التاريخ والسّياسة.. مخاض الشرق في القرن الحادي والعشرين

ها نحن نسير في العقد الثالث من الألفية الثانية إلى المجهول. وقد تستمرّ مواجهتنا للأزمات والحروب، والسؤال هو: هل ستبقى أرضنا ميداناً لصراعات الدولية أم سيكون لنا موقع في هذا العالم المتعدّد الأقطاب؟

  • بكل تأكيد، لا يمكن لزعيمة الفكر الرأسمالي أن تكون مناقضة لأفكار الرأسمالية المثالية
    بكل تأكيد، لا يمكن لزعيمة الفكر الرأسمالي أن تكون مناقضة لأفكار الرأسمالية المثالية

بعد مرور عقدين على الألفيّة الثانية، بدا أنّ العالم يتطوّر بشكل متسارع في المجالات السياسية الاقتصادية الاجتماعية والعلمية، ولا يمكن تجاهل التنافس الشديد بين الدول التي تمتلك نفوذاً، من مثل روسيا والصين، والولايات المتحدة الأميركية، التي انفردت بعد العام 1991 بكونها قوة نفوذ أولى في العالم. 

وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، يمكن القول إنّ أنظار الولايات المتحدة توجّهت إلى الشرق الأوسط، لما تمثله هذه المنطقة من أهمية تتمحور حول مسألتين؛ الأولى ترسيخ الكيان الصهيوني في فلسطين، والأخرى نفط الخليج العربي. وانطلاقاً من ذلك، توجّهت مدافع العسكر والإعلام الأميركي إلى هذه المنطقة، بعد أن كانت موجّهة إلى السوفيات والنظريات الشيوعية.

بداية التوجّه الأميركي إلى الشّرق الأوسط

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان التمهيد للزحف نحو الشرق الأوسط وتحجيم دور بعض الدول الإقليمية الفاعلة، مثل العراق وسوريا ومصر وإيران، وكان أولها العراق، الذي بدأ نزيفه مع إيران في حرب الخليج الأولى في العام 1980، والتي استمرت إلى العام 1988، ليتم بذلك عزل إيران وثورتها الفتية، وإغراق العراق في الديون، ليقع مرة أخرى في فخ غزو الكويت 1990 الذي جعل نظام صدام حسين معزولاً عربياً - إلى حد ما - ودولياً، لا يجد حليفاً يسانده، ولا شقيقاً ينصره.

أما سوريا، فقد كان رئيسها حافظ الأسد أكثر ذكاء في تجنّب المكائد والفخاخ. وإذا نظرنا إلى ما يحصل في مصر، فإننا نجد أنها غُيّبت عن المشهد بعد اتفاقية "كامب ديفيد"، وخصوصاً بعد تولي حسني مبارك الحكم واعتماد النظام المصري على المساعدات الأميركية، ليكون تحت النفوذ الأميركي.

حروب بوش الابن

في عهد بوش الابن، عهد الحملات العسكرية والإعلامية الأميركية على المنطقة، والذي بلغ أشدّه بعد حادثة 11 أيلول/سبتمبر 2001، تم غزو أفغانستان بدعوى القضاء على تنظيم "القاعدة" بزعامة أسامة بن لادن، وغزو العراق 2003 - المنهار بفعل الحروب والعقوبات - بدعوى امتلاك أسلحة دمار شامل، واغتيال رفيق الحريري في العام 2005 لتقويض سوريا وسحب قواتها من لبنان، واندلاع حرب تموز/يوليو 2006 التي كانت بداية سقوط مشروع بوش لشرق أوسط جديد. لقد كان هذا العهد - عهد بوش الابن - الأسوأ في المنطقة في الألفية الثانية.

أوباما والثورات العربيّة

كان أوباما أول رئيس من ذوي البشرة السمراء في تاريخ الولايات المتحدة. وقد شكّل انتخابه ضربة للعنصرية الأميركية وتفاؤلاً للمنطقة، ولكنَّ المنطقة العربيَّة شهدت آنذاك ما سُمي بالـ"ثورات". بدأت الشرارة من تونس 2010، ثم طالت مصر 2011. بارك أوباما "هذه الثورات"، وأسماها "الربيع العربي"، وكانت الإدارة الأميركية داعمة بشكل متناقض لـ"الثورة" بشكل عام. 

