السّياسات التّعليمية ومتطلّبات العصر

إن مناهجنا الدّراسيّة تركز على الأساليب والاستراتيجيات التقليديّة التي تعمد إلى التّلقين والحفظ والاستظهار، إلا أن هناك وعياً عالمياً لأهمية التّعليم العالي وضرورته للتنمية البشرية.

  • للجامعة دور في تعزيز التعاون والعمل العالمي، وتحليل احتياجات المجتمع
    للجامعة دور في تعزيز التعاون والعمل العالمي، وتحليل احتياجات المجتمع

يتَّسم العصر التكنولوجي بالعديد من التغيرات السريعة والمتلاحقة على كل الأصعدة، وخصوصاً ميادين التّعليم والتكنولوجيا، كما نشهد تأثير تلك التّغييرات في السّياسات التّعليمية، التي يقصد بها "التوجهات والإجراءات والأسس والبرامج التي تعتمدها الجامعة لتنفيذ أهدافها وتحقيق فلسفتها التّعليمية، بما يتلاءم واحتياجات التنمية الاجتماعية والتكيف مع المستجدات"، الأمر الذي فرض مواكبة متطلبات العصر، حاضراً ومستقبلاً، مع الاهتمام بتحرير التّعليم من الطرائق والاستراتيجيات التّعليمية التّقليدية التي تركز على كمّ المعلومات بدلاً من نوعها، وآلية الوصول إليها بدلاً من جودتها ومصداقيتها.

وإذا أمعنّا النّظر في واقع مؤسساتنا التّعليمية الحاليّة، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوّة منها، ومواكبة طموحات الشباب في القرن الحادي والعشرين، فإننا نجدها أبعد ما تكون عن القضايا التّعليمية الفعليّة، بل إن مناهجنا الدّراسيّة تركز على الأساليب والاستراتيجيات التقليديّة التي تعمد إلى التّلقين والحفظ والاستظهار، إلا أن هناك وعياً عالمياً لأهمية التّعليم العالي وضرورته للتنمية البشرية، انطلاقاً من كونه مقدمة لعملية الانتقال الحقيقي نحو عصر المعرفة واقتصاد المعرفة، كما أن وظيفة التّعليم العالي هي إنتاج عمال المعرفة المؤهلين فكرياً ومعرفياً وتكنولوجياً، الذين يمتلكون مهارات تؤهلهم لعصر العولمة واقتصاد المعرفة. 

أهمية التّعليم العالي

كانت وظيفة الجامعة قديماً تدريب الملكات العقلية، وتقديم المعرفة والفلسفة واللاهوت. بمعنى آخر، نقل المعرفة الإغريقية وتفسيرها ونقدها والتّعليق عليها، وتمكين الطلبة وتدريبهم ليكونوا مساهمين في المعرفة العقليّة، تلاها استحداث تخصصات تطبيقية، كالطب والهندسة والقانون، وأصبحت الجامعة تعد المواطن للحياة العلمية والعملية، ثم أصبح للجامعة رسالتها كمؤسسة تربي على المواطنة الثقافية والتكنولوجية، وتحث على البحث العلمي، ولعلها من أهم وظائفها، إضافة إلى تنظيم المشروعات التي تشير إلى قيامها بدورها في الإسهام في التنمية الاقتصادية والسياسية من جهة، والمعرفية والثقافية من جهة أخرى. ولتحقيق ذلك، لا بد من التفاعل بين كل أطراف المعادلة (الجامعات، الدولة، والصناعة).

وللجامعة وظائف مجتمعية وعالمية كثيرة، فبخلاف مهمتها في التّعليم والتدريب وإجراء البحوث، تعمل الجامعات على إعداد مواطنين مسؤولين قادرين على تلبية متطلبات السوق وذوي مهارات عالية، إضافة إلى تطوير المعارف وتجديدها ونشرها من خلال البحوث، ونشر وفهم الثقافات والحضارات التاريخية والمحلية والإقليمية والدولية، وتفسيرها ونشرها في إطار التعددية الثقافية وفهم الآخر، والعمل محلياً ودولياً لتحسين العلاقات مع الثقافات الأخرى وتوطيدها.

وللجامعة دور في تعزيز التعاون والعمل العالمي، وتحليل احتياجات المجتمع، ومحاولة إدخال الإصلاحات اللازمة والممكنة، والعمل على اعتماد سياسات منفتحة وميسرة لكل فئات الطلاب الراغبين في الدراسة.

