الشّهيد الذي طال عمره أكثر ممّا توقع... قاسم سليماني

بعد انتهاء الحرب مع العراق، تابع قاسم سليماني مسيرته. لم يكن قادراً على التوقّف. إنه يؤدّي رسالة، وجذوة الثورة المشتعلة داخله كانت تدفعه إلى المزيد من العطاء. وفي صفوف حرس الثورة، انطلق هذه المرة إلى خارج حدود إيران.

  • الشّهيد الذي طال عمره أكثر ممّا توقع... قاسم سليماني
    "خادمكم أنا" كان يقول لهم بكل تواضعٍ ومحبة

لم يكن قاسم سليماني عسكرياً عادياً، بل لم يكن عسكرياً محترفاً بالمعنى التقني للكلمة، فهو لم يتخرج من كليةٍ عسكريةٍ نظامية ولم يمضِ سنواتٍ يدرس في معاهدَ حربيةٍ منحته رُتباً وشهادات، ولا كان مبعوثاً يتلقّى دوراتٍ عسكريةً رسميةً طويلة في دولٍ "صديقة"، لاشيء من ذلك.

كان عمره 20 سنة عندما اندلعت الثورة الشعبية في إيران في أواخر سبعينيات القرن الماضي. التحق الشاب، ابن محافظة كرمان بصفوف الثوار، حيث عمل في مجال البناء، وشارك في تنظيم الاضرابات والمظاهرات المناهضة لنظام الشاه. ومباشرةً بعد انتصار الثورة الإيرانية، تطوّع سليماني في كتائب حرس الثورة التي أسسها آية الله الخميني بهدف حماية الثورة والثوار من موجة الاغتيالات الكاسحة الموجهة ضدهم. 

بعد انتهاء الثورة، لم تلبث إيران أن وجدت نفسها عام 1980، تتعرض لحربٍ ضروس وغزوٍ كبير من قبل نظام صدام في العراق. عندها، انتقل قاسم سليماني مع رفاقه في الحرس، وعموم شباب إيران، إلى جبهة الحرب مع العراق. وهناك، وحيث الدم المسكوبُ والعرق والجهد والدموع، أمضى 8 أعواماً متواصلة، لم يكن خلالها يزور عائلته إلاّ أياماً معدودات.

صقلت تجربة الحرب القاسية تلك، شخصية الشاب قاسم سليماني وصاغتها وعلّمته دروساً أثمن وأعظم من كل دورات "وست بوينت" وأكاديميات "ساندهيرست" الملكية وغير الملكية. إنها دروسٌ في الجهاد والدفاع عن الوطن، جُبلت بالتضحيات والفداء، شهد خلالها إخوته ورفاق دربه يسقطون في حقول الألغام وتحت قصف الطائرات ومدافع الدبابات، وبفعل السلاح الكيماوي! 

أظهر الشاب قاسم سليماني شجاعةً وبسالةً قلّ نظيرهما، وتقديراً لدوره وبطولته، عيّنه رؤساؤه قائداً لفيلق "ثأر الله"، وهو الذي يضمّ مجموع المقاتلين القادمين من منطقة كرمان في الجبهة. انخرط سليماني في التخطيط العسكري الميداني وفي تنفيذ أصعب العمليات العسكرية وأخطرها على طول خطوط النار. وكان كلما عاد من إحدى تلك العمليات، يكاد لا يصدق أنه ما زال على قيد الحياة، وكأنّ القدر الإلهي كان يدّخره لأدوار أكبر وأهمّ.

بقيت تجربة حرب الثماني أعوام عالقةً في ذهن الحاج قاسم، لم تفارقه يوماً. وكان كثيراً ما يستحضر قصيدةً كتبها أحد رفاقه المقرّبين، حسين يوسف إلهي، ممن استشهدوا في جبهات الحرب:

"رحل الغيارى رحل العاشقون

الكلّ رحلوا وبقيتُ وحدي

يا حسرتا على هذه الوردة المليئة بالأشواك التي سبقها الجميع

جاء شيخ الطريقة وعلمنا السلوك

وبقيتُ أنا من لم يتعلم ولم يرحل"

 يقرأها ويبكي!

بعد انتهاء الحرب مع العراق، تابع قاسم سليماني مسيرته. لم يكن قادراً على التوقّف. إنه يؤدّي رسالة، وجذوة الثورة المشتعلة داخله كانت تدفعه إلى المزيد من العطاء. وفي صفوف حرس الثورة، انطلق هذه المرة إلى خارج حدود إيران.

