تركيا والاستعداد السياسي للانتقال إلى العام 2021

تصرفات القيادة السياسية التركية وقراراتها تدلّ على أنّ أنقرة تناقش السيناريوهات المحتملة مع الرئيس الأميركي الجديد وتواصل مشاريعها  في آنٍ معاً.

  • تخشى أنقرة أن يُصار إلى تهميش نفوذها ودورها الإقليمي
    تخشى أنقرة أن يُصار إلى تهميش نفوذها ودورها الإقليمي

تواصل تركيا مشاريع الانفتاح على روسيا والصين وتعزيز علاقاتها بدولٍ إقليميةٍ فاعلة، مثل إيران والهند وباكستان، رغم قرار الولايات المتحدة تفعيل 5 مواد من أصل 12 في قانون "كاتسا"، بهدف إرسال إشارات التصعيد التدريجي، إذا لم تتراجع أنقرة عن قرار التمسّك بصواريخ "إس 400" الروسية، وقد أخذ هذا القرار نصيبه من الردّ التركي بعدم التراجع. 

تأخذ العلاقات التركية الغربية طريقها إلى الخصومة، فبعض الدول الأوروبية والإقليمية تنتظر من بايدن موقفاً حاسماً يميّز بين العلاقة مع تركيا الدولة وسياسة إردوغان، إضافةً إلى معاقبة حكومة العدالة والتنمية. لا شكّ أنّ أنقرة تقرأ ما سيأتي بشكلٍ دقيق. التصعيد مع بايدن سيكون مكلفاً بالنسبة لها، وكذلك قرار التراجع سيمسّ بإنجازاتٍ تعتبرها حقاً من حقوقها، وربما  يكون أكثر تكلفةً على مساراتٍ عديدة منها شرق المتوسط والعلاقات التركية الروسية.

تخشى أنقرة أن يُصار إلى تهميش نفوذها ودورها الإقليمي، فهي لن تقف في وجه أيّ تفاهمٍ مع بايدن شرط ألاّ يكون الثمن خسارة إنجازاتها، وربما ستجيّر نجاحها للناتو إذا ما استعاد صورته القديمة على يد فريق بايدن. لكنّ بعض الدول الأوروبية لا تبدو مهادنة، فهي صرّحت أنّ إردوغان يستعمل الناتو لمآرب خاصة لا سيما في شرق المتوسط حيث توجد حقولٌ غنية بالغاز الطبيعي والنفط.

يتنافس على هذه المنطقة مشروعان اقتصاديان كبيران، يسعى كلٌّ منهما إلى مدّ خط أنابيب شرق المتوسط يصل إلى أوروبا من جهة، ونقل الغاز عبر قبرص واليونان من جهةٍ أخرى، مشروع "إيست ميد" الذي يتقاطع خطّه مع المنطقة المتّفق عليها بين تركيا وليبيا. 

من المعلوم أنّ الخلافات التركية الأميركية تتوزّع على ثلاث ملفاتٍ أساسية: قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سوريا، جماعة فتح الله غولن في بنسلفانيا، وصفقة صواريخ "إس 400" الروسية. لكنّ العقوبات الأخيرة فرضت حظراً على جميع تراخيص وتصاريح التصدير الأميركية، لصالح إدارة الصناعات الدفاعية. وتقضي هذه العقوبات بتجميد الأصول الخاصّة برئيس إدارة الصناعات الدفاعية، ومسؤولين آخرين فيها، وفرض قيود التأشيرة عليهم. يبدو أنّ هذا الموضوع هو ما يُغضب واشنطن بعيداً عن الأضواء، فأنقرة قد حرّكت حوالى 700 مشروع صناعي دفاعي تركي دفعةً واحدة، للتحرّر من القيود الغربية.

شكّلت الصناعة الدفاعية المتنامية في تركيا حجر زاوية في السياسة الخارجية المستقلة التي ينتهجها إردوغان، وهو ما تردّده أنقرة يومياً بشأن التمسّك بسياساتها في مجالات التسلح وتطوير الصناعات الدفاعية المتنامية التي تمنح تركيا هامش مناورةٍ أكبر في سياق سياستها الخارجية، من خلال خفض الاعتماد على واردات الأسلحة وتعزيز الاستقلالية الذاتية.

لكنّ الولايات المتحدة عمدت في تشرين الأول/أكتوبر إلى وقف الترخيص الذي يُجيز التصدير إلى تركيا محرّك عمود الدوران التوربيني CTS-800A، المصنَّع جزئياً في الولايات المتحدة، في خضم التشنجات الدبلوماسية. هناك صفقتان مهمتان بين أميركا وتركيا قد تشملهما العقوبات. الأولى هي عقد متابعةٍ للترقيات الهيكلية لطائرات "F-16"، والثانية عقد تراخيص التصدير لمحركاتٍ أميركية الصنع، تحتاجها تركيا لإتمام صفقة بيع مروحياتٍ هجومية لباكستان بقيمة 1.5 مليار دولار.

لعبت  الصناعة العسكرية التركية دوراً فاعلًا في الصراع الليبي، فدخول القدرات العسكرية التركية إلى مسرح الأحداث في بداية العام منذ يناير /كانون الثاني 2020، وبروز قدراتها في التخطيط الاستراتيجي، أسفرا عن تغيير المسار بشكلٍ حاسم، مما أعطى تحالف حكومة الوفاق الوطني القدرة على امتلاك عنصر المفاجأة للسيطرة على سماء إقليم طرابلس.

