العراق والخليج.. الانفتاح المطلوب والمشروط

تتمثّل الإشكالية في أن المراد من الانفتاح الخليجي على العراق أو أحد شروطه هو الابتعاد عن طهران. بعبارة أخرى، تقول السعودية والإمارات والبحرين إن اقترابنا من العراق ينبغي أن يترافق معه الابتعاد عن إيران.

  • هناك تراكمات من المشاكل والأزمات وغياب الثقة بين العراق والخليج منذ عقود طويلة
    هناك تراكمات من المشاكل والأزمات وغياب الثقة بين العراق والخليج منذ عقود طويلة

من العاصمة العراقيّة بغداد، صرّح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، نايف فلاح الحجرف، قائلاً: "إنَّ العلاقات العراقية الخليجية استراتيجيّة، ونحن نقف إلى جانب العراق في محاربة الإرهاب وبسط الأمن والاستقرار في البلاد".

جاءت هذه الرسائل والإشارات الإيجابيّة مطلع شهر شباط/فبراير الجاري، خلال زيارة الحجرف الأولى إلى العراق منذ تولّيه منصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجيّ في شهر نيسان/أبريل من العام الماضي، خلفاً للدبلوماسي البحريني عبد اللطيف الزياني. 

لا شكّ في أنَّ هناك حقائق تاريخيّة وثوابت جغرافية ومصالح متبادلة وقواسم ثقافية واجتماعية مشتركة تفرض على العراق والمنظومة الخليجية بناء علاقات طيبة تصبّ مخرجاتها في ما يعود بالنفع والفائدة على شعوبها وشعوب المنطقة، وتساهم بالتالي في ترسيخ الأمن والاستقرار السياسي والرفاه والازدهار الاقتصادي الإقليمي وتكريسه.

في الوقت ذاته، هناك تراكمات من المشاكل والأزمات وغياب الثقة بين العراق والخليج منذ عقود طويلة، انعكست سلباً على مجمل المشهد الإقليمي، وساهمت بشكل أو بآخر في إثارة الصراعات والحروب وتغذيتها بدلاً من احتوائها وتطويقها.

ثمة حقائق ومعطيات لا بدّ من أخذها بالاعتبار والالتفات إليها عند بحث ومناقشة وتحليل أبعاد العلاقات العراقية - الخليجية وآفاقها، لعل أهمها وأبرزها أن منظومة مجلس التعاون الخليجي المؤلفة من 6 دول - إذا استثنينا اليمن منها - تفتقر إلى التجانس والانسجام في مواقفها وتوجهاتها، وكان الصراع والتصادم والتقاطع بين بعضها البعض، وما زال، السمة السائدة واللافتة. وما لم نشَأ الرجوع بعيداً إلى الخلف، ففي الأمس القريب بلغ الصدام بين قطر من جانب، والسعودية والإمارات والبحرين من جانب آخر، الحافات الخطيرة، حتى بدا للكثيرين أن الحرب بين الطرفين باتت قاب قوسين أو أدنى.

ومعروف أن الخلافات والاختلافات بين إمارات الخليج تعود إلى ما قبل تأسيس مجلس التعاون الخليجي في العام 1981، بتخطيط ودفع وتوجيه بريطاني أميركيّ، في إطار الخطط والتحركات والمشاريع الرامية إلى مواجهة الثورة الإسلامية الإيرانية ومحاولات إرجاع الشاه إلى السلطة في طهران.

ورغم مرور 4 عقود على تشكيله، فإنَّ مجلس التعاون الخليجي لم يفلح في تذويب تلك الخلافات والاختلافات، ولم ينجح في تحقيق خطوات استراتيجية مهمة، كتلك التي حققها الاتحاد الأوروبي ومنظومات إقليمية أخرى، ولا سيّما أن السّعودية كانت تصّر على طول الخط على الاحتفاظ بموقع الزعامة، انطلاقاً من حقيقة أو فكرة "الأخ الأكبر".

إلى جانب ذلك، وارتباطاً بما سبق، فإنّ مواقف دول الخليج حيال العراق لم تكن موحّدة، بل كانت في بعض الأحيان متباينة إلى حد كبير، إن لم تكن متقاطعة بالكامل، ولا سيما بعد سقوط نظام صدام في ربيع العام 2003، وما أفرزه من وقائع وتداعيات وتفاعلات في المشهدين العراقي والإقليمي.

وبينما التزمت عمان بمواقفها التقليدية المتزنة، ولم تنزلق إلى اصطفافات وتحالفات ضيقة، وحاولت الكويت الحفاظ على وسطيتها واعتدالها، اختارت السعودية، ومعها الإمارات والبحرين، مساراً متطرفاً ومضاداً لعموم العملية السياسية في العراق، منطلقة من نزعات طائفية متشددة، ومن هواجس ومخاوف وحسابات خاطئة. وقد انعكس ذلك المسار الذي اختارته الرياض وأبو ظبي والمنامة على مجمل الأوضاع الأمنية في العراق، لأنه ساهم إلى حد كبير في ظهور الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة، واستفحال الفتن الطائفية والمذهبية، وتصاعد حدة الصراع والتصادم السياسي بين الشركاء والفرقاء.

