المناوشات الإيرانية الإسرائيلية تشتد.. فهل الردّ على اغتيال زاده قريب؟

إذا استطاعت إيران أن تؤذي "إسرائيل" مباشرةً، فإنها تكون قد انتصرت على العدو الصهيوني رغم تبجّحه باستيراد أسلحةٍ متطوّرة من أميركا خلال الفترة الماضية لمواجهة أي تحركٍ إيراني.

  • تتشابك الأحداث وتعلو وتيرتها في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب، بشكلٍ مخيفٍ ومرعب
    تتشابك الأحداث وتعلو وتيرتها في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب، بشكلٍ مخيفٍ ومرعب

بدأت المناوشات بين "إسرائيل" وإيران تشتدّ هذه الأيام، وبدا الصراع وكأنه سباقٌ نحو التشنّج الإعلامي الذي يوحي بأنّ شيئاً ما يُعدُّ وراء الكواليس، على نارٍ هادئةٍ، تستعر كلما أوقد أحد الطرفين حطباً جديداً، أو صبّ دفعةً إضافيّةً من الكيروسين، لتبقى ألسنة اللهب على جذوتها، حتى إذا ما تأجّجت، أحرقت منْ حولها والتهمتْه، هذا هو الحال بين "إسرائيل" وإيران اليوم.

يتوسّط هذا الصراع الولايات المتحدة الأميركية، قائدةً اللعبة السياسية والأمنية في المنطقة. ونحن نعلم جميعاً أنّ ترامب في أيامه الأخيرة قد يُصاب بالجنون السياسي، فيُطلق صفارة الحرب في اللحظات الأخيرة على إيران. ولكن الوقت لا يصبّ الآن في مصلحته، إذ لم يتبقَّ له سوى بضعة أيامٍ على مغادرة البيت الأبيض، وهي مدّةٌ غير كافية للملمة أوراقه ومواجهة أعتى قوّةٍ في الشرق الأوسط. وبالرغم من جهوزيّة الخطة، إلاّ أنّ الخوف من النتائج هو ما أخّر ترامب عن خوض المعركة.

إن كان الردّ الإيراني على اغتيال محسن فخري زاده قريباً، فذلك يعني أنّ عملية اغتيالٍ جديدة تلوح في الأفق. لقد ركّزت "إسرائيل" على شخصياتٍ مهمّة تعتبرها إيران مقربة منها في المنطقة. فقاسم سليماني كان رمز المقاومة ضد الوجود الأميركي الإسرائيلي، سواءٌ في العراق أو في سوريا، وكان زادة شخصية مهمة في وزارة الدفاع الإيرانية. وربما يكون السيّد حسن نصر الله، الهدف التالي لـ"إسرائيل"، أو إسماعيل هنية أو يحيى السنوار، لأنهم شخصياتٌ من كبار المقاومين للوجود الأميركي والإسرائيلي في المنطقة. ولا شكّ بأنّ "إسرائيل" سوف تركز على هذه الأسماء وربما غيرها بشكلٍ كبير، لإتمام مهمتها قبل نهاية عهد ترامب بعد أخذ الضوء الأخضر من إدارته.

تتشابك الأحداث وتعلو وتيرتها في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب، بشكلٍ مخيفٍ ومرعب. فقد توعّدت إيران كلاً من أميركا و"إسرائيل" بردٍّ مزلزلٍ، مناسبٍ وشامل إثر اغتيال العالِم الإيراني. ويبدو أنّ إيران سوف تختار الوقت المناسب للردّ، موقنةً أنّ التوقيت الذي ستحدّده، سيضع ترامب في حالةٍ من العجز عن فعل أي شيء، باعتبار أنّ ولايته انتهت ولم يعد قادراً على إصدار أمرٍ بالحرب، لأنّ ذلك يتطلّب موافقة الكونغرس والتنسيق مع الحلفاء.

وبالتالي، لا غروَ أن نرى اليوم تحركاً على كل المستويات في إيران للاستعداد لضرباتٍ موجعة ومحتملة ضد الكيان الصهيوني، حتى يستكين ولا يعبث بالأمن القومي العالمي، كما فعل حينما عبرت قناة السويس غواصةٌ إسرائيلية باتجاه الخليج.

