الاعتداءات الجنسية على القاصرين تُسائل القيم الفرنسية وتهزّ المجتمع

النسب التي تتحدث عن الاعتداءات الجنسية زلزلت علماء النفس والاجتماع، نظراً إلى حجمها ونوعيتها وهوية المتهمين بها.

  • عاصفة القضايا المحالة إلى المحاكم أو تلك المثارة في وسائل الإعلام تضع فرنسا أمام أزمة أخلاقية وقيمية حقيقية
    عاصفة القضايا المحالة إلى المحاكم أو تلك المثارة في وسائل الإعلام تضع فرنسا أمام أزمة أخلاقية وقيمية حقيقية

إنّ نوعية وعدد جرائم الاغتصاب والتحريض على الاغتصاب والتحرش الجنسي وسفاح القربى والاعتداء على القصّر في فرنسا على وجه الخصوص، تكشفان من خلال المتورطين والمشاركين فيهما، من نخب فنية وسينمائية وسياسية واجتماعية ورياضية، زيف الثقافة الغربية، وتثيران الشك ببلوغ الحضارة الغربية مستوى يحمي مجتمعها من الانزلاقات والانحرافات الخطيرة على مستوى الأفراد والمؤسسات والقوانين.

عاصفة القضايا المحالة إلى المحاكم أو تلك المثارة في وسائل الإعلام تضع فرنسا أمام أزمة أخلاقية وقيمية حقيقية تتفاعل باطراد مع تزايد الشهادات عن اعتداءات جنسية بمستويات متنوعة. مواقع "علية القوم" من المشاهير وأصحاب المواقع السياسية والثقافية والأكاديمية تهتزّ إثر اتساع حركتي "أنا أيضاً" و"نحن أيضاً" اللتين تضمان إناثاً وذكوراً تم الاعتداء عليهم في صغرهم أو شبابهم.

صرخة الشهادة بالاعتداء الجنسي باتت حدثاً يومياً وبلاغاً قضائياً تحفل به المحاكم وتتداوله منصات التواصل الاجتماعي، ناقلة أفعالاً وحشية وغير إنسانية بحق قصّر وفتيات ارتكبها آباء وأعمام وأجداد. أميط اللثام عن قضية كانت تُعدّ من المحرمات في المجتمع الفرنسي، وتحولت إلى الشغل الشاغل للفرنسيين والأوساط القضائية والسياسية، بعد أن كشفت جمعية "الناجين من سفاح القربى" عن تعرض شخص واحد من كل 10 لاعتداء جنسي في عائلته.

النسب التي تتحدث عن الاعتداءات الجنسية زلزلت علماء النفس والاجتماع، نظراً إلى حجمها ونوعيتها وهوية المتهمين بها. قضية أوليفييه دوهاميل، أستاذ العلوم السياسية البارز والمعلق التلفزيوني، كانت الصاعق الذي فجّر الظاهرة، بعد أن كشفت ابنة زوجته كاميل عن اعتدائه على شقيقها كل ليلة لمدة تصل إلى 3 أعوام، ما أدى إلى فتح تحقيق قضائي في "اغتصاب واعتداء جنسي من قبل شخص له سلطة على قاصر يبلغ 15 عاماً".

اتهامات وقضايا بالجملة

أحدث قضايا هذه الظاهرة كان مع استهداف المنتجين جيرارد لوفين ودانييل موين بأربع شكاوى جديدة بتهمة "الاغتصاب" و"الاعتداء الجنسي". وفي بداية شباط/فبراير الجاري، قدم ابن شقيق جيرار لوفين شكوى ضد عمه "بالتواطؤ في الاغتصاب"، واتهم دانيال موين بارتكاب جريمة سفاح القربى. الكاتب الفرنسي غابرييل ماتزنيف تعرض للملاحقة من قبل حركة "تحرير الأصوات النسائية" بعد نشر رواية "الموافقة" لفانيسا سبرينغورا أخيراً، لتشهد على تعرضها لاعتداء ماتزنيف عليها حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها.

سبحة الاعتداءات كرّت وشملت مروحة واسعة من الشخصيات. استقال نائب رئيس بلدية باريس لاتهامه بالاعتداء على كاتب مثلي الجنس في طفولته خلال رحلة إلى تونس. اتهمت النجمة آديل هاينيل مخرج فيلمها الأول كريستوف روجيا بإقامة علاقة جنسية معها عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها. صدر حكم قضائي بحق لوسكوارنيك، أكبر جراحي فرنسا، والذي يبلغ من العمر 70 عاماً، بالسجن 15 عاماً، بتهمة الاغتصاب والاعتداء على المئات من مرضاه الأطفال.

في السياق نفسه، قال تلفزيون "فرانس 24" إن عالم الرياضة يواجه اليوم عملية "تطهير" واسعة في صفوفه، فيما بدأت الألسنة تتحرر بعد سنوات من الكتمان والسكوت، بحسب فيليب ليوتار، مدرس مادة أنثروبولوجيا الرياضة في جامعة "ليون 1". وقال ليوتار لـ"فرانس 24": الأمور بدأت تتطور بسرعة، ولم أُفاجأ بذلك. سمعت منذ زمن طويل عما كان يحدث في عالم التزلج، والأمر نفسه في عالم التنس وكرة القدم وألعاب القوى، لكنها كانت حالات معزولة، ولم نكن نسمع بها إلا خلال المحاكمات القضائية".