من الطبيعي جداً أن يحول تباين المواقف الخليجية دون بلورة مواقف موحدة. واليوم، حين يأتي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إلى بغداد، ويطلق رسائل وإشارات إيجابية، فإنه يشير إلى ضرورة وأهمية فتح صفحة جديدة من العلاقات بين بغداد وشقيقاتها الخليجيات. بالطبع، هذا هو المطلوب، بيد أن فتح صفحة جديدة يتطلب قبل ذلك تبييض الصفحات السابقة وعدم تركها على ما هي عليه من بقع سوداء ومساحات رمادية وخيوط متشابكة وملامح مضطربة!

صحيح أنَّ السعودية بادرت خلال العام الماضي إلى اتخاذ خطوات إيجابية لتعزيز العلاقات مع العراق، وخصوصاً على الصّعيد الاقتصادي، إلا أن هناك إشكالية كبيرة تتمثل في غياب الثقة لدى الرأي العام والنخب السياسية والثقافية العراقية بجدية ومصداقية خطوات الرياض ومبادراتها، لأن الذهن العراقي ما زال معبأ بكمّ كبير من المواقف السلبية والخطابات الإعلامية التحريضية والفتاوى الدينية التكفيرية السعودية، وهي في الواقع نتاج عمل منظم ومبرمج ومخطط، وليست عبارة عن آراء ومواقف فردية انفعالية، كما يحاول أن يسوق ويبرر أصحاب القرار في الرياض، حين يواجههم العراقيون ببعض الحقائق والأرقام المؤلمة. وعلى المنوال نفسه، كانت أبو ظبي والمنامة تتحركان وتتصرفان، ومعهما الدوحة في بعض الأحيان.

تتمثّل الإشكالية الأخرى في أن المراد من الانفتاح الخليجي على العراق أو أحد شروطه هو الابتعاد عن طهران. بعبارة أخرى، تقول السعودية والإمارات والبحرين إن اقترابنا من العراق ينبغي أن يترافق معه الابتعاد عن إيران.

يعني ذلك في ما يعنيه اتخاذ العراق أداة أو بوابة لتصفية الحسابات وطرح المساومات، بينما يشدد الساسة العقلاء في بغداد على أهمية الانفتاح على الجميع وبناء علاقات متوازنة تتيح للعراق أن يكون حلقة وصل ونقطة التقاء بين الفرقاء الإقليميين، وليس محطة تباعد وافتراق، وكما أكد وزير الخارجية فؤاد حسين، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع الحجرف: "إن العراق يبني علاقاته على أساس مبدأ التوازن وتفعيل المصالح المُشتركة والاحترام المتبادل"، فما الفائدة والجدوى من هدم بناءات قائمة ومثمرة مع طهران أو أي طرف آخر، من أجل الاتجاه إلى الشروع ببناءات جديدة ليس واضحاً بالقدر الكافي فرص وإمكانيات نجاحها في خضمّ تشابك وتداخل الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، وعدم تبلور حقيقة النيات والتوجهات والرغبات والأولويات؟

ومثلما يقول البعض، إذا كانت هناك شروط لفتح صفحة جديدة بين العراق وفضائه الخليجي المجاور، فإنّها يجب أن تطرح وتنطلق من بغداد، وليس العكس، وينبغي أن تتأسّس على مصارحات ومكاشفات تفضي إلى تصفية ملفات خطيرة، أبرزها ملف الإرهاب بكل تفاصيله وجزئياته وحقائقه وأرقامه، قبل فتح معبر عرعر والربط الكهربائي والاستثمار في الصحراء وبناء الملاعب والإسكان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عادل الجبوري

كاتب وصحافي عراقي

إقرأ للكاتب

قرارات بايدن الجديدة.. تصحيح للمسار أو تضليل للأعداء؟

إذا كان هناك من يقول إن خطوات بايدن تندرج في إطار تصحيح المسار، وهو ما قد يكون صحيحاً إلى حد ما،...

عمَّ تبحث أنقرة في بغداد؟

يبدو أنّ الأتراك اطمأنوا كثيراً إلى حصولهم على صفقة مشروع تطوير مطار الموصل بعد الطمأنة التي...

ماذا حقّق الكاظمي في أنقرة؟

يتّفق عددٌ كبيرٌ من السّاسة ورجال الاقتصاد والمال، على أنّ الأرضيّات الحقيقية لتعزيز العلاقات...

الترقّب الصهيوني-الأميركي للردّ الإيراني

لا شكّ أنّ واشنطن تبدو محرجةً ومرتبكةً وقلقةً وخائفة بقدرٍ أكبر من ارتباك وقلق وخوف تل أبيب بشأن...

لماذا عادت الاتفاقية العراقية الصينية إلى الواجهة مرةً أخرى؟

تمتاز الاتفاقية العراقية-الصينية، في كونها لا ترتّب على العراق التزاماتٍ مالية مسبقة، ولا تتقاطع...

بايدن الرئيس ومشاريع التقسيم!

من الطّبيعي أنّ بايدن الَّذي تجنَّب الخوض في مشروع تقسيم العراق حين أصبح نائباً للرئيس قبل 12...