في الذكرى العشرين لانتفاضة الأقصى: الواقع والخيارات

هذه المرحلة المصيرية من النضال الفلسطيني تتطلّب أعلى درجات المصلحة الوطنية، والمشاركة في صناعة الاتجاه العام، والاستفادة من الدروس والتجارب السابقة، والابتعاد عن الفئوية وصراع المصالح.

  • شاب يحمل العلم الفلسطيني ويرفع علامة النصر قرب المسجد الأقصى خلال اشتباكات مع الاحتلال عام 2001 (أ.ف.ب)
    شاب يحمل العلم الفلسطيني ويرفع علامة النصر قرب المسجد الأقصى خلال اشتباكات مع الاحتلال عام 2001 (أ.ف.ب)

حلَّت الذكرى العشرون لانتفاضة الأقصى في خضم النقاش الجاري في الأوساط الفلسطينية حول الانتفاضة، وبعد صدور البيان رقم 1 من القيادة الموحّدة، والذي ركز على اتفاق الأسرلة التطبيعي، وتنظيم الفعاليات الجماهيرية أثناء التوقيع عليه بين ممثلي حكومات الإمارات والبحرين والكيان الإسرائيلي، برعاية الإدارة الأميركية ورئيسها في البيت الأبيض.

في الحقيقة، إنَّ الحديث عن الانتفاضة، على تعدد التسميات والأوصاف، سواء الشعبية أو غيرها، وعن تشكيل القيادة الموحدة لهذه الانتفاضة وإصدار البيان الأول، يؤكد ضرورة الوقوف على العديد من القضايا، وعدم القفز عن الحقائق للدخول في تجارب جديدة والاعتماد على اجتهادات مسبقة قد تجلب المزيد من الآثار السلبية للوضع الفلسطيني، الذي لم يعد يحتمل إخضاعه لاختبارات إرادوية وإسقاطات، مهما كانت الأسباب والظروف الذاتية والمحيطة. 

وإن كنا لسنا بصدد إجراء مراجعة وتقييم شامل لحالة الانتفاضتين الكبيرتين في مسيرة الكفاح الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية (انتفاضة الحجارة والأقصى)، ولكن الحقيقة الرئيسية والأساس في الوعي الفلسطيني هي أنّ كلاً من المرحلتين في الانتفاضة الأولى قبل قدوم السّلطة وتوقيع اتفاقية أوسلو أو بعد اقتحام الأقصى، لم يكن بقرار حزبي لهذا الفصيل أو ذاك، ولا بقرار فصائلي اجتمعت عليه الفصائل الفلسطينية وحدَّدت موعد الانتفاضتين وشكلهما ومسارهما.

الانتفاضة إرادة شعبيّة قد تتفجر في أية لحظة، ولأيّ سبب قد يشعل المواجهة تحت وطأة الضغط والاحتقان والقهر الذي يتراكم جراء الممارسات العدوانية والقمعية للاحتلال، وكتعبير شعبي مباشر في الميدان عن بلوغ التناقضات ذروتها لدى أوسع القطاعات الشعبية، التي لم تعد تجد سبيلاً سوى المواجهة، وهي لحظة الشرارة التي يمكن التقاطها على أيدي القوى القيادية في الشعب، لتوسيع دائرة الاشتعال وتنظيمها وتأطيرها، وبلورة مسارها وأهدافها التي تنسجم والمصالح الحقيقية للغالبية المشاركة في فعل الانتفاضة.

ومع الاحترام للعديد من القيادات الفلسطينية التي تتحدث كثيراً عن الانتفاضة الشعبية، فإنهم مطالبون بالتدقيق في الواقع الذاتي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ انتفاضة الأقصى وحتى هذه اللحظة، وما ترتَّب على مسار التسوية والمفاوضات وحالة الانقسام السياسي من معطيات كبيرة، وما تحاول القوى المعادية استثماره في الواقع العربي لجرجرة العديد من الحكومات العربية إلى مستنقع الأسرلة التطبيعيّ، وزجّها في معادلات وتحالفات جديدة ستلقي بتداعياتها على الأرض ضمن الصراع الجاري لرسم لوحة القوى في الإقليم.

