السنّة والشّيعة.. التعايش بدلاً من التّقريب أو الصّراع

تأسَّست دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة في العام 1947، بفضل جهود علماء دين سُنة وشيعة.

  • التعايش كنهج وسطي بين التقريب البعيد والصراع الدائم هو ضرورة حياتية
    التعايش كنهج وسطي بين التقريب البعيد والصراع الدائم هو ضرورة حياتية

عندما زار زعيم منظّمة "فدائيو الإسلام" المعارضة لنظام الحكم الملكي الإيراني نواب صفوي سوريا، التقى المراقب العام للإخوان المسلمين فيها مصطفى السباعي، الذي اشتكى إليه انضمام شباب الشيعة إلى الحركات العلمانية والقومية، فصعد صفوي إلى أحد المنابر، وقال أمام حشد من الشيعة والسنة: "من أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً، فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين".

وعندما زار نواب صفوي مصر، ذكر مؤسّس الجماعة الإسلامية في لبنان فتحي يكن في "الموسوعة الحركية" الحماس الشديد الذي قابله به الإخوان المسلمون، وتعاطف المسلمين معه عندما أُعدم على يد الشاه. وعندما تأسّست "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" في القاهرة في العام 1947م، انضم إليها مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الإمام الشهيد حسن البنا، إيماناً منه بسموّ أهدافها وإخلاص رجالها من العلماء والأدباء والمفكرين العظام. 

ما سبق ذكره جاء في دراسة "السُنَّة والشيعة.. ضجة مُفتعلة ومؤسفة" في العام 1982م، المنشورة في مجلة "الطليعة الإسلامية" للدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الذي دفع ثمن إيمانه بفكرتي التقريب والثورة جزءاً من عمره في سجن القلعة في مصر.

تأسَّست دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة في العام 1947، بفضل جهود علماء دين سُنة وشيعة، وانضم إليها أربعة علماء تعاقبوا على مشيخة الأزهر بالتوالي هم: محمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق، وعبد المجيد سليم، ومحمود شلتوت، كما انضم إليها الإمام حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، والحاج أمين الحسيني مُفتي فلسطين، وانضم إليها من علماء الشيعة: محمد تقي القُمي، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ومحمد جواد مغنية، وحسين البروجردي.

وقد أصدرت مجلة "رسالة الإسلام" لتكون ناطقة باسمها، واتخذت الآية القرآنية {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} شعاراً لها، لتكون مُعبّرة عن أهدافها في جمع كلمة المسلمين باختلاف طوائفهم ومذاهبهم ونشر رسالة الإسلام الواحدة إلى البشرية. وكتب فيها الكثير من رموز الفكر والأدب والدين، منهم محمد أبو زهرة، ومحمد المدني، وأحمد أمين، وعباس العقاد، ومحمد فريد وجدي وغيرهم. 

وصدر من المجلّة 60 عدداً قبل أن تتوقَّف عن الصدور، ليتبعها توقف دار التقريب نفسها في العام 1979م بقرار سياسي من نظام حكم أنور السادات، إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتدهور العلاقات بين البلدين حد القطيعة، وأسدل الستار على أهم إطار إسلامي يدعو إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية.

بعد إسدال الستار على دار التقريب، سارت الأحداث نحو الصراع، مدفوعة بعوامل سياسية وخلفيات نفسية وخلافات فقهية وتباينات عقائدية، وساهمت حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران في تعميق حالة الصراع المذهبي، وشاركت الأنظمة الخليجية المرعوبة من جريان مياه الثورة الإيرانية تحت عروشها في تأجيج نار الصراع المذهبي، وكان لسقوط حكم صدام حسين مطلع القرن الجديد، ثم اندلاع ثورات "الربيع العربي"، والصراع الإقليمي بين السعودية وإيران، دورٌ في إيجاد بيئة مشجّعة لانطلاق مارد الفتنة المذهبية من قمقمه، فضُخَ في أتون نار الفتنة إقليمياً ودولياً ألوفٌ مؤلفة من الرجال، ومليارات متتابعة من المال، وأطنان متراكمة من السلاح، فأنتج التحريض المذهبي مزيداً من ثماره المُرّة المروية بالكراهية والدم، واكتشف المتطرفون دينياً من الجانبين أنَّ الشيعة "روافض كفار"، وأن السُنّة "نواصب أشرار"، واستعاد المتطرفون قومياً من الفرس والعرب "الشعوبية الفارسية" و"العصبية العربية"، فكانت محصّلة كلّ ذلك الشر الكامن في الصّراع هي تراجع محاولات التقريب والوحدة وتقدّم محاولات الصراع والفرقة بين السُنَّة والشيعة.

هذا النّمط من الصّراع لا ينتهي إلا بإفناء آخر شيعي أو آخر سُني، أو بتحوّل كلّ الشيعة إلى سُنَّة أو كل السُنَّة إلى شيعة، أو بناء سدّ كسدّ يأجوج ومأجوج بين الطرفين. وكل الاحتمالات الثلاثة بالطبع مُستحيلة، كما أنَّ مفهوم التقريب بمعنى تقريب الآراء بين الطرفين والتوفيق بينها وجعلها متقاربة، بتنازل كل طرف عن بعض معتقداته ليقترب إلى الطرف الآخر، هو أيضاً مستحيل، لأسباب علميّة واعتقاديّة ونفسيّة وسياسيّة عميقة متجذّرة في النّفس والعقل، وراسخة في التاريخ والعقيدة، وثابتة في السّياسة والمصالح. 

