سنوات التيه السياسي.. ماذا بعد زيارة اسماعيل هنية إلى لبنان؟

الحالة الفلسطينيّة بحاجة ملحَّة إلى دور القيادة الذي يتحرَّك وفق كلّ المسارات، وفي كلّ البيئات التي تتقاسم الاستراتيجيات المشتركة للهدف الفلسطيني في التحرير.

  • سنوات التيه السياسي.. ماذا بعد زيارة اسماعيل هنية إلى لبنان؟
    سنوات التيه السياسي.. ماذا بعد زيارة اسماعيل هنية إلى لبنان؟

من المخيّم إلى المخيّم، من لجوء الداخل الفلسطيني إلى لجوء الشتات، من ترانيم الإبعاد في مرج الزهور على حدود الوطن رسمت الحكاية على مرمى حجر من فلسطين، على مقربة من الضاحية الجنوبية؛ ذلك السد المنيع الذي يتصل بالوطن ليوصل صوت المقاومة العربي الأصيل في زمن الخذلان والتطبيع، لترتسم خريطة جديدة لمحور ممانع مقاوم ليبعث رسالة العبور المنشود.

 

دلالات الصورة بين الماضي والحاضر 

عندما غنّت بيروت للثوار في حرب العام 1982، وتجسّدت صورة الثورة بشكلها المأمول، تراجع ذلك الصوت مع مرحلة سياسية جديدة، فقد أدخلت الثورة الفلسطينية في التيه السياسي وإغفال الصوت المقاوم، ليخرج الفلسطيني الثائر تحت الضغط السياسي من أطراف عربية ودولية وداخلية (داخل المنظمة) إلى تونس الخضراء، ولمدة 10 سنوات مكفولة من الولايات المتحدة الأميركية، من أجل إبعاد الثائر عن مربع الفعل وعن حدود الوطن، للدخول في حقبة التسوية السياسية والضغط السياسي ونبذ الجغرافيا، لتخرج من تحت الأنقاض، ومن دوائر الغرف المغلقة، اتفاقية أوسلو التي كانت فيها أطراف داخلية (أعلام) تدير هذا التحوّل.

جرى ذلك بعد سنوات قليلة من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتحوّل البيئة العربية الرافضة للتطبيع آنذاك إلى عامل ضاغط على إبعاد الثورة الفلسطينية عن دائرة الفعل من لبنان؛ إحدى أهم دول الطوق في وقتها.

ومنذ ذلك العام وحتى توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، جرت تصفية الرموز الثورية لمنظمة التحرير وأغلب القيادات العسكرية لقوات جيش التحرير الفلسطيني من - حمام الشط في تونس - إلى اغتيال أبو جهاد وأبو إياد وأبو الهول - ليسكت بعدها الصوت الرافض للتسوية السياسية.

جاءت الرسالة في لقاء الأمناء العامين، وبعد سنوات الانقسام السياسي الطويلة، التي كانت تهدف أيضاً إلى فسخ الجغرافيا والنسيج الوطني والاجتماعي، والضغط السياسي على غزة، للدخول في براثن تصفية ما تبقى من فلسطين.

 جاءت الدلالة الأولى: أنه من تلك اللحظة التي أبعدتم الفعل السياسي فيها عن مربع التأثير وعنوان الهوية، عدنا بعد هذه السنوات إلى قلب أهم المساحات بريقاً لإعادة الخارطة من جديد إلى مربع الفعل والتأثير، والتي تلته تلك الدلالة الثانية: بشق الطريق نحو المخيمات، والتي عززت ما تم تناوله في الخطاب حول حق العودة ورفض كل مسلسلات التسوية السياسية.

 

المحور المقاوم وفاعلية لبنان 

في ظل التحولات الديناميكية في بيئة الشرق الأوسط، والتفاعلات الجغرافية المتلاحقة، وإعادة تشكيل الحلفاء، ورسم ملامح باتت واضحة حول خارطة تحالفات جديدة قائمة على - من مع "إسرائيل" ومن مع غيرها - ليرتسم المحور الذي يقف في الخندق الذي ضد "إسرائيل".

