الدّبلوماسيّة الأميركيّة بين مبدأي "الصّفع" و"الحرباء"

تحتلُّ الدّبلوماسيّة الأميركيّة أهميّةً فائقة على مستوى أميركا عالميّاً، وهو ما عكسته كتب عدّة، على غرار كتاب روبرت زوليك، الرّئيس السّابق للبنك الدولي ونائب وزير الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج بوش الأب.

  • تحتلُّ الدّبلوماسيّة الأميركيّة أهميّةً فائقة على مستوى أميركا عالميّاً
    تحتلُّ الدّبلوماسيّة الأميركيّة أهميّةً فائقة على مستوى أميركا عالميّاً

حاولت الولايات المتحدة الأميركيّة إظهار نفسها "سيّدة" الدّبلوماسيّة على مدى السّنوات المنصرمة. هذا اللّقب الذي كسره الرئيس السّابق دونالد ترامب، يسعى الرّئيس الحالي جو بايدن جاهداً لترميمه. "الدبلوماسيّة" الّتي تعدّ مفتاح نجاح الدّولة المهيمنة كانت عرضة للانتقادات اللّاذعة في عهد ترامب، وبشكلٍ فاق عهد جورج دبليو بوش، لتبرز مواقف أميركا جليّةً من دون مساحيق تجميل.

ولأنّ تلميع صورة أميركا لهُ أهداف شتّى، ومنها كسب رضا الشّعب الأميركي والعالمي على حد سواء، فإنّ عدم تحقق هذا الهدف وغيره في عهد ترامب آل إلى سخط الشعب، الذي تُرجم انتخابيّاً بعزله عن الرّئاسة للسنوات الأربع التَّالية. 

وتحتلُّ الدّبلوماسيّة الأميركيّة أهميّةً فائقة على مستوى أميركا عالميّاً، وهو ما عكسته كتب عدّة، على غرار كتاب روبرت زوليك، الرّئيس السّابق للبنك الدولي ونائب وزير الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج بوش الأب، والذي جاء بعنوان "أميركا في العالم: تاريخ الدبلوماسيّة والسياسة الخارجيّة الأميركيّة".

 يركّز زوليك، في كتابه على إنجازات الدبلوماسيّة والسّياسة الخارجيّة الأميركيّة، مؤكّداً دور الولايات المتحدة الأميركيّة في قيادة الدّول الأخرى، ومشيراً إلى 5 اتّجاهات أساسيّة لسياسة أميركا الخارجيّة، والّتي تتمثّل بمركزيّة قارّة أميركا الشّماليّة، وميزة التّحالفات وطرق تنظيم العلاقات بين الدّول، والرّابط بين الأمن والاقتصاد من خلال الدّور الذي تؤديه التّجارة والتكنولوجيا في إنماء العلاقات بين تلك الدّول، وأهميّة الدعم الشعبي لمواقف السياسة الخارجية، والإيمان بأنّ السياسة الأميركيّة يجب أن تعزّز القيم الأميركيّة وتخدمها.

هذه السّياسة التي حاول زوليك، إظهارها من دون ندوب تُذكر، تجعلنا نعي ما يشوبها خلال مقاربتنا لسياسة الإدارة الأميركيّة والدّبلوماسيّة التي اعتمدها رؤساء أميركا في العصر الحديث، متوقفين عند عدة نقاط آلت إلى تضعضع النظرة النّموذجيّة التي زعمها البعض على مدى السنوات العشرين الماضية.

نموذجيّة أميركا الهشّة

استعرض زوليك، في مقدمة كتابه كيفية تشكّل الدّبلوماسيّة والسياسة الخارجيّة الأميركية ومراحل التطور التي مرت بها، لكنّ تركيزه في تناول التاريخ السياسي الدّبلوماسي المعاصر لأميركا انتهى في العام 1990، أي أنه توقف عند جورج بوش الأب، علماً أنّ الكتاب تمّ إصداره خلال عهد ترامب، إذ شهد الكاتب مواقف الرّئيس الّتي تخطّت التحالفات والمفاوضات، بما في ذلك قيامه بما يعاكس بوش الأب الذي وُصف بقائد التّحالفات، والذي تعهّد بقيادة الجهود لإحلال السّلام في الشّرق الأوسط والعالم. 

وقد سلّط زوليك، الضّوء على القيم الأميركية الّتي دُمجت مع الممارسات الدّبلوماسية لتحقيق مكاسب سياسيّة خارجيّة، فكان ترسيخ النّموذج الأميركي هدفاً "بغية نشر القيم الأميركية، من مبدأ أنها تجربة استثنائية على صعيد الداخل أو في مجال العلاقات الدولية"، فصُوّرت أميركا في كتابه على أنّها المرجع الاقتصادي التّجاري والتّكنولوجي وسيّدة الحريّات.

