في ذكرى بداية الانتصارات: السينما الإيرانية.. بعض الثروة من الثورة

ثورة الإنسان في إيران مختلفة، فهي تتقاطع مع ثورات إنسانية أخرى ضمن عناوين تُلامس جميل المثُل، ولكنها متفردة في أبعادٍ إضافية ترقى في إنسانيتها نحو القيم الإلهية الهادفة.

  • السينما الإيرانية اليوم هي سينما كل الإنسان
    السينما الإيرانية اليوم هي سينما كل الإنسان

إن تقييم أي ثورة إنسانية لا يقتصر على تحقيق الأهداف اللحظوية التي ترافق التبدل في النظام، فالثورة استمرار، وهي ليست مسرحية تغيير في المواقع السلطوية وبعض الأسماء السياسية والإدارية، كما رأينا في بعض الثورات - مع وضع خطين تحت كلمة ثورات - التي تُنشئ حالة استقطابية مرتكزة على بروباغندا ووعود غوغائية ما فوق واقعية، وتقدم نماذج بديلة من الشخصيات، لا يفرقها عن سابقاتها سوى الشكل الفيزيولوجي الخارجي. وعندما يستقر لها الأمر، تسود موجة من الندم ولعن الذات في المجتمع الذي انطلت عليه الحيلة الثورية.

الفيلم التراجي - كوميدي في هذه الثورات الآنفة الذكر، يُذكرك بأفلام الصور المتحركة، وتحديداً "Tom & Jerry". جولة للأول وأخرى للثاني، ولكن الطرفين متفقان على التخريب وإضحاك الجمهور. وفي حالة الثورة المفترضة، سيبكي الأخير بعد الضحك.

ثورة الإنسان في إيران مختلفة، فهي تتقاطع مع ثورات إنسانية أخرى ضمن عناوين تُلامس جميل المثُل، ولكنها متفردة في أبعادٍ إضافية ترقى في إنسانيتها نحو القيم الإلهية الهادفة إلى صنع الإنسان المتكامل في سيرورته وصيرورته.

أحد الأبعاد الإنسانية الراقية لهذه الثورة، الإسلامية في الهوية والإنسانية في العمق، ناتج من المنظومة العقدية الإيديولوجية والسوسيولوجية والبيداغوجية والسيكولوجية والتنموية والعلمية العائدة لها. هذا البعد هو "السينمالوجيا"، كما يحلو لي تسميته. وقد ارتأيت الإضاءة عليه لسببين رئيسين، أولهما الخروج عن السياق الاحتفالي الاعتيادي في هذه الذكرى، إذ لا بد من الإشارة إلى أكبر عدد ممكن من النقاط المضيئة في فلك الثورة، وثانيهما تحفيز المجتمع لمتابعة هذه السينما الرائعة والرائدة في إنبات القيم في الإنسان.

يعلم معظمنا خطورة السينما على المجتمع، وأنها سيف ذو حدين، لأنها قد تأخذه نحو الارتقاء واكتساب القوة والمناعة والفضائل، وربما تأخذه إلى الانحدار من خلال الدور التمييعي والتتفيهي والإفسادي فكراً وسلوكاً. وعندما أقول "معظمنا"، فإني لا أبالغ، ولو أخفى الكثيرون هذه الإشكالية، ولكنها تطفو على السطح بين فترةٍ وأخرى.

على سبيل المثال، تعمل السينما الهوليوودية على ترسيخ فكرة تعظيم العنصر الأميركي، وإظهاره في صورة المنقذ ونصف الإله، فيما باقي الشعوب منقادة وتافهة، ولا تستطيع إدارة أمورها إلا بوجوده وفي ظل توجيهاته وحسن رعايته، وتُرسخ أيضاً التشويش الفكري والعقدي والنفسي والثقافي، لتوصل جمهورها إلى الإلحاد أو اللاأدرية أو العنفية، وحتى الجنون بنسب تختلف بشكلٍ نسبي بين مشاهد وآخر، ناهيكم بمعالجة قضايا انحرافية غير أخلاقية، وتجميل قبحها بما تيسر من زركشة الألوان، وهي بأدائها تسحق الحس الإنساني، وتدخل إلى الذات الإنسانية فتعبث بها، وتحيلها إلى مخلوق هجين وضعيف ومسلوب الإرادة إلا عن فعل ما يغرسه فيه خبراء نفسيون وأنثروبولوجيون يتمترسون خلف كاميرات التصوير.

هذا في الأعم الأغلب، وإن استثنينا بعض الأفلام، على قلتها، ولكن المشكلة تكمن في القدرة على الانتقاء والتصفية والاختيار في هذه الفوضى والبعثرة. ولن ننسى بالتأكيد المشاهد الإباحية والقضايا المنحطة التي تبرز في معظم الأفلام، وكأن المطلوب اعتياد المجتمع على هذه النمطية الشاذة والغريبة عن إنسانيتنا.

في يومنا هذا، حذت الكثير من الدول الأجنبية والعربية حذو الممارسة الهوليوودية، مع بعض الاختلافات هنا وهناك، كالرقص الخلاعي في بعض النتاجات، وتتفيه الإنسان، وتعويم الشخصيات القائمة في القاع، والتركيز على ضرب روابط العلاقات الأسرية من خلال تبرير الخيانات، وحتى تجميلها، وتعظيم العلاقات الشاذة.

السينما الإيرانية بعد شباط/فبراير 1979 سمت بالإنسان وبنفسها، وعالجت قضايا الجمال المعنوي، والعلاقات الإنسانية المبنية على الاحترام والتكامل والحب الطاهر، ونقلت صورة الإنسان في أجمل مظاهره، وعالجت اللاهوتية والناسوتية في إطار مفعم بالمشاعر الجياشة الطيبة، ومدّت يدها للإنسان المخطئ، لترشده إلى الصلاح، وتعلمه فنون الثورة على الذات الهابطة، وتقول له: هناك أمل دائماً في أن نصلح ما فات.

السينما الإيرانية اليوم هي سينما كل الإنسان، وهي تتجاوز الحدود الجغرافية والإثنية، وتخاطب الوجدان والضمير والعقل بخطاب الإله الجميل والحكيم والرؤوف.

استغلوا هذه الثروة من الثورة، ولا تحرموا أسركم وأهلكم ومجتمعكم من كنوز سترون آثارها في صناعة أنفسكم ومن حولكم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي رباح

مدرب في التنمية السياسية والإدارية