نحو نظام سياسيّ بوصلته المشروع الوطنيّ الفلسطيني

لماذا لم تصل سفينة الشعب الفلسطيني إلى شاطئ الحرية والعودة والاستقلال؟ وكيف يمكن تصويب بوصلتها لتصل إليه؟ للإجابة على هذين السؤالين، من المفيد العودة إلى ذاكرة التاريخ.

  • الرئيس الفلسطيني متحدثاً من رام الله خلال لقاء فيديو مع الفصائل الفلسطينيّة في بيروت -  3 سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)
    الرئيس الفلسطيني متحدثاً من رام الله خلال لقاء فيديو مع الفصائل الفلسطينيّة في بيروت - 3 سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)

النّظام السياسيّ لأيِّ شعب يعيش في دولته مُستقلاً حُراً هو نظام الحكم الموَزع بين مؤسّسات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تتقاسم في ما بينها عملية صنع القرار السياسي الوطني. أما النظام السياسيّ لأي شعب يعيش محروماً من دولته ومُهجراً، فنظامه السياسي هو مجموع مكوّنات مؤسّساته الوطنيّة التي تتوزع عملية صُنع القرار السياسيّ الوطنيّ بينها.

والأصل في النّظام السياسيّ في حالتي الاستقلال والاحتلال أن تكون بوصلته موجّهة إلى إنجاز مشروعه الوطني، ففي حالة الاستقلال، قد يكون مشروعه إحداث نهضة اقتصادية شاملة، أو تطور اجتماعي جوهري، أو نشر رسالة حضارية ما.

أما في حالة الاحتلال، فلا يوجد مشروع وطني يسبق إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال، وهذا المشروع سيكون هو الروح التي تدبّ الحياة في جسد الشعب، فتُلهب حماسته، وتشحذ هممه، وتُفجّر طاقاته، وتوحّد صفوفه، وتُنير طريقه، وتصوّب بوصلته... حتى تصل سفينة الشعب إلى مرساها على شاطئ الحرية، فلماذا لم تصل سفينة الشعب الفلسطيني إلى شاطئ الحرية والعودة والاستقلال؟! وكيف يمكن تصويب بوصلتها لتصل إليه؟! للإجابة على هذين السؤالين، من المفيد العودة إلى ذاكرة التاريخ، بدءاً من المكان الذي انطلقت منه السفينة وحتى دخولها في نفق اللحظة التاريخية الحالية المُظلمة، لنبحث سوياً عن بصيص ضوء يخرجها ويخرجنا من النفق المُظلم.

أثناء الحرب العالمية الأولى، وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني العسكري. وبعدها، برز خطر المشروع الصهيوني على فلسطين. قاوم الشعب الفلسطيني الخطرين، وبلور مشروعه الوطني في هدفين: التخلص من الاحتلال البريطاني، وإجهاض المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأفرز الشعب أُطره الوطنية لتحمل مشروعه الوطني، وأهمها المؤتمر العربي الفلسطيني واللجنة العربية العليا والهيئة العربية العليا، بين الحرب العالمية الأولى والنكبة، لتمثل مع الأحزاب السياسية وتشكيلات المقاومة وقيادات العائلات وغيرها نظامه السياسي في مرحلة مقاومة الخطرين البريطاني والصهيوني، بالمقاومة السلمية والشعبية والمُسلحة.

ولكن النظام السياسي فشل آنذاك في إنجاز مشروع الشعب الفلسطيني الوطني، وكان إعلان قيام "دولة إسرائيل" في العام 1948 هو شهادة الوفاة للمشروع الوطني آنذاك، وبداية دخول الشعب الفلسطيني في حالة الضياع والتيه بمعالمها التي حرمته من وجود نظام سياسي وطني جامع له، باستثناء بعض الحركات الوطنية المُبعثرة، كما حرمته من بلورة مشروع وطني واضح له، باستثناء بعض الأحلام الفردية والجمعية بالتحرير والعودة والاستقلال؛ الأحلام المغروسة في وجدان الشعب، وحرمته أيضاً من الفعل الوطني الفعال، باستثناء بعض الفعاليات الرافضة لمشاريع التوطين... حتى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية.

