إردوغان بعد انتخاب بايدن: من استراتيجيّة القوّة إلى المهادنة

التقطت تركيا بعض توجهات إدارة بايدن، وحاول إردوغان مكالمة الرئيس الأميركي هاتفياً خلال الشهر الماضي، ولكن من دون نجاح، لأن بايدن مصمّم على اتباع الطرق المؤسّسية.

  • تبدو كلّ من الولايات المتحدة وتركيا بحاجة إلى العمل من أجل التوصّل إلى حلّ وسط بشأن قضية
    تبدو كلّ من الولايات المتحدة وتركيا بحاجة إلى العمل من أجل التوصّل إلى حلّ وسط بشأن قضية "S-400"

استبشرت المعارضة التركية بكل أحزابها، القديمة والجديدة، بانتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فالرجل أعرب في تصريحات صحافيّة عن معارضته نهج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وتوجّهاته السياسية، الداخلية منها والخارجيّة، والتي يعتقد أنها أضرّت بالعلاقة بين البلدين، وأمل بدعم المعارضة، بمن فيها منظمات المجتمع المدني التي يرى أن الحكومة قمعتها، وما زالت بسبب المنع والاعتقال في السجون التركية.

لم يتأخّر الرئيس رجب طيب إردوغان، في الرد بأنَّ تركيا على استعداد للقيام بخطوات إصلاحية في الاقتصاد والقانون، وهي في مرحلة عرضها على الجمهور، وتعهَّد بأن تقوم حكومته بتنفيذ إصلاحات "جذرية" في الاقتصاد والقانون، كما تعهّد ببدء إصلاحات لتحسين مناخ الاستثمار في تركيا، سيقودها تحالف الشعب، أي حزبه، مع الحركة القومية.

تتناقض سياسة التعاون مع الحلفاء التي شدَّد عليها الرئيس الأميركي المنتحب بايدن، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية مع سياسة ترامب الذي عالج القضايا على أساس ثنائي، فهي تظهر أنّ الأولوية ليست لدعم المعارضة، إنما العمل من خلال العديد من القضايا التي أفسدت العلاقة مع تركيا، التي يمكن أن تكون من أكثر الشركاء قدرةً على تلبية حاجة إدارة بايدن في توجّهاتها حيال إعادة دعم الناتو والشراكة مع الاتحاد الأوروبي ودعم الحلفاء العرب في الشرق الأوسط و"إسرائيل"، للتفرغ لملفاتها الأساسية، أي العلاقة مع روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.

أتى الردّ التركي سريعاً تساوقاً مع هذه السياسة بالانفتاح على "إسرائيل" وتعيين سفير جديد لها، كذلك تنشيط العلاقة مع السعودية عبر اتصالات مع العاهل السعودي الملك سلمان في قمة العشرين وفي القمة الإسلامية، كما أظهرت أنقرة دعماً لإعادة العلاقات الخليجية عبر قمة "العلا" التي عقدت بين أمير قطر وولي العهد محمد بن سلمان، ومحاولة الانفتاح الاستخباري والتجاري مع مصر.

كما قام وزير الدفاع التركي ورئيس الأركان العامة، بزيارة رسمية إلى بغداد لتوثيق العلاقة بين تركيا والعراق، وتصميم تركيا على حماية أمن حدودها واستعدادها لجميع وسائل التعاون معه، والأهم محاربة حزب العمال الكردستاني.

وكان الكاظمي قام بزيارة رسمية مدّتها يوم إلى أنقرة في 17 كانون الأول/ديسمبر 2020، للتباحث مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المسائل الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك محاربة حزب العمال الكردستاني وداعش وإعادة بناء العراق والتجارة والطاقة. 

واستكمالاً للتغيرات السياسيّة، وتحضيراً لتولي بايدن الرئاسة، عيّنت أنقرة سفراء جدداً وممثلين دائمين لوزارة الخارجية التركية لدى بعض سفاراتها في عدة دول من العالم، وأهمها تعيين حسن مراد مرجان، السفير التركي في طوكيو، سفيراً جديداً لتركيا في واشنطن.

يبدو أن اختيار هذه الشخصية المقربة من غول، والتي تختلف في أسلوب التعامل مع السياسة الخارجية عن إردوغان، كان بمثابة رسالة إلى الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، بأن أنقرة ستبتعد عن النهج التصادمي وستعود إلى سياسة حقبة غول.

التقطت تركيا بعض توجهات إدارة بايدن، وحاول إردوغان مكالمة الرئيس الأميركي هاتفياً خلال الشهر الماضي، ولكن من دون نجاح، لأن بايدن مصمّم على اتباع الطرق المؤسّسية. لذلك، إنَّ أسهل الطرق بالنسبة إلى إردوغان تتمثل بالذهاب إلى ما كان قد صرّح به بايدن عندما كان نائباً لأوباما بشأن شرق المتوسط، بأن باستطاعة الولايات المتحدة وحلفائها اغتنام الفرص الاقتصادية والطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط​، بحيث "سيستفيد الجميع من المزيد من الاستقرار والنمو الاقتصادي والوظائف والازدهار".

كانت الطريقة التي تطوَّرت بها الأمور عكسيّة، إذ دعمت إدارة ترامب منتدى "غاز إيست ميد"، وهي منصة ضمَّت أعضاء يشكّلون خصوم تركيا الإقليميين، أي مصر واليونان و"إسرائيل" وقبرص. وقد استثنى المنتدى تركيا، الأمر الذي تعتبره أنقرة حقاً سيادياً لها في المنطقة البحرية، ما أدى إلى نزاع كاد يتطوّر عسكرياً لولا تدخّل الوساطة الألمانية.

