الناطق بالعربية.. " أبراهام السيد"

"تل أبيب" الطامحَةُ إلى أنْ تكُونَ حاميةَ الخليجِ، والراغبةُ في تضييق الحِصَارِ على طهران؛ ما زالتْ غيرَ قادرةٍ على حسم الأمور لصالحها.

  • الناطق بالعربية..
    الناطق بالعربية.. " أبراهام السيد" 

أخيراً نفَذَ صَبرُ السَيد "أبراهام "، فهو لم يعد يطيقُ العيشَ خلفَ ستارته المبتذلة؛ خاصةً وأنّه أصبحَ يتقنُ الحديث باللّغة العربية البدويّة القحّة، كما وأنّه أمسَى مُغرماً بُخبزِ الرُّقاقِ المصحوب بالقهوةِ محليّة الصنع، والمشبعة بحَبِّ الهال والزعفران، ويؤنسه أيضاً الجلوس مع أبناء عمّه " إبراهيم" في صَحراء دُبي العَربية!

"أبراهام" الذي يُسَيطرُ على معظمِ مناجمِ الماسْ في أرجاءِ العَالم، يُعجبه تهافت أثرياء الخليج على شراء القطع الماسِيّة اللامعة والبراقة - والمَصقول منها في معامل مدينة "رامات غان"  الإسرائيلية - فلقد لاقت تجارتهُ رواجاً منقطعَ النظير في كثيرٍ من دولِ الخليج، فهو يبرعُ في التوغّل والسيطرةِ على مصدرِ المُباعِ من جهةٍ وعلى سوق البيعِ من جهةٍ أخرى!

كما ويجيدُ السيدُ "أبراهام" بلا شَك استِغلال التناقضَات السياسية والأيديولوجية في المنطقة، وغايته تبرّرُ جميع وسائلهِ، حيثُ تغلغل في السوقِ الخليجيَة، لدرجةِ أنّهُ أصبحَ شريكاً أساسياً في كثيرٍ من الأعمال التجاريةِ؛ التي لا تقتصرُ فقط على تجارةِ الألماس، بل وصلَ  الأمرُ بالمُستَثمرِ الشّرهِ إلى إقامةِ مزرعةٍ لتربيةِ الجمالِ ومركزٍ لحلبِ النوقِ في واحَة الاستثمارِ الإماراتية (دبي).

أكادُ أجزمُ بأنّ براعةَ الإسرائيليِ بالإدارةِ وقدرتهِ العاليةِ على فردِ أرجله كالأخطبوط في الشرق والغربْ، أغرتْ إلى حدٍ كبيرٍ رأسَ المالِ الخَليجي، فأصبحَ الكثيرُ منْ المستثمرينَ اليهود - وليسَ كلّهم - هُم شركاءَ مُضاربةٍ بالمَشاريعِ الخليجيَة المُختلفة في مَنطقةِ الخليجِ وفي بُلدانٍ أخرى مِنَ العَالم. 

إِنّ الشَراكةَ الإسرَائِيليةَ الإمَاراتيةَ العَمِيقةَ في مَجالِ المَالِ والأعمَال، بلغَتْ حَدّاً سَمحَ للمُستثمِرين اليَهود أنْ يَضعوا قواعدَ المُعاملاتِ بينَ البلدين، ولأنّ السِياسَة والإقتصِاد هُما وَجهَي العُملة الوَاحِدَة، كانَ لا بُدّ عَلى رِجالِ السياسَةِ في كلتا الدَولتينِ أنْ يَسْتغلاّ هذا التناغمَ الاقتِصَادي لإبرامِ اتفاقٍ سيُعزّزُ طُموحاتِهم ويَخدِمُ خُططهَم المُستَقبليَةَ المُشتَركةَ في المنطِقة.

المستثمر اليهودي الذي وصلت نسبةَ شراكتهِ في قطاعِ الأعمال -في دولة الإمارات- حداً يؤهّله فرضَ وقائع جديدة وغيرَ مألوفَة، سارعَ إلى استغلالِ هذهِ الفُرصَةِ التَاريخية بِنَهَمٍ منقطعِ النظير، واختارَ بذكاءٍ وخُبثٍ المُمارساتِ التي تُكرّسِ وُجودَه، ترسّخُ هويتهُ ؛ وتحفظُ لهُ فرصةَ الإنصهارِ داخَل مزيجِ المُجتَمع الإمَاراتيّ المَحلّي؛ المُركّبِ بطَبيعةِ الحَال!

