نوبل للسّلام ومنافسة الهُويات المتناقضة

تبدو بعض أسماء المرشحين والمرشحات مستفزة، إلى درجة أن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان اعتبروا أن ثمة محاولة لإفساد الجائزة وتسميم مناخاتها، كما جرى في سنوات كثيرة.

  • من رشّح ترامب للجائزة يعتمد على أن الرجل أنجز ما يزعمون أنها
    من رشّح ترامب للجائزة يعتمد على أن الرجل أنجز ما يزعمون أنها "اتفاقيات سلام"

أن يُمنح شخص ما جائزة نوبل للسلام، فذلك تكريم له، باعتباره مكافحاً لتثبيت السلام والعدل والإنسانية على مستوى العالم. على الميدالية الممنوحة يمكن قراءة عبارة: "من أجل السّلام والأخوة للبشريّة". وفي كلّ عام، يعود الجدل والنقاش حول ما يعتري منح الجائزة من تسييس وانحياز وتدخّلات تعكس خلافات عميقة بين التيارات والشخصيات المتحكّمة بالنّتائج النهائيّة.

في الدورة القادمة للجائزة، تظهر تباشير معركة قاسية بأبعاد سياسية وثقافية ستدور رحاها في الأشهر الفاصلة عن موعد إعلان الفائز. التّرشيحات المتتالية من أنحاء العالم تكشف تناقضاً واضحاً بين أسماء المرشحين وهوياتهم السياسية والثقافية.

تبدو بعض أسماء المرشحين والمرشحات مستفزة، إلى درجة أن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان اعتبروا أن ثمة محاولة لإفساد الجائزة وتسميم مناخاتها، كما جرى في سنوات كثيرة.

الاسم الأكثر استفزازاً هو الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي تتعارض سيرته ومواقفه وأفعاله مع مبدأ السلام والاستقرار، فالرجل زرع النزاعات في أقاصي العالم، وهدَّد حياة شعوب بالعقوبات والحصار والتدخلات العسكرية، وأمر باغتيالات متفرقة.

من رشّح ترامب للجائزة يعتمد على أن الرجل أنجز ما يزعمون أنها "اتفاقيات سلام" بين "إسرائيل" ودول خليجية. التبرير نفسه كان قد أُطلق عند ترشيح هنري كيسنجر، لجائزة نوبل عقب مفاوضات وقف الحرب بين أميركا وفيتنام، بينما كانت يدا الرجل غارقتين بدماء الفيتناميين وغيرهم في الهند الصينية.

ترشيح آخر مستفز يتعلق باسم الناشطة السياسية الفرنسية زينب رازوي، المعروفة بمواقفها المتشددة إزاء المسلمين في فرنسا، والمناهضة للتظاهرات والتحركات المطالبة بالعدالة فيها. رازوي طالبت ذات يوم على شاشة تلفزيون فرنسي بإطلاق الرصاص الحي على شبان الضواحي المحتجين على تدهور أوضاعهم الاجتماعية وعنف الشرطة.

مقابل هذه الترشيحات وغيرها مما يتناقض مع معايير الجائزة أصلاً، وبينها اسم المعارض الروسي أليكسي نافالني وحلف شمال الأطلسي، تبرز ترشيحات أخرى لمنظمات وشخصيات تكافح من أجل العدالة والسلام والحقيقة، مثل منظمة "حياة السود مهمة" لتحقيق المساواة وتأمين الحقوق للأميركيين الأفارقة في مواجهة طغيان العنف والظلم الذي تمارسه المؤسسة الأميركية وأجهزتها الأمنية. ومن فرنسا، رشّح زعيم حركة فرنسا المتمردة جان لوك ميلونشون الصحافي جوليان أسانج، المعتقل في بريطانيا والملاحق أميركياً، لقيامه بتعميم المعلومات التي تفضح تآمر واشنطن ودول غربية على مصالح الشعوب.

الترشيحات السابقة الذكر وغيرها تعد من المفارقات التي تظهر على السطح مع مرور السنوات، يضاف إليها تركّز جائزة نوبل وحصرها في غالبية الدورات بالعنصر الغربي. الإحصائيات تشير إلى أن الدول الغربية حصدت عدداً كبيراً واستثنائياً من جوائز نوبل عموماً على مر التاريخ. بين العامين 1901 و2018، مُنحت الجوائز 590 مرة لـ935 شخصاً ومنظمة، مع حصول البعض على الجائزة أكثر من مرة.

وكانت أكثر 5 دول حصولاً على الجوائز هي الولايات المتحدة بنيلها 380 جائزة، تليها بريطانيا بـ132 جائزة، وألمانيا بـ108 جائزة، وفرنسا بـ69 جائزة، والسويد بـ32 جائزة. أما نصيب العرب في جميع حقول الجائزة، فهو لا يُذكر نسبياً، إذ حصلوا على 8 منها، من بينها 5 جوائز للسلام كانت من نصيب محمد أنور السادات وياسر عرفات ومحمد البرادعي وتوكل كرمان، في حين مُنحت آخرها في العام 2015 للجنة الحوار الوطني التونسيّ، لدورها في انتقال تونس إلى الديموقراطيّة، وذلك يعادل ما نسبته 0.95% من الحاصلين على جوائز نوبل، رغم أنّ العرب يشكلون 4% من سكّان العالم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

اعتراف ماكرون بتعذيب علي بومنجل وقتله يكشف تاريخ الكذب الفرنسيّ

الرئاسة الفرنسية، وإن كانت خطت في اتجاه إيجابي، إلا أنَّ الباحثين الجزائريين في موضوع حقبة...

الاعتداءات الجنسية على القاصرين تُسائل القيم الفرنسية وتهزّ المجتمع

النسب التي تتحدث عن الاعتداءات الجنسية زلزلت علماء النفس والاجتماع، نظراً إلى حجمها ونوعيتها...

رفض الاعتذار عن حرب الجزائر.. سمّ في حنجرة فرنسا

بين اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار، فشلت إدارة ماكرون في تمييز نفسها واتخاذ موقف مسؤول...

ترامب "المختلّ" والإمبراطورية المترنّحة

"مجنون، مخادع، أحمق، مهرّج، عنصري، مغرور، غير كفوء، أميّ، أناني، وجاهل". كلّ هذه الأوصاف التصقت...

ضرورات واشنطن فرضت المصالحة الخليجية... والهدف إيران

سارع مراقبون خليجيون في الحديث عن أنّ المصالحة الخليجية الجديدة، ستبقى أسيرة الأمزجة والتقلبات...

الهجمات الإلكترونية على "الأخبار" و"الآداب" لحجب الحقائق وتسهيل التطبيع

إنّ الحرب على مؤسسة الأخبار، ومن ثمّ موقع دار الآداب اللبناني، وهو منصّةٌ تدعو إلى مقاطعة...