يستبق إردوغان اليوم قمّة الكتلة الأوروبية التي كانت قد قرَّرت تأجيل المناقشات بشأن العقوبات المحتملة ضد تركيا بسبب "أنشطة التنقيب غير المصرح بها في شرق البحر المتوسط" إلى آذار/مارس 2021، بالموافقة على اللقاءات بين تركيا واليونان على مستوى الهيئات العسكرية في "الناتو"، وعلى مستوى وزراء الخارجية، ومن المتوقع عقد اجتماع بين إردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوكيس في 25 كانون الثاني/يناير الجاري، برعاية وتشجيع من وزارة الخارجية الألمانية.

ساعد التدخّل الدبلوماسي من خلال بعض دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على نزع فتيل التوترات، ولكن تم إحراز تقدم ضئيل على المستوى السياسي لحل النزاع بين البلدين. الملفات ليست سهلة، نظراً إلى اختلاف الأجندات بين البلدين. تريد تركيا البحث في مسائل تخص الجرف القاري وحدود المجال الجوي والجزر المتنازع عليها وعسكرة الجزر القريبة من الشواطئ التركية، ما عدا حق التنقيب وحقوق قبرص الشمالية. أما اليونان، فما يهمها هو تحديد الحدود البحرية.

من المتوقع أن يناقش بايدن وزعماء الاتحاد الأوروبي في قمة الناتو التي ستعقد في 17 شباط/فبراير في بروكسل قرارات مشتركة بشأن تركيا، وسيكون لقاء بايدن مع إردوغان في بروكسل في نهاية المطاف علامة مهمة على كيفية تقدم العلاقات التركية الأميركية في الأشهر المقبلة.

تبدو كلّ من الولايات المتحدة وتركيا بحاجة إلى العمل من أجل التوصّل إلى حلّ وسط بشأن قضية "S-400"، فلم يتمكَّن الجانبان من التوصل إلى اتفاق لشراء نظام الدفاع الصاروخي "باتريوت" عندما فتحت تركيا لأول مرة مناقصة للحصول على نظام دفاع صاروخي خلال إدارة أوباما.

وقد صرحت أنقرة على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار أن تراجع بلاده عن شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية "S-400" بغاية الصعوبة، لكنه أعرب عن أمله في حل الخلاف مع واشنطن بشأن هذه المسألة بالحوار. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت الشهر الماضي عقوبات استهدفت هيئة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها إسماعيل دمير وثلاثة موظفين آخرين بعد شراء الهيئة منظومة "S-400".

ثمة اقتراحات من بعض المسؤولين في إدارة بايدن بإعادة فتح المفاوضات بشأن صواريخ "باتريوت"، مصحوبة بتخفيف المواقف من الجانبين، الأمر الذي يمكنه أن يؤدي إلى اختراق حقيقي في العلاقات الأمنية والدفاعية وإزالة عقبة خطيرة.

تبقى المشكلة الكردية في شرق الفرات هي الفيصل في العلاقة مع بايدن الذي أعاد تعيين بريت ماكغورك، وهو المبعوث الذي استقال من منصبه إبان فترة ترامب، الذي قرّر الانسحاب من شرق الفرات وتفاوض مع إردوغان في هذا الشأن. تنظر تركيا إلى ماكغورك على أنه صديق "قسد" التي تراها جزءاً من حزب العمال الكردستاني الذي يصنف أوروبياً وأميركياً إرهابياً، والذي استصدرت قراراً قضائياً ضده.

من المحتمل أن تستمرّ الولايات المتحدة في الحفاظ على وجود محدود في سوريا، والحفاظ على دعمها لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، التي وصفها جميس جيفري الذي تولى ملف سوريا بأنها علاقة "تكتيكية ومؤقتة"، بسبب الحاجة إلى قتال داعش وتوفير ثقل موازن ضد إيران ومنع الانتصار الكامل للأسد. لذلك، ستجد صعوبة في التفاهم مع إردوغان على هذا الموضوع الذي سيتطرق إليه فريق بايدن في محادثاته مع إيران، التي لن يقتصر التفاوض معها على الملف النووي، بل سيطال ملفات سوريا والعراق ولبنان، كما تأمل واشنطن. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هدى رزق

باحثة في الشأن التركي والإقليمي

إقرأ للكاتب

إردوغان يهرب من مشاكله الداخليّة بعد عمليّة "غارا" ويتّهم الحشد وإيران

يتخبّط الرئيس التركي في محاولته الدفاع عن العملية العسكرية في "غارا"، والتي أحرجته وفريقه...

هل تنجح مناورات واشنطن السياسيّة مع أنقرة؟

 يبدو أنَّ إدارة بايدن لن تبقى صامتة بشأن مسائل مثل السياسة الداخلية والديمقراطية والقانون وحرية...

هل يمكن أن تطيح الأزمات الداخلية بطموحات إردوغان الرئاسية 2023؟

ناخبو حزب "العدالة والتنمية" ليسوا جميعهم إسلاميين سياسيين. الكتلة الكبيرة تنقسم بين محافظين...

تركيا والاستعداد السياسي للانتقال إلى العام 2021

تصرفات القيادة السياسية التركية وقراراتها تدلّ على أنّ أنقرة تناقش السيناريوهات المحتملة مع...

إردوغان يعيد التموضع استراتيجياً

تصدَّرت تركيا إلى جانب دول أخرى موضوع نقاشات ساخنة داخل فريق السياسة الخارجية لبايدن الَّذي...

تركيا والإتحاد الأوروبي صراع المصالح

يعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أنّ إردوغان يستغلّ وجود تركيا في الناتو ليتوسّع تحت خيمتها، لكن في...