جيش أوروبا الموحّد.. بين الأمنيات والقدرة والتبعية لواشنطن

إنّ التبعية الأوروبية للولايات المتحدة منذ خمسينات القرن المنصرم، صنعت بين الشريكين ما يشبه وحدة حالٍ في شتّى القطاعات من الاقتصاد إلى الثقافة.

  • تعلمت أوروبا درسها العميق من مرحلة إدارة ترامب التي باعدت بين ضفّتي الأطلسي بشكلٍ غير مسبوقٍ
    تعلمت أوروبا درسها العميق من مرحلة إدارة ترامب التي باعدت بين ضفّتي الأطلسي بشكلٍ غير مسبوقٍ

اعتمدت دول أوروبا الغربية على حماية الولايات المتحدة الأميركية لعقود، لاسيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وخلال "الحرب الباردة"، حيث كانت أوروبا أحد مسارحها الأساسية. فالمخاوف الأوروبية من الاتحاد السوفياتي (الشيوعي) عدوّ الرأسمالية آنذاك، وفّرت أرضيةً خصبةً ساهمت في تأسيس منطق الحماية الأميركية للغرب الأوروبي عبر تأسيس "حلف الناتو" لتوفير الدفاع عن باريس ولندن وبرلين وكلّ دول شمال وغرب أوروبا.

بلغت العلاقات عبر الأطلسي ذروتها في ظلّ إدارة الرئيس باراك أوباما. على عكس السنوات الـ4 المنصرمة لإدارة الرئيس ترامب، الذي تسبّبت سياساته الانسحابية من الاتفاقات الدولية لشؤون البيئة والسياسة والأمن والاقتصاد، إلى أضرار فادحة، يتطلّب إصلاحها جهوداً مكثّفةً ومشتركةً بين الداخل الأميركي وخارجه، خصوصاً من حلفاء واشنطن الأقرب في أوروبا.

تعلمت أوروبا درسها العميق من مرحلة إدارة ترامب التي باعدت بين ضفّتي الأطلسي بشكلٍ غير مسبوقٍ على مدى العقود الـ7 الأخيرة. كذلك، أدّت سياسات ترامب إلى تعريض الاستراتيجية الدفاعية والأمنية الأوروبية إلى الانكشاف، تحت وطأة "الابتزاز الترامبي" الذي لا يفرّق بين عدوٍّ وخصمٍ وحليف.

السلوكيات "الترامبيّة" المستهجنة، أكّدت للأوروبيين أهمية التمايز في المواقف السياسية عن الولايات المتحدة، ما دفعهم نحو التحرك على المسرح الدولي باستقلاليةٍ أكبر، حتى لندن الحليف الوثيق لواشنطن والخارجة من الاتحاد الأوروبي، لم تخالف إرادة باريس وبرلين في الحدّ من تهوّر إدارة ترامب، في مواقفَ معارضةٍ لها في مجلس الأمن أو في غيره من المنظمات الدولية.

تنحى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اليوم، نحو تكاملٍ دفاعيٍّ وأمنيٍّ أعمق فيما بينها. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحدّث عن إنشاء جيشٍ أوروبيٍّ موحّد لحماية المصالح الأوروبية والدفاع عنها، من خارج منظومة "الناتو". بمعنى أنّ "الجيش الأوروبي" هو "ناتو" جديد من دون أميركا. 

تعرّض مقترح ماكرون للاستهزاء من قِبل جملةٍ من الاختصاصيّين الأمنيّين والعسكريّين، واعتبروا التّرابط الاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني بين ضفّتي الأطلسي، أعمق وأقوى من أن تهدمَه السنوات الـ4 لإدارة ترامب. اليسار الفرنسي رأى في مقترح الرئيس عدم جديّةٍ، تخفي خلفها، خدعة تسهل بيع الاحلام الزائفة للجمهور الأوروبي، الذي تغويه شعارات الاستقلال والتحرّر من التبعيّة لأميركا، لكنّه يدرك شبه استحالة استقلال أوروبا الكامل عن الولايات المتحدة، على الأقل في المدى المنظور.

قدّمت فرنسا مقترحها لإنشاء جيشٍ أوروبيٍّ لأوّل مرّة في عام 1950، على أن يُشكَّلَ من النواة الأساسية للدول الـ6 الأولى في الاتحاد الأوروبي وهي فرنسا وألمانيا وهولندا ولوكسمبورغ وإيطاليا وبلجيكا. تمّ التوافق على المعاهدة في باريس عام 1952، لكنّها ظلّت أسيرة الأدراج، ولم يتمّ التصديق عليها، ولم تتحقّق على مستوى عملي. 

لم تنتج سياسات ترامب فكرة الجيش الأوروبي الموحّد. قد تكون "الترامبيّة" مسؤولةً عن استعادة الحديث عن هذا المشروع في أروقة صُنّاع القرار في العواصم الأوروبية. ففي فرنسا (البلد الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي يمتلك أسلحةً نووية) يناقش البرلمان مرةً كلّ عامٍ تقريباً مشروع قيام جيشٍ أوروبيٍّ موحّدٍ منذ عشرات السنين على التوالي.

التوجّه الأوروبي نحو "الاستقلال النسبيّ" عن واشنطن مبرّر. لكنّ التحديات كبيرةٌ في هذا المسار، وبعضها لا يمكن تجاوزه. إنّ التبعية الأوروبية للولايات المتحدة منذ خمسينات القرن المنصرم، صنعت بين الشريكين ما يشبه وحدة حالٍ في شتّى القطاعات من الاقتصاد إلى الثقافة. وهذه حواجزُ مانعةٌ لأيّ تمايزٍ "واسعٍ أو جديٍّ" في المواقف، أو الاختلافات في الأهداف؟

أوضح الدور الأوروبي والأميركي في ما سُمّيَ بـ"الربيع العربي"، مدى تطابق السياسات الخارجية لكلا الطرفين. ومعاً، عملا على دعم  واستخدام الجماعات المسلحة الإرهابية، التي زرعت الموت والدمار في سوريا والعراق وليبيا ، وشاهدا أطفال اليمن، يقتلهم يومياً التحالف السعودي بالأسلحة الأوروبية والأميركية.

إنّ ممارسات مماثلة، أدّت إلى اختراقاتٍ فادحة لحقوق الانسان في أقاليمَ كثيرةٍ من العالم ، لا تتيح للأوروبيين زعم التمايز عن سياسات واشنطن. وما الخلافات الظاهرة بين الجانبين إلاّ اختلافاتٍ هامشيّةٍ بين مستعمريْن، الأوّل أوروبي تقليدي وقديم، والثاني أميركي جديد وصاعد.

يحتاج أيّ جيشٍ في العالم إلى عقيدةٍ عسكريّةٍ تفزلك مشروعه وأهدافه السياسية، وهو غير متوفرٍ في حملة مشروع الجيش الأوروبي الموحد. استكان الأوروبيون عن مشروعهم في الآونة الأخيرة، لكنّ هزيمة ترامب وفوز جو بايدن، بالرئاسة الأميركية قد تنفعهم وقد تكون مدة الـ4 السنوات من الإدارة الجدية كفيلةً لإعادة مراجعة العلاقات والممارسات الأوروبية على الساحة الدولية في السنوات الـ50 المنصرمة وتصحيحها بشفافية، قبل إضاعة الوقت في تنفيذ مشاريع يلفّها الغموض ويستحيل تنفيذها. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسين قطايا

صحافي في قناة الميادين.

إقرأ للكاتب

"الحريرية السياسية" في لبنان.. استحقاق الإفلاس المؤجل

انتقل لبنان من نظام أعراف التحاصص المذهبي إلى تكريسه بقوانين "دستورية" تمنع المواطنة، وتحيل...

"برج بابل" الأوروبي يترنّح تحت وطأة كورونا

من المبكر الإعلان عن نهاية العولمة النيوليبرالية، ومن المجحف نكران تعرضها لإصابات بالغة في...

سوريا: هنا اجتمع العدوان كي يتشظّى

تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها زعزعة الاستقرار في سوريا والمنطقة، ولم يعد نكران الحقائق بعد 10...

السعودية تحت الابتزاز.. اغتيال خاشقجي لن يكون الأخير

ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فعله غيره من أولياء العهود والملوك السابقين في العائلة...

"الانحياز" أقلّ كلفة من "الحياد"

لم تكن الجمهورية الأولى أقلّ خيانة لمفهوم الدولة والمواطنة من الجمهورية الثانية، لكنها كانت أكثر...

الاتحاد الأوروبي والصّين: "اتفاق تاريخيّ" يرسم توازنات العالم الجديد

يتوقَّع الأوروبيون أن تُعامَل شركاتهم في الصين مثل معاملة الاتحاد الأوروبي للشركات الصينية، وأن...