود...

في الذكرى العشرين لانتفاضة الأقصى: الواقع والخيارات

هذه المرحلة المصيرية من النضال الفلسطيني تتطلّب أعلى درجات المصلحة الوطنية، والمشاركة في صناعة...

حفل واشنطن المشؤوم

شرعت الجامعة العربية في إطلاق الفصل الثاني من مخطّط الشرق الأوسط الجديد، وفتحت أبواب الدول أمام...

ما بعد اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في بيروت

تدرك القيادة الفلسطينيّة أنَّ التطبيع والاتفاق الثلاثي الأميركيّ الإسرائيليّ الإماراتيّ حلقة ضمن...

ما بعد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان

لبنان المثقل بالكثير من التراكمات، وآخرها ركام التفجير الدامي، بانتظار نتائج التحقيق الداخلي...