أميركا بعد اقتحام الكونغرس: القصور اللاإرادي والحاجة إلى تجديد النظام

متابعة خطابات دونالد ترامب، وسياساته الداخليّة تؤكّد أن أحداث اقتحام الكونغرس لم تكن إلا ما طفا على السطح من خلافات وانقسامات بنيوية طالت البناء المجتمعي الأميركي.

  • لم يظهر ما يشير إلى نيّة المشرعين الأميركيين القيام بما يمكن أن يؤدي إلى إصلاح النظام أو تجديده
    لم يظهر ما يشير إلى نيّة المشرعين الأميركيين القيام بما يمكن أن يؤدي إلى إصلاح النظام أو تجديده

بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير، وبعد خطاب ترامب التحريضي، توجّه العديد من المواطنين الرافضين لنتائج الانتخابات الأميركية إلى الكونغرس الأميركي، وتمَّ اقتحامه والعبث بمحتوياته، في تحرك كان يهدف إلى الحؤول دون التصديق على النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية، التي وصفها دونالد ترامب، بالانتخابات الأكثر تزويراً في تاريخ الولايات المتّحدة، والتي أدت إلى خسارته وفوز جون بايدن بفترة رئاسية تمتدّ لأربع سنوات.

وفي حين ركَّز الكثير من المحلّلين والمتابعين على أنَّ سلوك ترامب وأفكاره وعقليته المتفلّتة من قيود النظام الذي يحكم واقع العلاقات داخل المؤسسات السياسية الأميركية، كانت دافعاً أساسياً لما حدث، فإنَّ نظرة تحليلية لواقع المجتمع الأميركي المنقسم على نفسه تقدّم لنا تفسيراً أعمق لما حدث، وخصوصاً أنَّ عملية الاقتحام كان قد سبقها العديد من الأعمال العنفيّة وأعمال الشّغب ذات الخلفية العرقيّة، وأشهرها ما حدث بعد مقتل جورج فلويد، من ذي الأصول الأفريقية على يد شرطي أبيض أظهرت التحقيقات ميوله العنصرية.

بالطبع، لم تكن صورة العلاقات المجتمعية التي حاولت الولايات المتحدة أن تقدّمها للعالم باعتبارها النموذج الوحيد الصالح للتعميم والتبني على مستوى العالم مقنعة كثيراً، فالعودة بالتاريخ الأميركي إلى القرن التاسع عشر تقدم لنا تجربة لحرب أهلية عنوانها سياسات الرقّ التي كانت مشرعة في العديد من الولايات، والتي كانت أساساً لانقسام عمودي داخل المجتمع الأميركي، لم تنتهِ فصوله مع التعديل الثالث للدستور الأميركي في العام 1865.

إنَّ حالة الاستقرار المجتمعي التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية الحرب الأهلية والتعديل الثالث، لم يكونا نتيجة للتصالح المجتمعي الأميركي مع ذاته وتقبل الأعراق لبعضهم البعض، وإنما نتيجة اعتراف الجميع بميزان القوى الذي كان مائلاً عملياً، وبقوة، لصالح العرق الأبيض، وقبول الأعراق الأخرى، وخصوصاً ذوي الأصول الأفريقية، بصفة مواطني الدرجة الثانية، وعدم محاولتهم القيام جدياً بأيّ خطوة لتغيير هذا الواقع، وذلك لأسباب لن نتطرَّق إليها في هذا المقال، ولكن سنشير إلى قبولهم بما حقّقوه من حقوق مقارنة بما كان قائماً في وقت سابق.

وفي معرض الإجابة عن التساؤلات التي تطرح حول ما جعل هذا الميزان صامداً، نشير إلى أنَّ الأحداث والأخطار الخارجية التي واجهتها الولايات المتحدة كانت بمثابة الداعم الأساسي لحالة الاستقرار المجتمعي، فالازدهار الاقتصادي الذي شهدته الأسواق الأميركية بسبب الحاجة إلى إعمار أوروبا بعد الحربين العالميتين، ثم فترة الحرب الباردة، والصراع المصيري مع العدو الإيديولوجي المهدد لأسلوب الحياة الحرة الديمقراطية الذي تدّعيه الولايات المتحدة، ثم أحداث 11 أيلول/سبتمبر، ونجاح الدولة العميقة في إظهار الولايات المتحدة كضحيّة تستحقّ احتضان المجتمع بكل أطيافه لها، كانت تصبّ كلّها في مصلحة صمود هذا التوازن.

وقد كان نجاح باراك أوباما، في الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2009 بداية لتحوّل جذري لم ينجح المجتمع الأميركي بختلف أطياف في مجاراته، فالأقلية السوداء لم كانت مكتفية بما حقَّقته، بل كانت الفترة الرئاسية لباراك أوباما بمثابة دافع لاستعادة الحقوق وتحقيق التوازن العادل داخل المجتمع، وأيضاً على مستوى المؤسسات السياسية الأميركية، حيث بدأت الأصوات تتعالى حول ضرورة زيادة نسبة الموظفين ذوي الأصول الأفريقية والأميركية اللاتينية في الإدارات العليا.