بكل تأكيد، لا يمكن لزعيمة الفكر الرأسمالي أن تكون مناقضة لأفكار الرأسمالية المثالية التي لا تؤمن بالثورة، فكان مصطلح "الربيع العربي"، كما كان في السابق "ربيع براغ" في جمهورية تشيكوسلوفاكيا في العام 1968. 

قد يرى البعض أنَّ المصطلحات غير مهمة، ما دام للنتائج انعكاسها، ولكن يجب أن نشير إليها، فبعد تأييد الولايات المتحدة للثورة في تونس ومصر، والاستغناء عن حليفيها ابن علي ومبارك، بدأت حملة واسعة لدعم المتظاهرين في سوريا، وكان للنظام السوري تحرك إصلاحي سريع لعدم الوقوع في الفخ، ولكن زادت الأوضاع سوءاً، وأعلن "الجهاد" في سوريا، فتدفّقت الجماعات المسلحة، مدعومة بالمال الخليجي، وسُلحت بسلاح الأميركي، فأفرزت" "النصرة و"داعش" وأخواتهما.

وبعد انهيار ليبيا، وصل الوضع إلى أوجه في المنطقة، فسقط الإخوان في مصر، وعاد الجيش، وأُحرق العراق، والتهمت الموصل. أراد أوباما تخفيف لهيب الأحداث، وخصوصاً بعد التقدم الميداني السوري الإيراني مع "حزب الله" بدعم روسي، فاتّفق مع إيران نووياً - اقتصادياً - وانتصر بوتين سياسياً. من هنا، بدأ العالم يتغيّر، بعد أن كان قطباً واحداً، وأصبح متعدّداً، وكان الشرق الأوسط مصدرها، والأرض السورية ميدانها، وروسيا والصين عرابيها.

الرئيس "المجنون" وسياسة الجزية

اختار الشعب الأميركي الجنون على الكذب، فكان ترامب الَّذي أتى بشعار "إعادة أميركا عظمى مرة أخرى" أو بالأحرى إعادة القطب الأوحد، وبدأ عهده بأخذ الجزية مقابل الحماية، واستأنف الصراع مع إيران، فأنهى اتفاق أوباما، وقلَّص الوجود الأميركي في العراق وسوريا، وقال: "سوريا أرض حرب ورمال"، وثارت اليمن، فعصفت بـ"الحزم والأمل"، ودعم ترامب العاصفتين، وبرزت التحالفات بين المحاور التي كان بعضها متداخلاً، ولكن أبرزها ثلاثة، الأول محور المقاومة الذي يضمّ إيران وسوريا والعراق و"حزب الله" والمقاومة الفلسطينية و"أنصار الله" في اليمن، والثاني تيار إخوان المسلمين الذي يضمّ تركيا ودولة قطر والجماعات المسلحة في اليمن وليبيا وسوريا.

 أما آخر هذه المحاور، فهو المحور السعودي الإماراتي المصري، إلى جانب الجماعات المسلحة في ليبيا بقيادة حفتر، وفي اليمن بقيادة هادي، وفي سوريا بقيادة "النصرة". ومن ينظر إلى الدائرة الأوسع، سيجد أنَّ المحور الأول متحالف مع روسيا والصين. أما المحوران الثاني والأخير، فهما مدعومان بشكل متوازن من قبل الولايات المتحدة، حتى اختلّ الميزان في بداية عهد ترامب، فانحاز إلى "السّعودي - الإماراتي - المصري" على حساب الإخوان. 

بكلّ تأكيد، من دفع أكثر مالت كفّته. كان ذلك، باختصار، عهد ترامب الَّذي قام على التحالف على أساس اقتصادي. وقد ختم عهده بأزمة كادت تجر العالم إلى حرب عالمية ثالثة، فاغتال سليماني والمهندس، وكان قاب قوسين أو أدنى من هذه الحرب. 

ها نحن نسير في العقد الثالث من الألفية الثانية إلى المجهول. وقد تستمرّ مواجهتنا للأزمات والحروب، والسؤال هو: هل ستبقى أرضنا ميداناً لصراعات الدولية أم سيكون لنا موقع في هذا العالم المتعدّد الأقطاب؟ إنَّ الجميع يحجز له موقعاً، فإن لم نتعلّم من تاريخنا، فسينعكس على مستقبلنا، ولكننا لم نتعلّم في السابق، فهل سنتعلّم الآن؟!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غسان إبراهيم

باحث في التاريخ السياسي