أُنشئت منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964م، فأصبحت بعد دخول حركات المقاومة فيها ورئاسة حركة فتح لها بعد النكسة، الإطار الجامع لكلّ مكونات النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني، والحاملة للمشروع الوطني الفلسطيني المُعبر عن طموحات الشعب وأهدافه الوطنية، والمتبنّية لنهج المقاومة الشعبية الشاملة واستراتيجية التحرير الوطنية المتكاملة، فكان التطابق كاملاً بين المنظمة كنظام سياسي وطني من جهة، وطبيعة مرحلة التحرر الوطني، ومشروع التحرير والعودة والاستقلال الوطني، واستراتيجية المقاومة التحريرية من جهة أُخرى... 

ولكنَّ هذا التطابق لم يستمر طويلاً، فقد حدثت فجوة في منتصف السبعينيات عند تبني برنامج النقاط العشر على أساس مرحلية التحرير ثم مرحلية التسوية، وأخذت الفجوة بالاتساع في الثمانينيات، عندما أُعلن الاستقلال على أساس تقاسم فلسطين، بفعل عوامل التعرية الوطنية القومية الناتجة من رياح الواقعية الثورية والانتهازية السياسية، حتى تحول الاتساع إلى تناقض عندما أُقيمت السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال في منتصف التسعينيات، فأصبح المشهد الفلسطيني بنظامه السياسي ومشروعه الوطني مُعقداً ومرتبكاً، فهو خليط من مؤسّسات مرحلة التحرر الوطني ومؤسّسات الدولة، وبعض مكوناته داخل النظام السياسي الرسمي، وبعضها الآخر خارجه. 

وقد زاد الانقسام المشهد تعقيداً وإرباكاً، والسّلطة التي قيل إنها ستكون جسراً للمشروع الوطني المُعدل أصبحت مقبرة ومأزقاً له، لأنها ذهبت إلى مرحلة بناء السلطة والدولة قبل إنجاز مرحلة التحرّر الوطني، واصطدمت مع كل النظام السياسي الرسمي بحائط "صفقة القرن" وخطة الضم والهرولة إلى التطبيع.

إن المدخل للخروج من مأزق النظام السياسي الحالي لن يكون من الباب نفسه الذي دخل منه الفكر السياسي بفرضياته الخاطئة التي أوصلتنا إلى هذا التناقض بين الحركة الوطنية كنظام سياسي والأهداف الوطنية للشعب كمشروع وطني. 

بالتأكيد، لن يكون الخروج من المأزق عبر إعادة إنتاج النظام السياسي الذي أوصلنا إلى مأزقي السلطة والانقسام، ولكن المخرج سيكون عبر الوضوح التام في تحديد طبيعة المرحلة وطبيعة المشروع الوطني واستراتيجية التحرير. وفي هذا السياق، من المفيد تحديد بعض النقاط المهمة، لتكون مُنطلقاً نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لتكون بوصلته موجهة إلى المشروع الوطني الفلسطيني، وأولها الإقرار بأن فلسطين مُحتلة من البحر إلى النهر، رغم اختلاف تفاصيل الاحتلال ما بين الضفة والقطاع، وما بينهما معاً وبين فلسطين المُحتلة في عام النكبة، وأنَّ السيطرة الحقيقية والسيادة الفعلية للاحتلال وكيانه، رغم وجود السلطة بقسميها المُحتل والمُحاصر. 