الجَاليةُ اليهوديةُ الصَغِيرة؛ والتي يقُودها رجلُ أعمَالٍ وحاخَام؛ استَطاعت أن تُصبحَ جُزءاً مُهماً من المُجتمعِ الإمَاراتيّ في وقتٍ قَصيرٍ جِداً، مُسْتغلةً بالدرجةِ الأولى الأمانَ الذي توفّرُه حُكومةُ الإمَاراتِ لَها، وثانياً القَاعِدة الإستثمَارية الهَامَة التي انشَأتها هُناك؛ وَما زالت تَسْعى إلى تقويتها عن طَريق جذبِ المُستثمرينَ اليهودِ إلى السوقِ الإمَاراتيةِ المَليئةِ بالمُغرياتِ؛ والمُعامَلةِ ذاتِ الخَمسِ نَجمات. 
أرْضُ الإمَاراتِ أصبَحَت بُؤرةٌ شَرق أوسَطيّة جاذِبَةٌ لشَتاتِ اليَهودِ في الدُولِ العَرَبيةِ، حيث الطَعام المُوافق للشَريعةِ اليهُودية ومَطابِخ "الكشير"، المَعابد اليَهودية، والأجوَاء الخَاصة بأعيَاد اليهُود، وطقوسِهم في أداءِ العبادات. أبراهام" النافِخُ في بُوقِ "الشوفار" بكلّ قوتهِ؛

من أرضِ الإمَاراتِ العربية، يَدعو إخوتَهُ في أرجَاء المَعمورةِ إلى مُشاركتِهِ نشوَةَ الانتِصارِ بالعودِةِ الميمونةِ إلى (البيتِ الإبراهيمي) المَزعُومِ مِنْ أوْسَع أبوابِه، ويبشّرُهم بطيبِ الإقامَة وسخاءِ الضِيافَة!
أما سياسياً؛ فلا شكَ بأنّ الخَوفَ المُتَراكمَ الذي عاشَتهُ دَولةَ الإماراتِ منذُ أحداثِ الربيع العَربي، وتصدُّرُ حركاتِ الإسلامِ السياسيِ للمشهد، دفعها للبحث عن حليفٍ قويٍ يحمي أمنَها القومي، ويعزّز دورها ومكانتها السياسية والإقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً إبانّ إدارة الرئيس الأميركي السابق "باراك أوباما"؛ الذي كانَ يعلمُ جيداً بأنّ أبو ظبي كانت قادرةً آنذاك على فرض معادلاتٍ صعبة قد تقلبُ السحرَ على الساحِر؛ فيما يتعلّقُ بخسارة أميركا لحلفائها التاريخيين في منطقة الخليج، فكانت ورقة الضغط هذه كافيةً لكي تمسك الإدارةُ الأميركية العَصا من جِهةٍ وَاحدةٍ فقط، وتفضّلَ حلفاءها القديمين على قادةِ حركَات المعارضةِ العتيقين والجُدد؛ وتتغلبَ على شغفها الدائم بشجبِ قمعِ الحريات، وبدعوةٍ إلى الحفاظ على القيم الأميركية، وإعلاء أجنداتِ حقوق الإنسان!

أبو ظبي التي كانت تعرفُ خيارَها مُسبقاً؛ وبعد نَجاحها السريع بإقناع إدارة الرئيس الأميركي السابق "باراك أوباما" بوقف اللعبِ على التناقضات في المنطقة العربية لما في ذلكَ من خطرٍ قد يهدّد المصالح الإستراتيجية الأميركية - في منطقة الخليج خاصةً - وتحذيره في ذات الوقت من تبعات تولّي جماعة الإخوان المسلمين الحكم في جمهورية مصر العربية؛ وما قد ينتج عن ذلكَ من انهيارٍ سريعٍ وشاملٍ لقاعدة الحكم العلمانية في بعض الدول العربية - التي تعتبر دولةَ الإماراتِ نموذجها الأكثر تفرّداً واجتهاداً- لصالحِ حركاتِ الإسلامِ السياسي!

خيارُ أبُو ظبي لم يعدْ أمراً خفياً؛ فوصولُ دونالد ترامب لرئاسة أميركا؛ أخرجَ أبُو ظبي من دائرة التوجّسِ والتردد التي غلبتْ على سياسات سيّد البيت الأبيض السابق؛ أما السيد الجديد "دونالد"، القادم من عالمِ المالِ والأعمال والذي يعتقد بفكرة " نادي الأقوياء"  - الأقوياء الذين يهمّهم فقط إبرام الصفقات التي تعود عليهم بالمكاسب المالية والسياسية؛ ولا مكان لديهم أبداً للقيم الإنسانية أو الأخلاقية - لم يلبث بأنْ قامَ بالإعلانِ عن الزواج العُرفيّ، وأشرَف على مراسم انتقالهِ منَ السرّ إلى العلن!