وللجامعة دور أيضاً في التنوير المجتمعي، وتحفيز التفكير العلمي، وزيادة القدرات النقدية والتفكير الناقد، ومهارة حل المشكلات، والعمل بشكل تشاركي في صياغة المناهج الدراسية، ووضع البرامج التعليمية الأكثر ملاءمة لاحتياجات العصر وتطوره، واعتماد سياسات تربوية أكثر عمقاً محلياً وعالمياً، واستخدام واستحداث اسراتيجيات وطرائق وأساليب تعلم وتعليم أكثر ملاءمة، من دون إغفال لمواصفات ومعايير الجودة والنوعية.

المداخل النظرية لمكانة الجامعات ودورها 

 وضعت الكثير من النظريات التي تفسر وتوضح دور الجامعة وأهميتها ووظيفتها، كذلك مكانتها التي لا بدّ من أن تشغلها في المجتمع، وسأتحدث عن عدد منها، وهي "الاختيار العقلاني، البنائية الوظيفية، ما بعد البنوية، الأثر البيئي، الماركسية المحدثة، النظرية التكاملية، ونظرية ما بعد الحداثة".

- الاختيار العقلاني: تقوم فكرة الاختيار العقلاني على أن الأفراد في أي مجتمع يقومون بأعمالهم بناءً على منافعهم الشخصية وإشباع احتياجاتهم وتطلعاتهم ورؤيتهم الخاصة، فالمنفعة هي التي تحدّد سلوك الإنسان وتقرر أفعاله بشكل عقلاني، من خلال مجموعة من البدائل المتاحة. وعليه، فإن للجامعة دوراً وظيفياً في مساعدة الطلاب على تحديد خياراتهم وإشباع احتياجاتهم، بشكل يضمن تحقيق رؤيتهم وتطلعاتهم المستقبلية، بما يخدم المجتمع والدولة. 

- البنائية الوظيفية: ترى البنائية الوظيفية التّعليم الجامعي باعتباره جزءاً من النسق البيداغوجي، الذي هو بدوره جزء من المجتمع، فالجامعة وحدة اجتماعية مفتوحة، تمثل الكل المجتمعي وتؤثر وتتأثر به. وللجامعة وظيفة اجتماعية ودور مهم تقوم به، من حيث اختيار ما يتلاءم والسّياسات الموضوعة، وتغيير السّياسات البيداغوجية في حال لزم الأمر، لتتناسب مع النسق الاجتماعي الموجود محلياً وعالمياً، كاختيار المقررات والمشاريع والتخصصات المطلوبة، وذلك لما للعلم من دور في تنظيم المجتمع ومؤسساته، كذلك علاقة الجامعة بالدولة، من دون التنازل عن الحريات الأكاديمية، وتهيئة الجو العلمي والأكاديمي الملائم لأعضاء هيئة التدريس لإنجاز مهامهم. 

- ما بعد البنيوية: حاولت تلك النظرية تفسير وتقييم تأثير الحضارة الغربية في العقل البشري، فالمعرفة البشرية أصبحت حكراً على ما يصدره الغرب من فكر وثقافة ومعتقدات، وحتى عادات وأساليب حياة، والمعرفة في حد ذاتها نوع من القوة التي نمارسها على الآخرين، للسيطرة عليهم، والقوة التي تمثلها تلك المعرفة أصبحت أداة للتحكم بالشعوب واستعبادهم، بعد أن كانت المعرفة تمثل قوة للتحرر والاستقلال. والجامعة في هذا السياق تمثل خطاباً موجِهاً وموجَهاً إلى المتعلمين، والمثقفون نواة المجتمعات وذخيرتها، الأمر الذي أعطى المثقفين وأصحاب الفكر الغربي ومن يملكون القوة الثقافية الغربية مرتبة تسمو فوق كل المراتب. 