وبما أنّ الشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال أو التهجير، فطبيعة المرحلة التي يعيشها هي مرحلة الكفاح الوطني من أجل تحرير الأرض وعودة اللاجئين وإنجاز الاستقلال. وبما أن طبيعة المرحلة هي التحرر الوطني، فهي الّتي تُحدّد طبيعة المشروع الوطني بهويته الثورية وأهدافه الوطنية وركائزه الأساسية المنبثقة من التحرير والعودة والاستقلال. وكل من مرحلة التحرير ومشروع التحرر يحدد استراتيجية التحرير بالمقاومة الشاملة، وفي مقدمتها الكفاح المسلح. وهكذا، فإن بناء النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني يجب أن تكون بوصلته نحو المشروع الوطني بكل مكوناته وآلياته ووسائله، وأي أوليات بديلة هي انحراف للبوصلة الوطنيّة.

خُلاصة الأمر، إنَّ طريق الخروج من المأزق الفلسطيني الحالي شاقة وطويلة، ولكنها ستكون موفقة إذا انطلقنا من المدخل الصحيح، وهو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني؛ هذا المدخل الذي سيوصلنا إلى المخرج الصحيح من المأزق، وصولاً إلى التقدم في المشروع الوطني عندما ترسو سفينة الشعب على شاطئ التحرير والعودة والاستقلال. 

ويعد مدخل بناء المنظمة ضرورياً لإعادة شرعيتها الشعبية عندما تكون بيتاً لكل الشعب الفلسطيني وجامعة لجميع مكونات حركته الوطنية، ولإعادة شرعيتها الثورية عندما تؤكد التزامها باستراتيجية التحرير المتكاملة ونهج المقاومة الشاملة، وفي مقدمتها الكفاح المُسلح، ولإعادة شرعيّتها الوطنيّة عندما تُعيد الاعتبار إلى الميثاق الوطني الأصلي الحامل لمشروع التحرير والعودة والاستقلال. 

وإذا تمَّ ذلك، فإنّ كلّ المؤسّسات المنضوية تحت غطاء المنظّمة يُمكن أن تؤدي دورها الوطني في إطار متكامل، فالسلطة بعد تغيير دورها الوظيفي تؤدي دوراً وطنياً داعماً لصمود الشعب في وطنه، من خلال توفير مقومات الحياة له، والفصائل تقوم بدورها الوطني بالمقاومة التي ترفع كلفة الاحتلال والاستيطان، والمؤسّسات الأهلية تؤدي دورها الوطني من خلال تصويب أداء المنظمة والسلطة والفصائل وتعزيز قيم الحرية وحقوق الإنسان، والمنظمة تحتفظ بالدور الوطني الأهم في مرجعية الحركة الوطنية، وقيادة المشروع الوطني، وتوحيد الشعب الفلسطيني، والحفاظ على الهويّة الوطنيّة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد القططي

كاتب ومحاضر في جامعة الإسراء - فلسطين

إقرأ للكاتب

عندما يُجرّم علماء الوهابية الإخوان المسلمين

محاولات الاستيعاب والاختراق لم تنجح بشكل كامل، ولكن التقاء التيارين الوهابي والإخواني ساهم في...

ترامب.. آخر رعاة البقر المتوحشيين

لم تكن أفلام الكاوبوي صورةً للواقع التاريخي الأميركي فقط، أو خلاصةً لروح أميركا المتوّحشة فحسب،...

الإسلام والفنّ.. الجمال المُحرّم

الموسيقى كفن، وفق المنهج الإسلامي، توضع في خانة المباحات لذاتها، فقد يُعرض لها ما يجعلها واجباً...

"فيلم المصالحة" لم يعد يجذب المشاهدين

مع كل اتفاق مصالحة كان الشعب الفلسطيني يتفاءل في البداية، ولكنه يعود للتشاؤم بعدما يُطلَق أول...

من الذي ذبح معلّم التاريخ الفرنسي؟!

الأكذوبة الصهيونية أصبحت في فرنسا وأوروبا بقرةً مُقدّسة، من يقترب منها يُحاكَم ويُجرَّم...

السعودية وفلسطين: من الجهاد إلى الشيطنة

وثق الباحث السعودي محمد الأسمري، نقلاً عن مركز المعلومات الفلسطيني، أسماء 155 شهيداً سعودياً من...