لا أعتقد أننا أمام نسخة مكررة للانتفاضة الأولى أو انتفاضة الأقصى، ولا يمكن الادعاء أن في جعبتنا سيناريو جاهزاً ومحدداً للانتفاضة، كما لا يجوز الخلط بين التحركات الجماهيرية ذات المطلب والشعار الواحد، والانتفاضة كفعل كفاحي شعبي شامل تتفرع منه عناوين وأشكال التحرك الميداني، وليس هناك ما يبرر عدم الاستفاضة في تنظيم أوسع أشكال الحوار الوطني والجماهيري، للوقوف على أبرز الخلاصات والدروس والعبر التي تساعد في هندسة البنية الأصلب لحالة الصدام مع الاحتلال، ولرفع كلفة هذا الاحتلال من جهة، وتعزيز عوامل الصمود الشعبي من جهة ثانية.

لم تكن الأوضاع الفلسطينيّة في عام انتفاضة الأقصى على النحو الذي نحن عليه اليوم على جميع المستويات، جراء التفكك الذي أحدثه الانقسام السياسي، وتراجع عوامل القوة الذاتية للقوى المحركة للمشروع الوطني. كما أن الأوضاع السائدة في المحيط والعالم ليست بمستوى التفاعل الجدي مع خصوصية الوضع الفلسطيني، والتركيز على تقديم هذا الوضع كأولوية سياسية ملحة وضاغطة على الأحداث الجارية.

كذلك، إن الكثير من قضايا الحياة الاجتماعية والاقتصادية تتطلب التركيز عليها لمعالجة القفزة في الهواء التي تجاهلت وجود الاحتلال، وسارعت إلى اقتسام مغانم السلطة، وألقت على كاهل القطاعات العريضة من الشعب أعباء ثقيلة ما زال من الصعب تحمل إدراجها في فاتورة واحدة تجمع بين الهموم الوطنية ومتطلبات ما بعد إنشاء السلطة في الضفة وغزة، في ضوء اشتداد حالة الحصار والتضييق العربي، بعد أزمة العلاقات الفلسطينية الأميركية وما ترتب من وقائع جراء الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب لتمرير مشروع "صفقة القرن"، الذي أعدته لتكريس الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، وشطب الحقوق الوطنية التاريخية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني.

هل نحن أمام انتفاضة ثالثة؟

في ضوء ما استعرضناه، إن المؤكد الوحيد والحقيقي أنَّ الشعب الفلسطيني يمتلك القدرة والإمكانيات والطاقات والاستعداد، ما يؤهله لشقّ الطريق مجدداً نحو الانتفاضة الشاملة ورفدها بكل التضحيات المطلوبة، إذا ما توفرت العوامل الضرورية لتفجير الانتفاضة، والتي ستشكّل انعطافة جديدة ستغير القواعد القائمة بعد انتفاضة الأقصى ووضع الصدام مع الاحتلال.

الإرادة الوطنية التي تبلورت في الأيام الأخيرة في الشروع بالتحضير للانتخابات الديموقراطية الشاملة لمؤسسات الشعب الفلسطيني في السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية كمدخل لتجاوز الانقسام الفلسطيني، تعتبر كذلك المنصة العريضة التي ستؤسس للمسار النضالي المستقبلي، وستفتح الآفاق لتجديد الوحدة الوطنية، وبناء البرنامج الوطني والسياسي الائتلافي الذي سيستند إلى خيارات الشعب الانتخابية لإنتاج صورة جديدة للمشهد الفلسطيني.

إن الانتخابات معركة حقيقية بكل أبعادها، وهي ميدان لتعبئة القوى الذاتية وتوسيع مساحة المشاركة في الاشتباك مع الاحتلال، دفاعاً عن حق المشاركة والتصويت، وعن وحدة الوطن كوحدة جغرافية وسياسية واحدة، فمشاركة المقدسيين في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، ستعزز الفرص لوضع ثقل المواجهة في ميادين القدس وأماكنها المقدسة، وستحقق المزيد من التحفيز والتفعيل للمشاركة الجماهيرية في الصدام مع الاحتلال والتصدي لإجراءات التهويد والتهجير ومحاولات فرض الأمر الواقع على مناحي الحياة لأهلنا في القدس، وفي التعامل مع المقدسات.