أما العنصرية البيضاء، فهي لم تكن قادرة أيضاً على هضم فكرة أن يكون باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، فانعكس هذا الأمر عنفاً عنصرياً، لفظياً وجسدياً، تجاه الأقليات، بما أدى في أحيان كثيرة إلى اندلاع أعمال عنف بين البيض وتلك الأقليات.

في العام 2017، نجح دونالد ترامب، في استغلال غضب العنصريين البيض، وحوَّلهم إلى أداة طيّعة استغلَّها من أجل الوصول إلى البيت الأبيض، وكذلك في عملية ترجمة أفكاره ونظرته إلى ما يفترض أن يكون عليه المجتمع الأميركي من دون أيّ تنميق أو تجميل. 

إنَّ متابعة خطابات دونالد ترامب، وسياساته الداخليّة تؤكّد أن أحداث اقتحام الكونغرس لم تكن إلا ما طفا على السطح من خلافات وانقسامات بنيوية طالت البناء المجتمعي الأميركي، فدونالد ترامب لم يكن سبباً في ما حدث، بل كان نتيجة طبيعيّة لخلل بنيوي أساسه الانهيار القيمي داخل المجتمع الأميركي.

وبما أنَّ ظاهرة العنصرية وعقدة التفوق العرقي لا يمكن أن تعالج بأساليب وطرق عاديَّة، فإنَّ ما يحدث يفترض ضرورة تجديد النظام الأميركيّ لكي يتلاءم مع الوقائع المستجدة. وإذا لم تتوحَّد النيات حول ضرورة التجديد، فإن خيار إظهار الدولة الأميركية على أنَّها ضحية، نتيجة تعرضها لاعتداء يوحّد المجتمع خلف نظامه، قد يطفو على السطح، وهو واقع يشبه كثيراً ما حدث يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001 من اعتداءات قد تكون مدبرة من قبل أجهزة مخابرات أميركية.

حتى الآن، لم يظهر إلى العلن ما يشير إلى نيّة المشرعين الأميركيين القيام بما يمكن أن يؤدي إلى إصلاح النظام أو تجديده، من خلال تقديم إخراج مسرحي على الأقل لأسس جديدة تحكم العلاقات الاجتماعية الأساسية التي تضعضعت وتفكَّكت في الآونة الأخيرة. 

كما أنَّ الإدارة الأميركية الجديدة لم تتّخذ بعد قراراً حازماً في معالجة الخلل، من خلال العمل على إلغاء ظاهرة ترامب، عبر إدانته أمام المحكمة العليا ومحاسبته ونزع كل أدوات القوة التي راكمها خلال فترة حكمه، وصولاً إلى إمكانية عزله سياسياً، وحتى إدانته بالخيانة العظمى.

وإذا أضفنا إلى هذا الأمر أنَّ الأساليب التي يقدّمها علم الأنثروبولوجيا السياسية لمعالجة القصور وتجديد النظام لن تفي بالحاجة، ولن تقدم علاجاً ناجعاً للحالة الأميركية، ذلك أنَّ هذه الأساليب قد تكون فعالة في معالجة الفشل الذي يتهدَّد المجتمعات البسيطة، وهذا ما لا يمكن توصيف المجتمع الأميركي من خلاله.

يبقى أن نشير إلى الخيار الأكثر شيطانيَّة، إذ قد يعمد أحد أجهزة المخابرات الأميركية إلى التخطيط لعمل إرهابي يطال إحدى المدن الأميركية أو إحدى سفاراتها في الخارج، بما قد يؤدي إلى وضع مشابه لما كان سائداً بعد 11 أيلول/سبتمبر من حيث الالتفاف الشعبي والمؤسساتي حول النظام ومؤسّساته، وتناسي الخلافات والانقسامات الداخلية لفترة، وإن كانت قصيرة، فإنها كفيلة بأن تسمح للدولة الأميركية ولإدارتها بأن تلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب وضعها الداخلي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وسام اسماعيل

باحث واستاذ جامعي لبناني

إقرأ للكاتب

التطبيع.. خيارٌ استراتيجيّ لقُطبٍ منكفئ

يمكن القول أنّه بات واضحاً تراجع الولايات المتحدة وتخلّيها عن فكرة الهيمنة الأحادية على المنطقة...

رفع حظر السلاح عن إيران في الميزان الإقليمي والدولي

سيشهد الشرق الأوسط تحولات جذرية على مستوى التوازن الإقليمي القائم، حيث سيتحوّل المحور الممانع من...