القبض على القروي يفتح شهيّة القضاء التّونسي لمحاربة الفساد

الأحداث ستتسارع على غرار وتيرة توقيف السيد نبيل القروي، وتأثير ذلك على حياته السياسية والشخصية، وعلى حزبه "قلب تونس"، وعلى تحالفه مع حركة "النهضة"، مما قد يقلب الوضع السياسي رأساً على عقب.

  • الشعب التونسي موقنٌ بأن نبيل القروي، متورطٌ في الفساد
    الشعب التونسي موقنٌ بأن نبيل القروي، متورطٌ في الفساد

فتحت أزمة النفايات في تونس شهية الحكومة في تتبّع الفاسدين في الدولة. وضجّ ملف النفايات الآتية من إيطاليا والذي كشف تورّط وزير الشؤون المحلية والبيئة في تونس السيد مصطفى العروي، حيث تمّ على إثره توقيفه ومحاكمته. قرّرت الدولة الضرب بيدٍ من حديد، إذ أوقف القضاء التونسي السيد نبيل القروي الذي لطالما حامت حوله سابقاً شبهات فسادٍ كبيرة، لاسيما بُعيد الانتخابات الرئاسية في جولتها الثانية التي جرت في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

ورغم أن الشعب التونسي موقنٌ بأن نبيل القروي، متورطٌ في الفساد، إلا أن النيابة آنذاك قبلت بإطلاق سراحه، ويبدو أن ذلك تمّ بضغطٍ قويٍّ من الخارج والداخل ليشارك في الانتخابات الرئاسية. ولما جاء في المركز الثاني، أدركنا أن العملية كانت مخطّطة حتى يتم إبعاد المسؤول في حركة النهضة السيد عبد الفتاح مورو الذي رشّحته استطلاعات الرأي لنيل هذا المركز، وبالتالي قد يترشح للرئاسة فيما لو تنافس مع السيد قيس سعيّد. إنها عمليةٌ قد نفهمها اليوم في سياق التوقيف الذي جاء بناءً على تهمة تبييض الأموال قالوا آنذاك أنها لم تثبت عليه، ولم تكن هناك أدلةٌ واضحةٌ على فساده.

هذه الشهيّة تبدو هذه المرة ألذّ حينما سعى القضاء التونسي إلى توقيف رجل الأعمال وصاحب قناة "نسمة"، لكن ما الذي سيحصل بعدئذٍ، حينما تُوجّه إليه التّهم بعد المحاكمة ويخضع للإقامة في سجن المرناقية؟ كيف سيكون موقف حركة "النهضة" فيما لو أُصدر الحكم بأدلةٍ ثابتة، أنه فاسدٌ وعليه أن يدخل السجن؟ وهي الحركة التي دافعت عنه وتحالفت معه لأنه يمثل الكتلة الثانية في البرلمان. وعلى هذا الأساس، سوف يدور النقاش على ثلاثة محاور إذا ثبتت التهمة ضده سواءٌ كان في قضية تبييض الأموال أو تلقّي رشاوى أو دفع رشاوى لتلميع صورته وغيرها من التّهم التي يعاقب عليه الدستور التونسي.

 لقد ذكرتُ في مقالاتٍ سابقة أن إطلاق سراح السيد نبيل القروي، إبّان الانتخابات الرئاسية كان مسيّساً، للحد من طموح "النهضة" نحو الفوز بكرسي الرئاسة. وقد جاء اليوم الذي ثبت فيه هذا الحديث بأن الأمر أتى بتدخلات داخلية وخارجية من أجل إفساد شهية النهضة نحو تحقيق الحُلم، ووضع قطعة حلوى في فم القروي، ولكن يبدو أنها كانت مُرّةً كمرارة الحنظل.

يتلخص المحور الأول في الحزب الذي يقوده القروي، وهو حزبٌ قَلَبَ تونس وصار يمثل الكتلة الثالثة الأقوى في البرلمان التونسي بـ27 مقعداً. أسّس نبيل القروي، هذا الحزب لمنافسة "النهضة" وبقية الأحزاب الأخرى ودخل اللعبة السياسية من بابها الواسع، فكان لا يتوانى عن تقديم المساعدات الإنسانية عبر فضائية "نسمة" وبرنامجها المعروف "خليل".

ورغم أنّ هذا الحزب تأسس في الوقت الضائع، إلاّ أنه استطاع أن يستقطب شريحةً مهمةً من السياسيين للانضمام تحت لوائه. علاوةً عللى ذلك، استمال الحزب اليافع شريحةً كبيرةً من الشعب التونسي خاصة أولئك الذين قبلوا مساعداته في وقتٍ كانت الدولة قد همّشتهم ولم تكترث بتوفير أبسط حاجاتهم الحياتية. 

واستمر الحزب يقوى ويشتدّ يوماً بعد يوم، حتى جاءت الانتخابات البرلمانية ومن ثم الرئاسية فعزّزت موقفه وموقعه، فأطاح بأحزابٍ تُعدّ عتيدةً كحزب نداء تونس وحزب تحيا تونس وحزب الحر الدستوري، ومن ثمّ قفز إلى المرتبة الثالثة وسط ذهول السياسيين والمتابعين للأحداث السياسية في تونس. ولكن بعد تشكيل الحكومات الواحدة تلو الأخرى، وبعد استقرار الحكومة على خيار السيد هشام المشيشي، وفُتح الباب للنظر في الفساد، بدأت تسقط أوراق التوت بعد الإطاحة بوزير الشؤون المحلية والبيئة لتطال رئيس حزب قلب تونس، في عمليةٍ انتقائيةٍ لقلع الفساد من جذوره، كما وعد رئيس الجمهورية السيد قيس سعيّد. 