- الأثر البيئي: تقوم الفكرة الرئيسيّة لهذه النظريّة على مدى تأثر الجامعات بالبيئة الخارجية، القريبة منها، والمتمثلة بالمجتمع بكلّ أطيافه والدولة بمتغيراتها، أو البيئة البعيدة المتمثلة في العالم وما ينتجه من فكر وثقافة ومستجدات عالمية. والجامعات باعتبارها صانعة السّياسات التربوية، لا بدّ من أن تتأثر بكل المتغيرات والمؤثرات البيئية الخارجية والداخلية، فالأزمة الاقتصادية العالمية جعلت الجامعات تبحث عن بدائل للتمويل، لتعزيز مصادرها المالية بعيداً من دعم الحكومات، ما أدى إلى ظهور الجامعات الاستثمارية لحل أزمة الجامعات المالية التي حولت الشهادات العلمية إلى أوراق لا قيمة لها، وحولت طلاب الجامعة إلى مستهلكين يقومون بشراء العملية التّعليمية.

- نظرية التبعية والماركسية المحدثة: ترى أن الدول المتقدمة في سعيها إلى السيطرة والتسلط على العالم تقتحم الدول النامية، من خلال مستشارين وإرساليات وخبراء وشركات متعددة الجنسيات، لتزرع النظام الرأسمالي بهدف الاستيلاء على الموارد الطبيعية وتعزيز اعتماد الدول النامية عليها. واليوم، نعيش في عصر الهيمنة الأميركية على العالم، وعلى الجامعات بدلاً من أن تنساق بتبعية عمياء وراء الفكر الغربي الأميركي، وما يمثله من ضياع للأمة وثقافتها وتاريخها، أن تؤدي دوراً أكبر من خلال السّياسات التربوية المتجددة والرافضة للهيمنة الغربية، والتي تنشر ثقافة الفكر التحرري لا التبعي.

- النظرية التكاملية للتغيير: تربط مسألة التدرج الطبقي بأنواع التجمعات الإنسانية، وهي من أكثر النظريات المعارضة لنظرية ماركس في الطبقات، إذ ترى أنَّ التدرج الطبقي ما هو إلا حول اختلاف السكان في مجموعة من الطبقات رتبت ترتيباً هرمياً. وعليه، توجد طبقات عليا ودنيا في المجتمع، والترتيب الطبقي في أصله هو انعدام للتساوي في توزيع الحقوق والواجبات والمسؤوليات والامتيازات وحتى القيم والحاجات الاجتماعية. كما أن المؤشرات الأساسية في العالم الثقافي الاجتماعي ترجع إلى مجموعة من العوامل، منها العامل الاقتصادي، بيد أنَّ الجوانب الإيدلوجية والقيم لها دور أكبر في بناء المجتمع وتغييره. وتناقش هذه النظرية دور الجامعة باعتبارها نسقاً اجتماعياً منفتحاً، يتأثر بالإطار المعرفي العام في المجتمع، ويؤثر فيه من خلال مدخلاته ومخرجاته.

- ما بعد الحداثة: تؤكد النظرية أن الحقيقة نسبية، فنحن وثقافتنا نساهم في صنعها، وبالتالي فالاعتماد المطلق على العلم والتكنولوجيا خطر كبير على الإنسانية، لأنهما معاً كالحصان الجامح قد يدمّر كل شيء. وقد أدت إلى حدوث كوارث كونية متعددة، كثقب الأوزون، وتغيّر المناخ، وانتشار الأسلحة النووية، وغيرها من المشكلات، كما ترفض نظرية ما بعد الحداثة النظريات الكبرى والشموليّة، مثل النظام الرأسمالي أو الشّيوعيّ، وترى أنَّ لكلّ مجتمع خصائصه المميّزة، وما يصلح للمجتمع الأميركي قد لا يصلح للمجتمع العربي أو الصيني، كما أنّ الزمان يؤثر في درجة صلاحية أي نظرية، ونظريات الأمس قد لا تصلح اليوم.

حاولت تلك النظريات أن تصف ما حدث للمعرفة، وكيف تحولت الجامعات إلى معاقل للمنتجات الرأسمالية، ولم تعد تنتج علماً ومعرفة وثقافة، وأن المعرفة لا يمكن تحديد قيمتها إلا من خلال قيمتها النفعية، وأنه لا تتم صناعتها، بل أصبحت وجبات جاهزة مثل بقية السلع الرأسمالية الأخرى التي تقوم على أساس العرض والطلب في المجتمعات الاستهلاكية. وبكلمات بسيطة، "المعرفة أصبحت استهلاكية أيضاً".

 

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
إيناس عبّاد العيسى

دكتوراه إدارة تربوية، تخصص إدارة الجودة الشاملة والإدارة الإلكترونية