الاختلالات الأمنية في بعض فسيفساء الجمهورية اللبنانية... أمرٌ فيه إنّ

يجب أن نعلم أن عدم التصدي لهذه الحرب، كما أراها، وبقوة، سيجعلها تتوسع، وبشكلٍ دراماتيكي، انطلاقاً من حذو آخرين حذو هذا النمط.

  •  أنشئ لبنان بحلته الجديدة، ومر بمخاضات كثيرة، واختلف أبناؤه على هويته
    أنشئ لبنان بحلته الجديدة، ومر بمخاضات كثيرة، واختلف أبناؤه على هويته

الاختلالات الأمنية في لبنان أمرٌ ليس طبيعياً، ولكنه غير مستهجن، ويمتد في عمق تاريخ هذا الكيان، أقله منذ عصر القائمقاميتين والحرب الطائفية التي فرضت تغيراً جذرياً في نظام الحكم الذي تحول إلى المتصرفية؛ هذه الحرب التي اندلعت بسبب صيد حجلٍ، وهو الرمانة، انطلاقاً من المثل اللبناني "مش رمانة قلوب مليانة".

شهد عصر المتصرفية هدوءاً نسبياً حتى اندلاع الحرب الأولى في العام 1914 وما تبعها من تداعيات على المنطقة، وعلى لبنان تحديداً، حيث توسع كيانه ليُصبح في صورته التي نعرفها اليوم "لبنان الكبير". هذا "اللبنان" أنشئ بغير منطق تأسس الدول، وهو أقرب إلى الهجانة وقطع "البازل" لصورٍ شتى ضاعت أجزاء منها. إنه ناتج ما أراده سايكس وبيكو وقد قسما المنطقة سراً، لكن فضحت مؤامرتهما الثورة البلشفية.

على كل حال، أنشئ لبنان بحلته الجديدة، ومر بمخاضات كثيرة، واختلف أبناؤه على هويته، فمنهم من تحالف مع فرنسا المحتلة، ومنهم من واجهها بالقوة والسلاح ورفض الخروج من ثوبه العربي والوطني. ومنذ تلك الفترة، بدأت ملامح الظاهرة الأمنية بالتبلور، وبدأت معها الحرب على مناطق محددة قاومت المحتل الفرنسي الذي استهدف التكتلات الاجتماعية في هذه المناطق بشكل مباشر، وبعد جلاء قواته عبر أذرع أنشأها ضمن الكيان اللبناني وبمسميات وطنية.

جاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان المدعوم أميركياً بمعزل عن السلطة الحاكمة، واستمرت فصول المسرحية التراجيدية، حيث انتقل أزلام الفرنسي من سجلاته إلى السجلات الأميركية، فوجد هؤلاء الأزلام أنفسهم مع الصهيوني في الإطار نفسه.

تتمظهر هذه الحرب، كما يحلو لي تسميتها وكما أراها، بوجوهٍ مختلفة: عصابات مخدرات، وعصابات سطو مسلح، وإطلاق نار عشوائي وغير عشوائي، وافتعال حرائق، وسرقات... يُضاف إليها حرمان مزمن ومقصود للمناطق المستهدفة.

قد يقول قائل إن هذه التمظهرات نتيجة طبيعية لحالة الفقر التي تعانيها التكتلات الاجتماعية في هذه المناطق، وإن الناس كفروا بالنظام وبالدولة، وحتى الوطن، فراحوا يفتشون عن وطنٍ لهم بين الأنقاض، مستعينين بما يقدرون عليه بمعزل عن شرعيته وقانونيته، رغم أن هذا الوضع بالنسبة إلى هذه التكتلات قديم، فحتى إبان البحبوحة المالية، لم يتنعم هؤلاء كأقرانهم من فئات الشعب. ولولا الأموال غير المنظورة التي تدخل مع كل الحب والاحترام إلى هذه المناطق، لكان أهلها عرضةً للفناء والزوال أو البقاء، وكما يُقال "عايش من قلة الموت".

دعوني أناقش هذه الجدلية، وبكل موضوعية، مبنداً المطلب، وساعياً إلى الإضاءة على المشهد من كل جهاته:

·     السرقات: معظم السارقين من هذه المناطق ليسوا ممن سيموتون جوعاً إن لم يسرقوا، بل تدخل في تكوين شخصياتهم الخارجة عن القانون عدة عوامل، أبرزها الشخصية المنمطة بعدم الصبر، وفقدان العزم تجاه الاستمرار في المهن الشاقة، واستسهال الربح السريع، وإن كان حراماً، للحفاظ على مستوى معيشي يسمح لهم بشي اللحم يومياً والبذخ والترف، ولكن ما علاقة بعض الأجهزة الأمنية بذلك؟ تبرز علاقتها بإفهام هؤلاء، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن لا مشكلة في ما يفعلونه، وبأن عمليات السرقة تُتابع بشكلٍ استنسابي، وأنكم تستطيعون اللعب ضمن إطار جغرافي وديموغرافي معين.