وأمام هذه الهزّة العنيفة، هل سيصمد حزب "قلب تونس" في وجه هذه المحاكمة التي ربما تطال أعضاء آخرين من الحزب ومقرّبين من القروي، أم سيتفكك كما حصل لحزب نداء تونس بعد أن ظهر الخلاف جليّاً آنذاك بين الحافظ الباجي القايد السبسي ويوسف الشاهد؟

أما المحور الثاني، فهو كيف سيكون شكل البرلمان التونسي بعد أن تنهار كتلة حزب "قلب تونس"، فهل سيدعو إلى انتخابات مبكّرة؟ وهل سيتداعى البرلمان كما ينهار البنيان، وتصبح النهضة بلا جناح؟ وهل تستطيع أن تعمل بجناحٍ واحد أم أنها ستبحث عن جناحٍ آخر يقيم صلبها؟ فإذا انهارت كتلة "قلب تونس" ولم تستطع أن تمسك نفسها، قد يضطر البرلمان إلى حلّ نفسه والدعوة إلى انتخاباتٍ جديدةٍ مبكرة، لأن النهضة لا تستطيع أن تحكم بمفردها، فهي لا تملك الأغلبية المطلقة، وبالتالي ستضطر إلى التحالف مع أحزابٍ أخرى تراها ضرورية لدفع مسيرة البرلمان. وقد نرى تحالفاً حتى مع الحزب الحر الدستوري الذي تراه النهضة عدوّاً لدوداً لها كما رأت من قبل حزب نبيل القروي، أو أنها قد تلجأ إلى أمورٍ أخرى.

وفي المحور الأخير، يبدو أن التحالف بين "قلب تونس" و"النهضة" بُنيَ في الأساس على دعوة من حركة "النهضة" من أنّ السيد نبيل القروي لم يكن يوماً فاسداً وأنه "أصبح يصلي ويؤدي واجباته الدينية" حسب تصريح أحد نواب "النهضة". فماذا سيقول نواب حركة "النهضة" اليوم وقد ثبتت عليه تهمة الفساد من أوسع أبوابها؟ هل ستتركه يغرق أم ستقف بجانبه وتدافع عنه بقوة، أما أنها ستبحث عن تحالفٍ جديد؟ إنها حقاً في وضعٍ لا تُحسد عليه، هي من استمدّت منه القوة في فترةٍ سابقة، واتفقت معه على ضرورة تشكيل رئاسة البرلمان على صورته الحالية، ولكن ومع كل هذه التخمينات، كيف سيكون مصير حركة النهضة ورئيسها أو بالأحرى رئيس البرلمان الشيخ راشد الغنوشي، الذي ربما سيُزاح من منصبه، وبالتالي تتحقّق نبوءة السيدة عبير موسي.

فالأحداث ستتسارع على غرار وتيرة توقيف السيد نبيل القروي، وتأثير ذلك على حياته السياسية والشخصية، وعلى حزبه "قلب تونس"، وعلى تحالفه مع حركة "النهضة"، مما قد يقلب الوضع السياسي رأساً على عقب. لكن هل تستمر الحكومة الحالية؟ وكيف يكون حال البرلمان إذا تداعت وانهارت كتلة نبيل القروي، وإلام سيؤول الحال السياسي في تونس إذا حدث هذا السيناريو؟ ألم أقل لكم إنّ النّظام السياسي الحالي لا يمكن أن يحلّ المشكلة؟ لذلك، يجدر بالعقلاء في تونس أن يبحثوا عن نظامٍ سياسيٍّ ملائم للخروج من هذا النفق المظلم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فوزي بن حديد

كاتب تونسي

إقرأ للكاتب

في يوم القدس العالمي.. رسائل مشفّرة من رجال المقاومة لإدارة بايدن والاحتلال الصهيوني

إذا أرادت الإدارة الأميركية أن تكون مختلفة عن إدارة ترامب السابقة، فعليها أن تبرهن ذلك واقعاً،...

ماذا في زيارة أمير قطر إلى السعودية؟

يبدو أنَّ التقارب السعودي القطري الذي حدث بعد قطيعة دامت سنوات يسهم بشكل كبير في تهدئة الأوضاع...

ماذا تريد "إسرائيل" من أميركا في الملفّ النوويّ الإيرانيّ؟

لا تُغضب أميركا "إسرائيل" بتاتاً، ولا ترضيها تماماً. هذه هي سياسة بايدن مع نتنياهو في هذه...

إيران تتحدّى وأميركا تتصدّى والاتحاد الأوروبي يتودّد.. والاتفاق النووي معلّق

إذا أراد الأميركيون والأوروبيون الحديث عن اتفاق، فعليهم الحديث أولاً عن رفع جميع العقوبات عن...

مسقط.. وجهة السّلام في الحرب على اليمن

لا عجب في أن نرى اليوم مسقط تظهر من جديد كمأوى دائم للسلام وحل المشكلات، أياً كان تعقيدها، وأياً...

الديمقراطيَّة التي أفسدت نكهة الوحدة عند العرب.. هل تعيد الأمّ إلى مهدها؟

إن جامعة الدول العربية اليوم، وبعد الانشقاق الذي حصل، لم يعد لها وجود وأثر، وأصبحت الدول العربية...