كما أن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، والذين هم أسرى دولة واقعة تحت الاحتلال، يتوجب تصنيفهم كأسرى حرب، والنضال لفرض حقهم في المشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، ورفع قضيتهم إلى رأس الأولويات السياسية والجماهيرية، لتغيير ظروف أسرهم، وتطبيق المعايير والقوانين الدولية والإنسانية التي كفلتها شرعة حقوق الإنسان الدولية.

هذه المحاور الميدانية للاشتباك مع الاحتلال، والتي ستنشأ في إطار التحضير لإجراء الانتخابات في الضفة وغزة والقدس، ستساهم إلى جانب تصعيد النضال لإنهاء الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة وفي مواجهة التوسع الاستيطاني وعربدة المستوطنين، في الارتقاء في الحركة الجماهيرية، وتوفير المزيد من الشروط في الطريق نحو الانتفاضة الشعبية الشاملة، كمشروع كفاحي واضح المعالم من جميع جوانبه ومحدداته المطلوبة.

إنَّ تشكيل القيادة الموحّدة لن يكون الحل السحري لردم الهوة التي اتسعت في العلاقة مع معظم الفصائل السياسية، وتدني مستوى الثقة في اضطلاعها بمسؤولياتها، والتزام الدفاع عن مصالح القطاعات الجماهيرية وقضاياها وهمومها، وسيتوجب على هذه الفصائل مراجعة سياساتها وأدائها العملي، وكذلك الوقوف على أوضاعها الداخلية التي شهدت أشكالاً من الانهيار والترهّل والتفكك والتشرذم، وانحساراً في حضورها الجماهيري والانشغال بالتجاذبات الداخلية بين مراكز النفوذ والهيمنة داخل الفصيل الواحد.

وعلى الجانب الآخر، إذا كان الوصول إلى مراحل الانتفاضة الشعبية الشاملة لا يقوم على وصفة جاهزة تجري ترجمتها بحرفية، ولا يمكن إسقاطها، وتحتاج إلى تراكمات ملموسة في الحراك الشعبي، وتوفير مقومات الاستدامة والتطور التدريجي، فإن من أبرز الأولويات التي سترافق هذا الطريق هو توفير القدرة والخطط والبرامج التي ستتعامل مع ممارسات الاحتلال وردوده على هذه الانعطافة في التحرك الجماهيري، ومع المحاولات والإجراءات التي سيقوم بها لضرب هذا المسار وإفشاله بكل الوسائل والإمكانيات التي يمتلكها، وفي مقدمتها السعي لتفخيخ البنية الداخلية الفلسطينية، لتفجيرها وإحداث انتكاسة كبرى في الوضع الفلسطيني بأكمله.

هذه المرحلة المصيرية من النضال الفلسطيني تتطلّب أعلى درجات المصلحة الوطنية، والمشاركة في صناعة الاتجاه العام، والاستفادة من الدروس والتجارب السابقة، والابتعاد عن الفئوية وصراع المصالح، وتعزيز مقومات الصمود الوطني، لمواجهة التحديات الخطيرة التي فرضت على الشعب الفلسطيني، والعبور بالمشروع التحرّري نحو أبواب الاستقلال والحرية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مصطفى مسلماني

أسير فلسطيني محرر

إقرأ للكاتب

وفاء الأحرار والوفاء للأحرار

كنت واحداً من بين 1027 أسيراً وأسيرة استطاعت المقاومة الباسلة تحريرهم من أغلال القيد، وفتحت...

ماهر الأخرس اختار الانتصار بمواجهة الموت البطيء

لم يتطلّع ماهر الأخرس للحلول الفردية والمساومات التى تخفف عنه مدة الاعتقال ولم يقبل بجميع الوعود...

الوضع الفلسطينيّ بين المراهنات والخيارات

ستعطي الانتخابات الشعب الفلسطيني حرية التعبير عن رأيه في اختيار قيادته السياسية والمشاركة بتحديد...

حفل واشنطن المشؤوم

شرعت الجامعة العربية في إطلاق الفصل الثاني من مخطّط الشرق الأوسط الجديد، وفتحت أبواب الدول أمام...

ما بعد اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في بيروت

تدرك القيادة الفلسطينيّة أنَّ التطبيع والاتفاق الثلاثي الأميركيّ الإسرائيليّ الإماراتيّ حلقة ضمن...

ما بعد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان

لبنان المثقل بالكثير من التراكمات، وآخرها ركام التفجير الدامي، بانتظار نتائج التحقيق الداخلي...