·     إطلاق النار على خلفيات متعددة: يعمد بعض المسؤولين في الأجهزة الأمنية إلى تشغيل مخبرين لديهم، وهذا حقهم. تكمن المشكلة في الغطاء الذي يحصل عليه بعض المخبرين وحمايتهم مما يقترفونه عمداً من مخالفات وإطلاق نار، فمقابل إيصالك المعلومات إلى المشغل، افعل ما تريد، وتحديداً في المناطق المستهدفة، ناهيك بالثقافة المجتمعية التي ترى في إطلاق النار فضيلة، ولم تتحرك الأجهزة الأمنية فعلياً، وبشكلٍ جدي، لاحتواء هذه الظاهرة.

·     المخدرات: ليس خفياً على الجميع ضلوع عدد من مسؤولي وأفراد بعض الأجهزة الأمنية في مساعدة التجار الكبار وتأمين الحماية لهم، مسربين لهم مواعيد الدوريات ومواقيت "الكبسات" على منازلهم لقاء مبالغ محددة، شرط أن لا يخرجوا عن الأطر الجغرافية والديموغرافية المرسومة لهم. ونشير في هذا المضمار إلى تورط بعض أفراد الأجهزة الأمنية في عمليات الترويج. وقد ضبطوا في إحدى المناطق المستهدفة بالاختلالات، وهذه الحادثة ليست بعيدة زمنياً.

·     عصابات السطو: ما برحت هذه العصابات تعمل بشكل شبه ممنهج، وإن تتبعت خيوطها، وصلت إلى جهات أمنية مخترقة أصبح شغلها الشاغل إثارة الفوضى والفتن في المناطق المستهدفة. ولا تُلاحق هذه العصابات إلا في حال تجاوزها حدوداً تمس مناطق أو اعتبارات أخرى معينة.

تُصاحب هذه المشهدية بروباغندا إعلامية مأجورة رخيصة تشن على هذه المناطق الهجوم تلو الهجوم، مستهدفة الجهات السياسية الموجودة فيها على خلفية أجندات مشبوهة تتكامل مع المشروع الكلي الموجه ضد قوة هذا الوطن.

ويبقى السؤال حول الحلول الممكنة لمواجهة هذه الظاهرة، وهي بالتأكيد ليست، كما يذهب إليه البعض، بمطالبة الأجهزة بتحمل مسؤولياتها، فمن البديهي أن تتحمل هذه المسؤوليات، وما نحن بصدده وضع لا تنفع معه المطالبات والخطابات وغيره. وعليه، أقترح بعض الأفكار التي يمكن أن تساعد في المواجهة، وهي:

·     العمل الجاد والقوي والاستثنائي لمواجهة الكولونيال المستوطن في منظومة الدولة، أفقياً وعمودياً، وقطع أياديه، مهما كلف الأمر، فضريبة بقائه أكثر كلفة من أي تدبير، وهذا أمرٌ تكاملي بين الجمهور أو جزء كبير منه والقوى السياسية الحريصة والمخلصة.

·     إعداد فريق من المحامين الأشداء والمتفانين لأخذ الوكالات في الادعاء، ومتابعة القضايا ذات الطابعين العام والخاص، بتكاليف رمزية، للوصول إلى نتائج معينة وإعلانها ومناقشتها أمام الملأ.

·     الإضاءة الإعلامية على الاختلالات، وبشكل موضوعي، وتحميل المسؤوليات علناً للأطراف المعنية، جهات وأجهزة وأفراداً.

·     دعم البلديات لرفع مستوى اتكالها على نفسها في مواجهة الاختلالات، وتجاوز فكرة رضا الناس، كل الناس، ورمي منطق المداراة جانباً، حتى لو لم يتم انتخاب الأشخاص نفسهم، رغم أنني أعتقد أن معظم الناس سيكونون راضين في هذه الحالة.

أخيراً، يجب أن نعلم أن عدم التصدي لهذه الحرب، كما أراها، وبقوة، سيجعلها تتوسع، وبشكلٍ دراماتيكي، انطلاقاً من حذو آخرين حذو هذا النمط، ما دام مستسهلاً ويجلب المال والموارد بسهولة. أما الشرفاء، فإنهم لن يألوا جهداً ليبقوا أعزاء، وسيبحثون عن خبزهم كفاف يومهم بالرزق الحلال والفعل الحلال، وهم يعلمون أن حقوقهم المهدورة ليست عند الناس الطيبين، بل في كروش أصدقاء الاستعمار وأصدقاء أصدقائه الانتهازيين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً