خيوط رفيعة بين جورج فلويد وناقلات النفط الإيرانية

علينا أن ننطلق مبدئياً من الإقرار بأن هذه الإدارة وإعلامها يلجآن إلى افتعال الفضائح الأخلاقية عند كل فشل واقعي ومادي، بغية احتوائه والتغطية عليه.

  • خيوط رفيعة بين جورج فلويد وناقلات النفط الإيرانية
    جورج فلويد 

يتحدَّث الإعلام العالمي عن عقوبات أميركية على إيران، وعقوبات أخرى على الصين، وأخرى على روسيا وسوريا وبضع دول أخرى والكثير من الشركات. وكلَّما زاد عدد المعاقَبين قلَّ تأثير العقوبة، لأنَّ ذلك يخلق فضاء اقتصادياً بعيداً من مراقبة الولايات المتحدة وسلطتها، ويزيد احتمال تحقيق الاكتفاء بين المعاقَبين.

لا شكّ في أنّ الولايات المتّحدة تعلم ذلك جيداً، كما تعلم أنّ المتعاملين مع إيران في مجال التسلّح أغلبهم تحت العقوبات الأميركية، وأن قرارات كهذه لم تؤثّر في مسار تسلّح خصومها في الماضي، ولن تردعهم مستقبلاً، ولكن ما تريده هو التظاهر المفرط بالقوة والهيمنة، وهذه أبرز الأساليب التي تعول عليها، أي خوف الشعوب القابعة خلف الشاشة وذاكرتها القصيرة، وهذا الخطاب الحاد هو عبارة عن عملية حذف جارية لمشهد مفتعل هو مشهد جورج فلويد، فلماذا أنتج هذا المشهد؟ ولماذا يراد له أن يحذف الآن؟

 في ستينيات القرن الماضي، عرفت الولايات المتحدة حالةً من جنون العظمة مع نيكسون الذي كان يهدّد بضربة نووية في فييتنام، وهو واثق كلّ الثقة من تحقيق النّصر، ثم انتهى الأمر إلى هزيمة نكراء سارعت الإدارة الأميركيّة إلى احتوائها، من خلال افتعال فضيحة سياسيّة أخلاقيّة جماهيريّة عرفت بـ"ووتر غيت"، لإلهاء العالم عن هزيمتها المدوية التي من شأنها أن تضعها في حجمها الطبيعيّ لدى شعوب العالم، وتزيل تلك الكذبة الكاملة حول عظمتها.

وإذا عدنا بالمشهد قليلاً إلى الوراء، فسوف نسمع تهديدات من ترامب ضد إيران انتهت باغتيال الشهيدين سليماني والمهندس، أعقبه رد إيراني، تلاه انسحاب أميركي في صمت، ثم عاد ترامب للتهديد والوعيد والتهريج، وهذه المرة بالاقتصاد، ومحاولة التسلل إلى الداخل الإيراني، وجعل العالم بأسره ينتظر وصول البوارج الأميركية إلى إيران، فاستيقظ العالم على وصول البوارج الإيرانية إلى الكاريبي، ولكنها لم تكن بوارج حربية، بل ناقلات نفط، لأنَّ الحرب انتهت في قاعدة عين الأسد، وجاء دور الاقتصاد، فسارعت الإدارة الأميركية إلى تحويل الأنظار إلى فضيحة أخلاقية جديدة هي العنصرية. 

نعم، لقد اكتشف العالم فجأة أن العنصرية خلق سيئ، فخرج نصف العالم للتظاهر، وجلس النصف الآخر يتفرج على التظاهرات، وبقي ترامب وحده يدافع عن العنصرية، حتى يضفي على الجو بعض الدراما وكثيراً من الحماس والتشويق، تماماً كفيلم من أفلام هوليوود، ويزيد عمر الأزمة قليلاً، وحتى يصدق من لم يصدق بعد، أو بتعبير أصح، حتى يتم امتصاص الحدث الواقعي المزلزل في الجوار، وما يحمله من دلالات على عجز الأميركي عن المواجهة على الأرض. هكذا، خرج الأميركيون إلى التظاهر ضد العنصرية، في وقت كان من المتوقع أن يخرجوا فيه ضد وضعهم الاقتصاديّ وسياسات نظامهم ضد بقية الشعوب وفشله في مواجهة جائحة كورونا.