الدّبلوماسيّة التي استند إليها جورج بوش الأب، ويليه بيل كلينتون إلى حدّ كبير، شوّهها نهج إدارة جورج بوش الابن، القائم على عنصر القوّة كأساس لحلّ القضايا الدّوليّة، فكان في عهده احتلال العراق وأفغانستان، وأعطى الضّوء الأخضر للحرب على لبنان في العام 2006.

بوش الابن الذي كان يحاول تبرئة نفسه من منطلق الحرب على الإرهاب وتصفية "القاعدة"، أفقد الولايات المتحدة مكانتها، فتدهورت صورتها في العالم "كدولة تسعى لحماية قيم ومبادئ عالمية"، ما أثّر بشكل ملحوظ في نفوذها الدّولي في تلك الفترة وزعزع أساليب الدبلوماسيّة التي اعتمدتها.

تفاوت السياسة الأميركيّة بين مبدأي "الصّفع" و"الحرباء"

وفي هذا السّياق، فإنّ الدّراسة التي أصدرها مركز الدّراسات الإقليميّة والدّوليّة في جامعة "جورجتاون" في واشنطن، تحت عنوان "الدّبلوماسيّة الأميركيّة العامّة ما بعد فترة رئاسة بوش"، نادت بتأسيس مرحلة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركيّة، مؤكدةً ضرورة قيام الرّئيس باراك أوباما باستعادة مكانة أميركا عبر سياسة جديدة تقوم على ثنائية الإقناع والاحترام المتبادل، ما يسهم في تحسين صورة الولايات المتحدة عالميّاً. 

تزامن ذلك مع قيام "هيئة مستقلّة" لتنفيذ مهام الدّبلوماسيّة العامة في أميركا، فكان أوّل خطاب للرّجل ذي الأصول الأفريقيّة خطاباً منفتحاً حاول فيه فتح صفحة أميركيّة جديدة مع العالم، ومع الإسلام على وجه التحديد. الانفتاح والتّعاون والمفاوضات مع إيران والدّول الأخرى التي تميّزت بها إدارته تبطّنت بحروب بالوكالة، عبر أداة أميركا "داعش" في كلّ من سوريا والعراق ولبنان على وجه الخصوص.

سياسة "الحرباء" التي حملها أوباما ضربها الرئيس الذي تلاه بعرض الحائط، فإدارة الرّئيس السّابق دونالد ترامب تميّزت بالعنصريّة تجاه الصين والعرب والمسلمين، والتي تُرجمت عبر خطاباته غير الموزونة. وقد سعت إدارة الرّجل الأشقر إلى تبيان أنّ عهد الدّبلوماسيّة والمفاوضات أفل مع خروج أوباما من البيت الأبيض، إذ إنّ أساليب المفاوضات لم تلقَ نفعاً مع الدّول، ولا سيّما إيران، على حدّ تعبيره. 

وبناء عليه، أقدمت الولايات المتحدة الأميركيّة على الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في أيار/مايو 2018، وسلكت الإدارة مسلك الضغوطات القصوى ضد طهران، فاعتمد ترامب أسلوب "الصّفع"، واضعاً الكسب الاقتصادي التجاري والمالي أمام عينيه من دون دراسة الوسيلة المناسبة لبلوغ الهدف.

في الإطار ذاته، فاقم الرّئيس السابق التوتر مع محور المقاومة بالضربة العسكريّة التي تمثّلت باغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني في بغداد، وتبنّي الجريمة من دون مبالاة بحجم ردّ الفعل الذي قد ينتج من ذلك، كما أعلن القدس عاصمة "إسرائيل المزعومة"، ناسفاً مبدأ السلام الفلسطيني - الإسرائيلي الذي سعى إليه أسلافه، وإن علانية فقط.

وبذلك وضع أهداف الولايات المتحدة الأميركيّة بشفافية على الطاولة، فسجّل فشلاً دبلوماسيّاً لم يسبق له مثيل، ما هزّ صورة الولايات المتحدة، وجعل كلّ ما أُنفق بهدف التّرويج للدولة الكبرى في الإعلام والإعلان والمؤسسات المجتمعية من دون قيمة تذكر، حتّى سارع الرئيس الحالي جو بايدن، إلى إلغاء بعض قرارات ترامب، محاولاً لملمة ما اقترفه نظيره السابق، عائداً إلى مبدأ سياسة "الحرباء"، ملوّناً مواقفه حسبما تقتضي مصلحة بلاده، لعلّه يؤخر بذلك نهاية أميركا التي باتت وشيكة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نور الهدى صالح

صحافية من لبنان

إقرأ للكاتب

دور الإعلام في تسويغ الاحتلال

هذه الأساطير والأكاذيب ساهمت في كَسْب وجدان بعض الشعوب، وشدّت اليهود في العالم للهجرة نحو فلسطين.