الانتماء والتنمية.. الربط المفاهيميّ والعمليّ

نستطيع التخلّص من النقاشات العقيمة حول فواعل الهوية ومحدداتها، لنصل إلى نقطة تقارب في الفكرة والمبدأ بأن الإنتاج الحضاري والهوياتي يحتاج منا في الدرجة الأولى أن نؤمن بأهمية الإضافة إلى قيمة هذه الهوية.

  • نستطيع أن نخلق محركاً جديّاً وجديداً لمحطّات حوارية تخلق تفاعلاً وحراكاً في الوسط العام
    نستطيع أن نخلق محركاً جديّاً وجديداً لمحطّات حوارية تخلق تفاعلاً وحراكاً في الوسط العام

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي ومنصّات الإفصاح والتعبير عن الرأي منذ فترة ليست بعيدة، وعلى المستوى الشعبي، بمواضيع مرتبطة بهوية الدولة والمنطقة والمجتمع. طرحت هذه التحليلات المستفيضة والاتهامات تراكيب مختلفة في قراءة الهوية وتكوينها ومحدداتها المطلوبة. وقد تم حصر هذا المفهوم العميق في المدى الاستراتيجي والفكري بمحدد وحيد أو مجموعة من المحدّدات المتشابهة، ولكنّها غير كافية لتشكّل حوامل حقيقية لمنظور الهوية. 

إنّ الحراك الحواريّ في هذا المفهوم، رغم أهميّته، لم يكن كافياً لطرح أولويّات نبدأ من خلالها النظر بجدية، وبقراءة مستقبلية أو واقعية، إلى المفهوم الحاضر فعلياً بحيويّة، بعد سنوات من محاولة ضرب الهوية وتمزيقها وتفتيت المركّب المتجانس.

في المقابل، تمّ توصيف الموضوع الحيّ بأنه مسألة تُقرأ من الزاوية التاريخية فقط، على سبيل الحصر، كأن نقول إننا قبل أن نكون عرباً كنا سرياناً وآراميين وفينيقيين. هذه الحقيقة لا يمكن تغافلها، ولكنّها ليست حقيقة موجودة بعينها من دون مقومات أخرى تعدّ أكثر جدارة بأن تناقش اليوم على الصعيد الشّعبي، وتشكّل في ما بعد رأياً عاماً منطقياً مقارباً للواقع وذا أهمية وجدوى لصناعة مستقبل ننتظره ونستحقّه. 

تحدّث الرئيس بشار الأسد، في لقائه الموسع مع العاملين في الحقل الديني قائلاً: "هذا المعنى الحضاري فيه ثقافات متعددة وأعراق متعددة، وهو دليل قوة وغنى"، والحضارة تعدّ أحد اشتقاقات فعل "حَضر" لغوياً ومعرفياً، وتعتبر حالة تطور إلى التمدن والاستقرار، وهي عكس الحياة البدوية التي تسلك بها المجتمعات منهج الترحال والتنقل نمطاً للعيش. ولا تكون فكرة الحضارة نتاجاً ما لم تكن مرتبطة ارتباطاً جذرياً بمفهوم تراكم العمل والإنتاج وتطور أدواتهما، وبالتالي يفضي هذا الطرح إلى أهمية أن نعمل ما نحبّ من أجل من نحبّ.

هنا، نستطيع التخلّص من النقاشات العقيمة حول فواعل الهوية ومحدداتها، لنصل إلى نقطة تقارب في الفكرة والمبدأ بأن الإنتاج الحضاري والهوياتي يحتاج منا في الدرجة الأولى أن نؤمن بأهمية الإضافة إلى قيمة هذه الهوية، لتكون أكثر ترسيخاً وفعالية، وهو ما يتطلّب انتماءً وارتباطاً وجدانياً بقيم الشرف والإخلاص والمحبة في المهنة والأسرة والمجتمع. 

اليوم، بعد 10 سنوات من الحرب المتعدّدة الأوجه على سوريا (الدور والمكانة والموقع)، والتي تتقاطع فيها كل مصالح القوى الدولية من مختلف أصقاع الأرض، نستطيع القول إنها أنتجت قصّة شعب أراد أن يستمدّ من تاريخه وإرثه الحضاريّ ما يجعله أهلاً لحمل هوية أعرق الأوطان، مكرّساً بذلك نموذجاً فريداً في التحدّي والمقاومة والصمود والأخذ بهذه العناوين، وطريقاً لتحقيق التنمية بمختلف جوانبها وأبعادها، فكان المسوغ الوحيد والحقيقي لمفهوم الانتماء يتجسد من خلال إجماع السواد الأعظم من السوريين على رغبتهم في المشاركة الفاعلة في إعادة بناء سوريا وإعادة إنتاج مؤسّساتها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية القادرة على توسيع فضاء هذه المشاركة وتقليل الفوارق الاقتصاديّة والاجتماعية، من خلال مهام وقضايا تنمويّة تُفرَز من دورها ومسؤولياتها وصلاحياتها، وهو ما يفضي إلى دمج الأطياف المتعدّدة في المجتمع في عملية التنمية التي تعدّ جوهراً لعملية التكوين الهُوياتي الموحّد، وبالتالي يخلق توازناً واستقراراً أكثر مثالية وفعالية، وقاعدة أوسع بالمشاركة في الإدارة والإنتاج في المجتمع والدولة، عبر بنية تشريعية قانونية تلتزم بصيغة العقد الاجتماعي المكوّن لمنظومة القوانين النافذة، والمحددة لأصول المواطنة الفاعلة، والممارسة المنضبطة لأشكال المشاركة المتعددة.

بهذا العصف الفكريّ، ربما نستطيع أن نخلق محركاً جديّاً وجديداً لمحطّات حوارية تخلق تفاعلاً وحراكاً في الوسط العام، لتكوّن لقاءات فكرية صحيحة، وإجماعاً على الإنتاج والعمل والمقاومة وصناعة النصر.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عمر غفير

كاتب سوري