كما هو معلوم، إنَّ رأس المال ليس نظاماً أخلاقياً، ولا يؤمن بالقيم الأخلاقية أساساً. لهذا، من العبث تصديق الخطاب الأخلاقي لإعلام رأس المال، بل سيجعلنا ذلك نبتعد كليّاً عن فهم خططه وإدراك نقاط قوّته ومواضع ضعفه، ولكن علينا أن ننطلق مبدئياً من الإقرار بأن هذه الإدارة وإعلامها يلجآن إلى افتعال الفضائح الأخلاقية عند كل فشل واقعي ومادي، بغية احتوائه والتغطية عليه، من خلال جرّ العالم إلى عالم القيم والأخلاق الذي لا يعني لهما شيئاً، فنقول إن أزمة جورج فلويد هي بحجم "ووتر غيت" تقريباً. 

إذاً، إنّ وصول الناقلات النفطية الإيرانية تقريباً بحجم الانتصار الفييتنامي على الولايات المتحدة، وخصوصاً أن الحروب تحتمل الربح والخسارة، بغضّ النظر عن موازين القوى بين الأطراف، ولكن مشهد الناقلات قابل للتكرار ولفرض منطق جديد.

وإذا تساءلنا: لماذا تلجأ الولايات المتحدة إلى الفضائح الأخلاقية، وليس إلى أي نوع آخر من الأحداث، فلأنها تخاطب مشاعر المشاهدين وحماسهم وشفقتهم وتعاطفهم وغضبهم، وأي نوع آخر من المشاعر، ولكن المهم أن لا تفسح المجال للسؤال الموضوعي عن الفضيحة. 

إن خطاباً من هذا النوع يخلق هالة حول واقعية الفضيحة، فلا يجرؤ أي صوت على التشكيك بها، خشية أن تتحول إليه أصابع الاتهام بالتورط في الفضيحة نفسها، فمن يشكك في واقعية قضية فلويد وعفويتها يتهم بالعنصرية. وهكذا، يركب الجميع الموجة، وتتحول إلى رأي عام. 

إضافةً إلى ذلك، من السهل جداً استفزاز هذه المشاعر إلى أبعد مدى، وخصوصاً عند الاعتماد على الصورة، تماماً كما يتأثر المتفرجون بفيلم سينمائي، وهم يدركون كل الإدراك أنه مجرد تمثيل، وأيضاً هي مشاعر يسهل مسحها بالمقابل بسرعة من ذاكرة المشاهدين.

لهذا، أفضل طريقة لاحتواء حدث ما وحذفه من الواقع، هو افتعال فضيحة أخلاقية بجواره وأثناء حدوثه وإثارة بعض الضوضاء، وسوف ينسى ويمحى من ذاكرة الواقع. أما المشاعر المواكبة للفضيحة، فلن تؤثر في الواقع بأي شكل من الأشكال، وسرعان ما تتلاشى.

وما يدفعنا إلى الشك في هذه الفضيحة وعفويتها هو كيفية تعاطي الإعلام الأميركي معها، فهو لم يحاول المقاومة إطلاقاً، لا بالتشكيك ولا بمحاولة تشويه صورة فلويد، كما هي عادته في تشويه كل ما قد يفضح خبايا الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، كيفية تعامل الإدارة الأميركية معها، فالأمر يتعلق بوحدة الشعب الأميركي ووحدة الولايات المتحدة وسمعة الدولة.

وفي هذه الحالة، قد يتم التضحية بوزراء ومسؤولين، وقد يصل الأمر إلى الرؤساء، فلماذا أصرَّت هذه الإدارة على حماية 4 عناصر من الشرطة وغامرت بكل شيء، لو لم يكن استفزازاً متعمداً؟ انتهاءً إلى كيفية انتشار الفيديو عبر وسائل وشبكات التواصل، التي لا يصدّق عاقل أسطورة شفافيّتها، فكيف تعجز هذه المنصّات التي صنعت ثورات وحروباً انطلاقاً من وقائع مزيفة ووهمية، عن إخفاء فيديو كهذا واحتوائه؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زكي بوشوشة

ماستر في الفلسفة - الجزائر

إقرأ للكاتب

خلف صورة التّطبيع فشل إسرائيليّ جديد

علينا أن نميّز جيداً بين الصورة التي تسعى إلى توصيف الواقع وتلك التي تريد أن تصنع واقعاً ما.