ولدى سؤاله: كيف يمكن تفسير هذا الاهتمام البالغ والسريع بمثل هذه المشاكل؟ أجاب: "المهم اليوم أن هناك من يستمع إلى ضحايا الاعتداءات الجنسية. هناك أناس مستعدون للإدلاء بشهاداتهم، وهناك من يستمع إلى هذه الشهادات من دون الطعن بها. في السابق، كان يسود جو من التشكيك".

إضافةً إلى ذلك، نشرت أسبوعية "نوفيل أبسيرفاتور" ويومية "ليكيب" الرياضية تحقيقات مطولة بشأن تصرفات المدرب جيل بايير الذي فاز بلقب فرنسا في التزلج الفني في العام 1978، والذي اتهمته المتزلجة سارة أبيتبول ورياضيات أخريات بالاعتداء الجنسي عليهنّ بين العام 1970 و1990 عندما كن قاصرات.

امتدت شرارة الظاهرة إلى المواقع الكنسية، فقد قضت محكمة باريسية بسجن السفير السابق للفاتيكان في فرنسا 8 أشهر مع وقف التنفيذ، بعد إدانته بتهمة الاعتداء الجنسي ضد 5 رجال، وتوصلت المحكمة إلى أن الأسقف المولود في إيطاليا، لويجي فينتورا، حاول ملامسة الرجال خلال اجتماعات بين العامين 2018 و2019، وظهرت القضية إلى العلن في بداية العام 2019، مع مواجهة الكنيسة الكاثوليكية عدة قضايا مشابهة.

قوانين تحتاج إلى التطوير

من المثير أن نعلم أن العديد من المفكرين والكتاب البارزين، مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار ورولان بارت وجاك لانج ولويس أراغون، نشروا خطاباً في صحيفة "لو موند" (Le Monde) في العام 1977، يدافع عن 3 رجال سُجنوا لمدة 3 سنوات بسبب إقامة علاقات جنسية مع قاصرين يبلغون من العمر 15 عاماً، وحجتهم أن الواقع اليومي يثبت أن المجتمع بدأ يدرك وجود حياة جنسية للأطفال والمراهقين.

تفتقر القوانين في فرنسا إلى تحديد سن واضحة للموافقة الجنسية، ويوجب القانون الفرنسي أن تتطلب تهمة الاغتصاب "العنف، أو الإكراه، أو التهديد، أو المفاجأة"، ولو كانت الضحية صغيرة السن، مثلما حدث في قضية "مونماجني" التي تعود أحداثها إلى العام 2018، والتي حُكم فيها ببراءة المتهم الذي كان أباً لطفلين ويبلغ من العمر 29 عاماً، في قضية اتهامه بالاعتداء الجنسي على طفلة تبلغ من العمر 11 عاماً، لأنها لم تستطع إثبات تعرضها للعنف.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، شدد وفد حقوق المرأة في مجلس الشيوخ الفرنسي على أن القانون الجنائي الحالي لا يحمي الأطفال بشكل كافٍ من المتحرشين والمعتدين الجنسيين. ومن دون تعديله، سيكون هناك كل عام ما يقارب 150 ألف حالة اغتصاب ومحاولة اغتصاب قاصر، أي من 300 إلى 400 حالة في اليوم.

ماكرون: لاستيعاب الأضرار

حجم الظاهرة وارتداداتها المفزعة في جميع الأوساط تكاد تطيح بركائز مجتمعية وتشريعية. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصدر بياناً أثنى فيه على شجاعة أصحاب الشهادات الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي في طفولتهم، معلناً إطلاق مبادرة لوقف العنف الجنسي المرتكب ضد الأطفال، بالتعاون مع وزيرين وقاضٍ، علاوة على الجمعيات المتخصصة، وتنظيم حملات في المدارس الابتدائية والإعدادية للتعريف بالعنف الجنسي ضد الأطفال، مشيراً إلى محاولات الحكومة تعديل القانون من أجل توفير حماية للأطفال ضحايا سفاح القربى والعنف الجنسي.

 

1.    مصادر:

·  موقع "sasa post".

·   جريدة "لوموند".

·   "فرانس أنفو".

·   موقع "ميديا بار".

·    "فرانس 24".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

نوبل للسّلام ومنافسة الهُويات المتناقضة

تبدو بعض أسماء المرشحين والمرشحات مستفزة، إلى درجة أن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان اعتبروا...

رفض الاعتذار عن حرب الجزائر.. سمّ في حنجرة فرنسا

بين اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار، فشلت إدارة ماكرون في تمييز نفسها واتخاذ موقف مسؤول...

ترامب "المختلّ" والإمبراطورية المترنّحة

"مجنون، مخادع، أحمق، مهرّج، عنصري، مغرور، غير كفوء، أميّ، أناني، وجاهل". كلّ هذه الأوصاف التصقت...

ضرورات واشنطن فرضت المصالحة الخليجية... والهدف إيران

سارع مراقبون خليجيون في الحديث عن أنّ المصالحة الخليجية الجديدة، ستبقى أسيرة الأمزجة والتقلبات...

الهجمات الإلكترونية على "الأخبار" و"الآداب" لحجب الحقائق وتسهيل التطبيع

إنّ الحرب على مؤسسة الأخبار، ومن ثمّ موقع دار الآداب اللبناني، وهو منصّةٌ تدعو إلى مقاطعة...

السودان "بنك دماء" الأمراء

بيعٌ علنيٌّ للدم السوداني في مزاد حرب التحالف السعودي على اليمن، بوقاحةٍ وعلانيّةٍ من دون رادعٍ...