في هذا المقال، لسنا في صدد طرح هذا المحور وشرحه، إلا أننا نريد القول إن هذا المحور تتركز صورة أثره في المحطة التي تقف في وجه الاحتلال الصهيوني، والتي تمثل - حماس وحزب الله - أهم نواتين في المواجهة المباشرة في الحرب مع هذا الاحتلال، وفي إطار المحاولات القائمة على تطويق التحرك الحمساوي في البيئة الإقليمية، فهو يجعل التفاعل في الساحة اللبنانية، ولا سيما مع حزب الله، حالة مهمة في رسم وتفعيل المسارات الاستراتيجية والأدوار المنوطة في المحافظة على بيئة متفاعلة وأرضية صلبة في مربعات الفعل مع المحتل بديلاً فاعلاً على المناطق الرخوة جيوسياسياً أو المقيدة بضوابط سياسية.

 

تندرج أهمية لبنان في السلوك السياسي لحركة حماس بالتالي:

- يمثل لبنان أبرز دلالة لهوية اللجوء الفلسطيني، فمنذ النكبة إلى الآن، يتواجد فيه ما يقارب 190 ألف لاجئ فلسطيني.

- يعد إحدى أهم دول الطوق التي تمثل خاصرة حرجة وسداً منيعاً في وجه الاحتلال الصهيوني، وكان أحد أهم أهداف اجتياح لبنان في العام 1982 هو إخراج منظمة التحرير الفلسطينية منه.

- لا ينفك البعدان السابقان بالنسبة إلى الخارطة السياسية للمنطقة، واللذان عززهما هنية في زيارته الأخيرة، عن إحدى أهم ركائز تفاعل المحور المقاوم في وجه الاحتلال، إذ يعد حزب الله الحلقة الأهم في دائرة الصراع المباشر مع هذا الاحتلال، ولا تزال هناك مناطق حيوية محتلة من لبنان.

- رغم التحديات التي يواجهها لبنان، فإنه يمثل أكثر أماكن التواجد الفلسطيني خصوبة للعمل السياسي والميداني، إذ إنه بيئة تتشابه مع الداخل الفلسطيني.

 

وهنا، هل كان خروج حماس من سوريا مشابهاً لخروج المنظمة من لبنان؟

حين يوضع مقترب الخروج من سوريا بالخروج من لبنان في صورة المقارنة القائمة على الظروف الموضوعية السياسية والعسكرية والأمنية، فإن حركة حماس تحركت من هناك تحركاً موضوعياً، ولم يكن انسحاباً كاملاً، على الرغم من أن دلالة تحرك رأس الهرم في حماس في وقتها تعبر عن خروج كلي، إلا أن صعوبة الظروف السياسية دفعت أغلب المستويات إلى الخروج من هناك، فقد استجابت حماس للمبادئ وعدم قدرتها على أن تنحاز إلى أي طرف على حساب الشعوب، وهو الذي يمثل إحدى أهم أدبياتها السياسية، ولكن رغم ذلك كان الخروج من هناك له تأثير مباشر أيضاً في مساحات الفعل الفلسطيني وحرية التموضع والتحرك والمناورة السياسية، إذ إن سوريا لم تكن بعيدة عن لبنان في تشابه بيئتها، والتي كانت تمثل بالنسبة إلى حماس امتيازات عالية جداً ضمن نطاق محور الممانعة.

والسؤال المطروح هنا: هل ستشهد حماس قريباً توسيع دائرة التموضع السياسي، لتشمل العودة إلى الأراضي السورية ضمن نطاق الاصطفافات الإقليمية الحاصلة، وحسابات المصالح السياسية، والمحافظة على النواة الصلبة للفعل المقاوم، كما حصل في تفعيل أهمية لبنان بعد زيارة هنية ولقاء الأمناء العامين هناك؟

 

الخلاصة

في سياق ما سبق، فإنّ الحالة الفلسطينيّة بحاجة ملحَّة إلى دور القيادة الذي يتحرَّك وفق كلّ المسارات، وفي كلّ البيئات التي تتقاسم الاستراتيجيات المشتركة للهدف الفلسطيني في التحرير، والعودة، وحق تقرير المصير، وتفعيل الهوية الفلسطينية، والحفاظ على الثوابت، في أخطر سنوات التيه السياسي والضياع. لذلك، إن مساحة توسيع دائرة التموضع السياسي الفلسطيني في البيئة العربية يجب أن تتسع بقدر أهمية القضية الفلسطينية، ويجب أن يكون القاسم المشترك فيه هو قرب الأنظمة من فلسطين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
خالد هنية

باحث في الشؤون الاستراتيجية والدولية.