اتفاق " أبراهام" أو  "الإتفاقُ الإبراهيمي" جاء تتويجاً للتعاون الإقتصادي والسياسي العميق بين أطرافهِ من جهة؛ وسدّاً أمام ما يصفهُ أطرافُ الإتفَاقِ بالخطرِ الفارسي القادمِ من إيران، من جهةٍ أخرى، هذا الخطر الذي يؤكده السيد "نتنياهو" على الدوام في لقاءاته الصحافيَة - مستغلاً ذلك في كَسبِ وِدّ الدولُ العربية، خاصة المملكة العربية السعودية التي تمثّل المحورَ السنّي في المنطقة وأصدقاؤها – في محاولةٍ لتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراعٍ عربيٍ إيراني أو سنيّ شيعي - بطَبِيعةِ الحَال- كما يحلو لإسرائيل وَصفهُ!

"تل أبيب" الطامحَةُ إلى أنْ تكُونَ حاميةَ الخليجِ، والراغبةُ في تضييق الحِصَارِ على طهران؛ ما زالتْ غيرَ قادرةٍ على حسم الأمور لصالحها؛ فإيران تمتلك العديد منَ الأوراق التي تخيفُ "إسرائيل" وحُلفاؤها العَرب؛ ولعلّ أربحُ هذه الأوراق وأكثرها تأثيراً هي السَاحةُ السورية؛ التي تسعى طهران جاهدةً إلى ترسيخ وجودها فيها عبر ميليشياتها المُسلّحة وعلى رأسها "حزب الله"؛ مما يجعل التهديد بينها وبين "تل أبيب" يحظى بمقدارٍ لا بأس بهِ مِنَ التَوازُن!

"نتنياهو" الذي أراد وصديقُه ترامب جرّ المنطقة والعالم إلى حَربٍ ضَروس، وَيلمّحُ إلى الإنجَازِ الكبيرِ الذي حقّقه عن طريق جهازِ الموسَاد باغتيال العالِم النووي الإيراني "محسن فخري زاده" مؤخراً، يُصَعّبُ المهمّةَ على الرَئيس الأميرِكي الجديد "جو بايدن"؛ حيث أنّ الأخير ما زالَ لم يُحدّد سياسَته بوضوحٍ تجاه الملف الإيراني، إلا أنّه من المؤكّد أنّ سياسة " جو" الرئيس الديمقراطي، هي أقلّ تطرفاً ومغامرةً من سياسةِ سابقهِ الجُمهورِي الأرعن، المتهور؛ وغيرِ الآبه بمستقبلِ بلادِه!

الحَربُ التي لا يُريدها رَئيسُ أميرِكا الجَديد، منَ الصَعبِ أنْ تحدث دُونَ مباركةِ إدارَته لَها، لكنّ هذا لا ينفي بأنّ منطقة الشرق الأوسط بأسرِها تطفو فوق صفيحٍ ساخن؛ وأنّ نُذر الحربِ قائمةٌ ومؤشّراتها واضحة ؛ وهي واقعةٌ لا محالة مَا لم تَقُم إدارة "بايدن" في شهر يناير/كانون الأوّل القادم بتصحيحِ أخطاء الإدارة السابقة؛ والمسَارعةِ إلى إحياء الإتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية؛ وعدم التخلي عن دَورِها في منطقة الشرقِ الأوسَط لصالح "إسرائيل" التي تحلمُ؛ بلْ تعملُ بجدٍ لأخذِ مكانها!

السَيد "أبراهام" الذي يريدُ خنقَ الدولة الإيرانية سياسياً، إقتصادياً، وجغرافياً، نجحَ نِسبَيّاً في مُبتغاه حَيثُ اقتربَ إلى أقربِ نقطةٍ لها من الحدودُ الجنوبيَة، المتاخمَةِ للخليج العربي، وَمن محلّه الجديد، أصبحَ يشكّل خطورةً أكبرَ من الناحية العسكرية والإستخباراتبة على إيران؛ وستزداد هذه الخطورَةُ مع اكتمال فصولُ التطبيعِ العربي!

إنّ "أبراهام" لم يكُنْ البَتّة رَجلَ التَسامُحِ الدِينِي، ولا رجلَ السِّيَاسةِ المُحَنَّك، السَيِد "أبراهام"، الناطقِ بالعربيةِ هوَ رجلُ المَالِ والإقتصادِ الماكرُ والمُبتزّ، الذي يضَعُ قواعدَ كلِّ شَيْء، ويعلّمُ جيداً كيفَ يوظّفُ قدرتهُ الإقتصَادِية، المحميّة بقوةٍ عسكريةٍ من أجل الوُصولِ إلى مُبتغياتٍ سِياسيةٍ وَأهدَافَ تَوَسِعيَّة؛ مُستغلاً هشاشَة الأنظمةِ العَربِية وَحاجَتها الدائمَة إلى الحِمايَة الخَارجِيَّة؛ عَازفاً على وَترِ الطَائفِيَة والمَذهَبية؛ المُغذّاةِ بالشرِّ منذُ رحيلِ جَامعِ المسلمينَ ورسولهِم محمد ابنِ عبدِ الله - عليه أفضل الصلاة السلام - وحتى يومنا هذا!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ثائر أبو لبدة

كاتب سياسي فلسطيني