ومن الملاحظ أيضاً خلال هذه الأيام، تواري هذه الشخصيات عن الأنظار، إذ لم تعد تظهر في الإعلام كما في السابق، مهما كانت الأحداث، إلى حين انتهاء فترة ترامب وتسلّم بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية. هذا السلوك يفسّر التهديد الحقيقي والمباشر الذي تلقاه هؤلاء المسؤولون، والسرية التامة التي يتعاملون بها مع الأحداث ليكونوا بمأمنٍ من أيّ عمليّةٍ أميركية وإسرائيلية. لا تتورع الجهتان في تصفية هذه الشخصيات لأنها في نهاية المطاف، كانت تعتزم فعل ذلك بعدما كانت تتوقّع فوز ترامب في ولايةٍ ثانية. وفي ظلّ التطبيع الكامل مع الدول العربية، أصبحت المهمة سهلةً جداً، إذ لم يعد هناك في العالم العربي من يُدين مثل هذه العمليات، لأنها في نظرهم عمليات تطهيرٍ للإرهاب بعد أن صنّفت الولايات المتحدة الأميركية هذه المنظمات بـ"المنظمات الإرهابية".

لكن ومع كل هذه الاحتمالات، يبقى الردّ الإيراني مجهول الهوية، وأحدٌ لا يدري كيف سيكون ومتى. الجميع يجهل حجم الأضرار التي ستلحق بإيران، و"إسرائيل" وأمريكا، ويبدو -حسب رأيي- أنّ الردّ سيكون موجعاً ومؤلماً لـ"إسرائيل" أكثر من أميركا، لأنّها الجهة المنفّذة المباشرة للعملية، وكانت قد خطّطت لهذا منذ سنوات، فهي عمليّةٌ ليست وليدة اللحظة.

وإذا استطاعت إيران أن تؤذي "إسرائيل" مباشرةً، فإنها تكون قد انتصرت على العدو الصهيوني رغم تبجّحه باستيراد أسلحةٍ متطوّرة من أميركا خلال الفترة الماضية لمواجهة أي تحركٍ إيراني. وبذلك، تكون العملية علامةً فارقةً في المنطقة حتى في عهد بايدن الذي سيتوخّى الحذر، ويحاول مراودة إيران حتى تستجيب للرجوع إلى المفاوضات وإحياء الاتفاق من جديد.

لا شكّ أنّ الأيام القادمة ستكون أياماً عصيبة، لأن ترامب مصمّمٌ على ألاّ يخرج من البيت الأبيض إلاّ بعد القيام بمهمّاتٍ خطيرة. وفي الوقت ذاته، تحذّر إيران ترامب من تبعات أي حماقة قد يرتكبها خلال الفترة المتبقّية من ولايته. هي أيامٌ معدودات، لكنها قد تحمل مفاجآتٍ كبيرةً لهذا الطرف أو ذاك، لأنّ كليهما مشحونٌ بالحقد والكراهية تجاه الطرف الآخر نتيجة أفعالٍ قام بها هذا الطرف أو ذاك، لإذلال أحدهما الآخر. بشتّى كل الأحوال، قد نشهد فصولاً من التحوّلات الجيوسياسية في العالم، يمكن على إثرها أن تحدث مقارباتٌ أمنيّةٌ شديدة التحوّل، يمكن أن تغيّر وجه المنطقة برمّتها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فوزي بن حديد

كاتب تونسي

إقرأ للكاتب

المقاومة الفلسطينية تهزم "تل أبيب" وتُغيّر المعادلة

تبقى التكهنات قائمة حول ما يمكن أن تقوم به "إسرائيل" في الأيام القادمة، ولكن مهما فعلت، فإنها لن...

في يوم القدس العالمي.. رسائل مشفّرة من رجال المقاومة لإدارة بايدن والاحتلال الصهيوني

إذا أرادت الإدارة الأميركية أن تكون مختلفة عن إدارة ترامب السابقة، فعليها أن تبرهن ذلك واقعاً،...

ماذا في زيارة أمير قطر إلى السعودية؟

يبدو أنَّ التقارب السعودي القطري الذي حدث بعد قطيعة دامت سنوات يسهم بشكل كبير في تهدئة الأوضاع...

ماذا تريد "إسرائيل" من أميركا في الملفّ النوويّ الإيرانيّ؟

لا تُغضب أميركا "إسرائيل" بتاتاً، ولا ترضيها تماماً. هذه هي سياسة بايدن مع نتنياهو في هذه...

إيران تتحدّى وأميركا تتصدّى والاتحاد الأوروبي يتودّد.. والاتفاق النووي معلّق

إذا أراد الأميركيون والأوروبيون الحديث عن اتفاق، فعليهم الحديث أولاً عن رفع جميع العقوبات عن...

مسقط.. وجهة السّلام في الحرب على اليمن

لا عجب في أن نرى اليوم مسقط تظهر من جديد كمأوى دائم للسلام وحل المشكلات، أياً كان تعقيدها، وأياً...