المصالح التركية في غرب ليبيا، تتخذ طابعاً وجودياً، ففي ظلّ عزلةٍ متزايدة في شرق البحر الأبيض المتوسط واقتصادٍ متراجع، وفّرت الساحة الليبية للمخططين الاستراتيجيين للأتراك القدرة على إنعاش مواقعهم الجيوستراتيجية، لا سيما أنّ تركيا قد مدّدت مؤخراً بقاء قواتها في ليبيا لمدة 18 شهراً، لتوصيل رسالةٍ مفادها أنها لن تنسحب، ما أغضب بعض الدول الأوروبية. 

تُعتبر العلاقات التركية الروسية من المحطات البارزة بالنسبة لأنقرة، فهي تتّسم بالتعاون والتنافس في آن، لا سيما في سوريا. تجلّى أكبر حدثٍ في عام 2020 باندلاع اشتباكاتٍ عنيفةٍ بين القوات السورية المدعومة من روسيا وتركيا في إدلب. وقّعت تركيا وروسيا على إثرها مذكرة تفاهمٍ في 5 مارس/آذار، مهّدت الطريق لمهمةٍ دوريةٍ تركيةٍ روسية مشتركة على الطريق السريع M4 ذات الأهمية الاستراتيجية.

لا يزال وقف إطلاق النار سارياً في إدلب. لقد أثبت النجاح التركي الروسي قدرته على السيطرة المشتركة على الوضع، حتى في أصعب الأوقات والصراعات، وعلى مدار العام، ليس فقط في سوريا ولكن أيضاً في ليبيا. أمّا في شمال شرقي سوريا، فلا تزال الاتفاقات التي أبرمتها تركيا مع كلٍّ من الولايات المتحدة وروسيا ساريةً أيضاً، على الرغم من وجود زيادةٍ ملحوظةٍ في عمليات الجيش التركي ضد وحدات حماية الشعب الكردي وقوات سوريا الديمقراطية، وهي بمنزلة رسائل موجّهة إلى بايدن مع إعادة تعيين ماكغورك، الملقّب بصديق الكرد والذي وقف ضد تصريح ترامب حول الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، ومن ثمّ قدّم استقالته قبل شهرين من نهاية مدّته استنكاراً ما وقف ضد التدخل التركي في المناطق الكردية. تركيا من جهتها، كانت قد طالبت عام 2017 بتسليمها هذا الرجل بتهمة التآمر على أمنها، لكنها تخشى في الوقت عينه من أيّ تفاوضٍ أميركيٍّ  روسي  في سوريا على حسابها.

تريد تركيا المضيّ في المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية والإنمائية العملاقة مع روسيا والصين. ومن أجل التعويض عن خسارة "إف 35"،  تفاوض موسكو لشراء مقاتلة "سوخوي 57" الروسية، وأبعد من ذلك، وفي ملفّاتٍ إقليميةٍ حسّاسة، ستُغضب واشنطن وأوروبا، وتُقلق دولاً كثيرة في المنطقة. 

تعوّل  بعض الدول على بايدن من أجل إعادة معاقبة تركيا وتطبيق الأجندة التي عبّر عنها قبل فوزه بالانتخابات، فهو أصرّ على دعم "قسد" في سوريا ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة في الداخل التركي، التي دقت ناقوس الخطر بشأن التشريعات المثيرة للجدل، والتي تقول إنها ستمنح الحكومة سلطات واسعة جديدة لمراقبة أنشطتها وحظرها.

من المفترض أن يقوم مشروع قانون منع التمويل ومراقبته من الخارج، أما في الداخل، فهو قيد المناقشة في البرلمان التركي ويزخر بالمواد التي تسمح للحكومة بتعيين أمناء للمنظمات غير الحكومية، وتعليق أنشطتها، ومصادرة أصولها، ومراقبة أنشطتها الخاصة بجمع الأموال، وشلّها تماماً. تصرفات القيادة السياسية التركية وقراراتها تدلّ على أنّ أنقرة تناقش السيناريوهات المحتملة مع الرئيس الأميركي الجديد وتواصل مشاريعها  في آنٍ معاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هدى رزق

باحثة في الشأن التركي والإقليمي

إقرأ للكاتب

إردوغان يهرب من مشاكله الداخليّة بعد عمليّة "غارا" ويتّهم الحشد وإيران

يتخبّط الرئيس التركي في محاولته الدفاع عن العملية العسكرية في "غارا"، والتي أحرجته وفريقه...

هل تنجح مناورات واشنطن السياسيّة مع أنقرة؟

 يبدو أنَّ إدارة بايدن لن تبقى صامتة بشأن مسائل مثل السياسة الداخلية والديمقراطية والقانون وحرية...

هل يمكن أن تطيح الأزمات الداخلية بطموحات إردوغان الرئاسية 2023؟

ناخبو حزب "العدالة والتنمية" ليسوا جميعهم إسلاميين سياسيين. الكتلة الكبيرة تنقسم بين محافظين...

إردوغان بعد انتخاب بايدن: من استراتيجيّة القوّة إلى المهادنة

التقطت تركيا بعض توجهات إدارة بايدن، وحاول إردوغان مكالمة الرئيس الأميركي هاتفياً خلال الشهر...

إردوغان يعيد التموضع استراتيجياً

تصدَّرت تركيا إلى جانب دول أخرى موضوع نقاشات ساخنة داخل فريق السياسة الخارجية لبايدن الَّذي...

تركيا والإتحاد الأوروبي صراع المصالح

يعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أنّ إردوغان يستغلّ وجود تركيا في الناتو ليتوسّع تحت خيمتها، لكن في...