انخرط سليماني في العمليات الهادفة إلى خلق جبهةٍ كاملة في المنطقة، قادرةٍ على مواجهة "إسرائيل" بالسلاح. وفي زمن التخاذل، كان العرب قد بدأوا برفع الرايات البيضاء والتسليم؛ "إسرائيل غدّةٌ سرطانية يجب أن تزول" هكذا قال الخميني، وهو ما يجب أن يحصل، وهذا ما سيسعى إليه سليماني بكلّ ما أوتي من عزمٍ وقوّة حتى آخر يومٍ في حياته. ب

بدأت مكانة "الحاج قاسم"، كما صار يُطلق عليه، تعلو في صفوف حرس الثورة الإيراني إلى أن تمّ تعيينه قائداً لـ"قوة القدس" عام 1998. ورغم موقعه المرموق، لم يتغير قاسم سليماني ولم تبدّله الألقاب، بل استمر كما عهدناه، ففي حرب الثماني سنوات، كان رجل ميدانٍ، يمضي وقته بين المجاهدين في الجبهات كواحدٍ منهم، يأكل من طعامهم، ويعانقهم فرداً فرداً حين ينطلقون في مهماتهم المقدّسة.

"خادمكم أنا" كان يقول لهم بكل تواضعٍ ومحبة. إنهم إخوانه ورفاقه، وليسوا مجنّدين صغاراً تحت إمرة قائدٍ كبير! الرُّتَبُ العسكرية كانت لا تعني له شيئاً، فهو آخر ما يتطلّع أو يسعى إليها الحاج قاسم. ولغاية سنة 2009، كان "عقيداً" لا غير، في صفوف حرس الثورة! ولم يكن يعلّق على صدره أي ميدالية أو نيشان.

الثورة أو الجهاد، سمّها ما شئت، كانت حياة سليماني وكيانه. وككلّ المناضلين الثوريين عبر التاريخ، كان لا بد أن يكون مؤمناً، في داخله. وكما كان جيفارا يؤمن برسالة دحر الرأسمالية وتحقيق العدالة والاشتراكية، كان قاسم سليماني يؤمن برسالة دحر الظلم ونصرة "المسْتضعَفين" في الأرض.

"شيعيّة" سليماني وإيمانه الديني لم يتّخذا صبغةً طائفيةً أو مذهبيةً بل كانا مشعلاً ينير دربه ويلهمه القدرة على التمييز بين "المستكبِرين" الظالمين وبين أهل الحق. أئمة أهل البيت بنظره، هم أئمة الإنسانية والخير والعدل، وهم القدوة ومصدر الإلهام والعزم والصمود، ومصدر الحنان أيضاً! وفي أحد الأيام، خاطبَ أهل بلدته ،كرمان، مفسّراً لهم سبب الصمود في أحلك الظروف وأقساها: "إنها السيدة فاطمة الزهراء التي تلطّفت بنا ومسحت بيد حنوّها على رؤوسنا في وسط تلك الأمواج العاتية من أجل نجدتنا"!

في عام 2009، أي بعد أكثر من 25 عاماً من استشهاد خيرة رفاقه وإخوته في الجهاد، عاد قاسم سليماني إلى مناطق العمليات على ضفاف نهر اروند (شط العرب) وتلا هذا الدعاء الذي عبّر فيه عن اشتياقه للّحاق بهم في عليائهم: 

"اللّهم نقسم عليك بنبض تلك القلوب

اللّهم نقسم عليك بتلك الآثار الباقية

اللّهم بتلك الصّلوات التي أُقيمت إلى جانب هذه الأنهار

اللّهم بأولئك الشباب العاشقين الذين استشهدوا في تلك الخنادق وعلى ضفاف هذه ال،نهار

اللّهم بتلك الأجساد التي لم ترجع من نهر اروند

اللّهم باضطراب قلوبنا واشتياقها لهم، نقسم عليك اللّهم !

اختم عاقبتنا بالشّهادة

اللّهم نقسم عليك بهذه المياه التي تَحرّك فيها الشباب 

لا تختر لنا سوى الشّهادة ".

واستجاب الله لدعائه، ولو بعد حين.

عامٌ مرّ على إغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، تغييرات كبيرة حصلت، ومعطيات تبدلت.. في الميادين نتذكر حادثة الاغتيال على أنها "جدارة الحياة وشهادة العلا".