وإذا كان انتهاء الصّراع أو إنجاز التّقريب لا أُفق لهما، فلا مجال للخلاص إلا بإيجاد نهج وسط بين التقريب والصراع في هذه المرحلة الاستثنائية، يمنع الذّوبان الكلي في الآخر، وينهي الصّراع الأبدي مع الآخر. هو نهج "التعايش"، وهو كما عرّفه المفكّر محمد عمارة: "الانطلاق من تمايز المذاهب والحفاظ عليه، مع العدول عن نفي أحد المذاهب للمذاهب الأخرى، فهو إذاً تعايش بين المذاهب"، وكما عرّفه الشيخ يوسف القرضاوي: "ليس المُراد أن يُصبح السني شيعياً أو أن يُصبح الشيعي سُنياً... إنما نريد أن نتّفق على أشياء معيّنة تقرّب بعضنا من بعض وتُصلح ذات البين"، وكما لخّصهُ الشيخ محمد الغزالي في "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" في إشارته إلى السنّة والشيعة: "دعم الأصول المشتركة لمواجهة المستقبل"، وكما حدّد هدفه المرجع الشيعيّ محمد حسين فضل الله: "الوصول إلى قاعدة الوحدة".

التعايش كنهج وسطي بين التقريب البعيد والصراع الدائم هو ضرورة حياتية، وفريضة شرعية، وطريقة واقعية، وتجربة فعلية تضمن أن يعيش المسلمون على اختلافاتهم المذهبية السياسية والاعتقادية والفقهية كأفراد وجماعات ومجتمعات وشعوب ودول مع بعضهم البعض وجنباً إلى جنب بأمن وطمأنينة وسلام، في جوّ من التفاهم والتوافق والتعاون، بعيداً من التصادم والتصارع والتقاتل، وبناءً على الأصول الإسلامية المشتركة ومفهوم الأمة الإسلامية الواحدة، وعلى أساس مفهوم التعارف القرآني، وعلى قاعدة الاتفاق على كلمة سواء كقاسم موحّد، من دون التنازل عن القناعات والذوبان في المعتقدات والمسّ بالرموز الدينية وانتهاك الأصول الإسلامية، والجمع بين الاعتزاز بالذات "المذهبية" واحترام الآخر في الدائرة الإسلامية، والحذر من تضخيم الرابطة المذهبية المفرّقة على حساب الرابطة الإسلامية الموحدة.

إنَّ التعايش كنهج ومضمون إنسانيّ وإسلاميّ يوجِّه رسالةً إلى كلّ متطرفي المذاهب في الدائرة الإسلامية، ولا سيما التكفيريين منهم، بأنَّ احتكارهم الإسلام، واستئثارهم بالإيمان، وتكفيرهم للأنام، لن يكون هو الفيصل في دخولهم الجنة ودخول غيرهم النار. فليُريحوا أنفسهم من عناء الحكم على الآخرين بالإيمان أو الكفر، فالحكم لله تعالى في ذلك يوم القيامة، وليهتمّوا بإصلاح أنفسهم وتهذيب سلوكهم وتصويب أخطائهم، وليتّعظوا بمن سبقهم من الأمم، ولا يكونوا كالذين لا يعلمون عندما قالوا مثل قول اليهود والنصارى في القرآن الكريم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، فلا تخافوا من فقدان أماكنكم في الجنة إذا زاد عدد ساكنيها، ففيها بقدرة الله ورحمته متسعٌ لكل المسلمين والمؤمنين على مدار الزمن؛ هؤلاء الذين ندعو الله أن يتغمّدهم برحمته التي وسعت كل شيء، وصدق الله العظيم الرحيم القائل في محكم التنزيل: {يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد القططي

كاتب ومحاضر في جامعة الإسراء - فلسطين

إقرأ للكاتب

ميشيل عفلق.. الإسلام برؤية قوميّة

وللإسلام عند عفلق دور مركزي في مواجهة التحدي الغربي الحديث للأمة العربية، وهو سبب عداء أوروبا...

فلسطين.. بين إمامين

لم يكن ذلك التاريخ ما يربط بين الإمامين فقط، فقد كانت فلسطين مُلتقاهما فكرياً وعملياً، باعتبارها...

الانتخابات الفلسطينيّة.. رؤية ثالثة

الأساس في الانتخابات العامة الفلسطينية أنْ تُعيد بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وفق...

التّطبيع المغربيّ.. الحرام بنكهة إسلاميّة

هذا المشهد التطبيعي ينسجم مع توجّهات النظام الملكي المغربي في إقامة علاقات طبيعية مع الكيان...

عندما يموتُ الجَمَال

ليلى كغيرها من مرضى السرطان، لم تعرف للدنيا معنىً بعيداً عن الصحة، ولم ترجُ من الحياة أملاً سوى...

التطبيع المستحيل بين ظاهرتي "شعبولا" و"نمبر- وَن"

شعبان عبد الرحيم في أغنية "أنا بكره إسرائيل" كان أكثر ذكاءً من محمد رمضان الشهير بـ"نمبر وَن"،...