المغرب والجزائر نموذجاً.. أيّ اختيارات استراتيجية للدول النامية؟

سأتوقف عند دولتين جارتين تحتلان موقعاً جيوسياسياً مهماً في شمال أفريقيا والمدخل الغربي للبحر المتوسط؛ دولتين اتسمت علاقاتهما بالبرود والصراع لفترات متقطعة في الزمن.

  •  المغرب، عليه ألا يذعن لعلاقات التبعية الاستعمارية
    المغرب، عليه ألا يذعن لعلاقات التبعية الاستعمارية

لا شكَّ في أنَّ مرحلة جديدة من الصراعات الدولية ستبدأ بين قطب يشهد تراجعاً اقتصادياً وعسكرياً وآخر صاعد سيزيح القوى التقليدية عن الزعامة التي تبوأتها لقرون، إذا ما احتسبنا المرحلة الاستعمارية الأوروبية قبل المرحلة الأميركية، التي تزعمت الولايات المتحدة الأميركية خلالها حرباً باردة بين الكتلتين الشرقية والغربية.

إنّ التحالف الغربي لن يسلّم بالأوضاع الجديدة بسهولة، لكون النخب السياسية المتحكّمة بزمام السلطة السياسيّة والاقتصاديّة فيه ستثري العقل السياسي الغربي لعقود قادمة، وذلك بصفتها نخباً مخضرمة عاصرت مرحلة التفوّق الغربيّ، وبالتالي لن تقبل بالتخلّص من عقدة الهيمنة التي لازمت مجمل استراتيجياتها السياسية في علاقاتها الدولية، وهو ما يفسّر نزوعها إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على الصين وروسيا وإيران ودول أخرى، رغم الضرر الّذي تلحقه هذه العقوبات بالاقتصاد العالميّ، نظراً إلى الارتباط القويّ الّذي يجمع اقتصادات هذه الدول ببعضها البعض.

 إنَّ مستتبعات الصراع الحالي سترسم معالم حرب باردة جديدة بخلفيات غير إيديولوجية، ما دام العالم يعتمد نمط اقتصاد السوق، بل بخلفيات قيمية في العلاقات الدولية تميز بين من يستند فيها إلى منطق التبعية الموروثة عن الفكر السياسي الاستعماري الذي تجسده الدول الغربية وأميركا وتنتهجه مع مستعمراتها السابقة، وقوى عالمية صاعدة ليس لها تاريخ استعماري، تخضع علاقاتها الدولية لثوابت مبدئية في السياسة والاقتصاد، وتعمل وفق مبدأ رابح رابح، مع احترام القرارات السيادية للحكومات والدول، وتعتمد على بناء شراكات استراتيجية ثابتة وفق شعار "اتفاقيات دائمة لأصدقاء دائمين"، وهي بذلك تدحض مقولة تشرشل القائلة: "لا صديق دائماً، ولا عدو دائماً، بل مصالح دائمة"، والتي تفرغ السياسة من بعدها القيمي الإنساني والأخلاقي.

 إن الحرب الباردة الجديدة ستكون مختلفة من حيث خلفياتها ومركز القوة فيها، ففي الوقت الذي كانت تسود حرب إيديولوجية ووجودية بين معسكر اشتراكيّ وآخر رأسماليّ، أصبحت بالنسبة إلى الغرب ذات خلفيّات مصلحية ضيقة تروم إلى إبقاء هيمنة استعمارية سالبة لحقوق الشعوب وناهبة لثرواتها، ما أدى إلى انكشافها بعد أن تحولت معظم الدول في العالم إلى الاقتصاد السياسي الليبرالي.

كما أنَّها ستكون مختلفة من حيث انتقال ميزان القوى فيها من الغرب الأطلسي إلى الشرق الآسيوي، الذي انتقل من الدبلوماسية المحايدة والهادئة إلى الدبلوماسية الهجومية المبنية أساساً على الترسانة الاقتصادية والعقوبات المتبادلة، وليس العسكرية، رغم إبقاء الأخيرة في موقع الاحتياط الردعي الذي تتكامل فيه الصين وروسيا، لكن قبل أن ينتقل ميزان القوى بشكل جلي إلى الشرق، فإن هذا الصراع سيتطور وفق مرحلتين أساسيتين.

في المرحلة الأولى، سيتصاعد الصراع بين مركزي القوة المتكافئين نسبياً، ما سيبقي على مناطق النزاعات التقليدية الموروثة عن حقبة الصراعات الإيديولوجية. كما ستظهر مناطق نزاعات جديدة عبر العالم، من دون إغفال إمكانية نشوب احتكاكات عسكرية مباشرة محدودة بين القوى الأطلسية والقوى العسكرية الصينية والروسية، في ما يمكن تسميته بحروب "جس النبض" (guères ďintimidation)، لكون الغرب الأطلسي، وخصوصاً أميركا، سيوظّف كلّ إمكانياته لعرقلة تحوّل موازين القوى في اتجاه الشرق. 

هذه المرحلة ستمتد إلى عقدين أو أكثر، وذلك حتى يتبوأ الجيل الجديد من القيادات الغربية مقاليد السلطة، وفق ظروف دولية مغايرة تخفف من إرث عقدة الهيمنة التاريخية التي كبّلت الفكر السياسي الغربي وجعلته غير قادر على استيعاب التحولات الدولية.

بعدها، سيدخل العالم مرحلة جديدة من سماتها الاستقرار والسلم الدوليان، وستقوم بصياغتها قوى عالمية جديدة بمعية القوى التقليدية، لكن بزعامة صينية، وستشهد المؤسَّسات الأممية خلالها تغييرات عميقة، سواء على مستوى قوانينها أو على مستوى أعضائها الدائمين، لكن إذا كان الصراع الدولي يتمحور حول تنازع مراكز القوة، فما هو موقع الدول النامية فيه؟ أليس من نافلة القول إن عليها واجب بناء استراتيجياتها على إيقاع هذه التحولات التي تؤشر إلى انتقال مركز القوة من الغرب إلى الشرق؟

في هذا السياق، سأتوقف عند دولتين جارتين تحتلان موقعاً جيوسياسياً مهماً في شمال أفريقيا والمدخل الغربي للبحر المتوسط؛ دولتين اتسمت علاقاتهما بالبرود والصراع لفترات متقطعة في الزمن، منذ الحصول على استقلالهما السياسي، رغم الروابط الثقافية والدينية والتاريخية التي تربط شعبيهما، ورغم ما يمكن أن يشكل اقتصادهما من تكامل قد ينعكس إيجاباً على نماء الشعبين، وذلك بدلاً من أن تبقى علاقاتهما متأثرة بصراعات الحرب الباردة الموروثة عن صراع الكتلتين الشرقية والغربية، وذلك بين نظامين مختلفين أحدهما ملكي تابع للغرب الأوروبي في المغرب، وآخر جمهوري انطلق اشتراكياً تحررياً، لينتهي إلى نظام وطني ليبرالي في الجزائر، مع خاصية مشتركة تتمثل في تفشي الفساد وغياب الممارسة السياسية الديمقراطية في كلا البلدين، إضافة إلى ما يختزلان من مشاكل حدودية ورثاها عن الاستعمار الفرنسي، وكذا - وهو ما يثير حساسية دقيقة - احتضان الجزائر حركة انفصالية في جهة الصحراء المغربية.

يبدو أنّ النزاع ببن البلدين الجارين مرشح إلى المزيد من التصعيد في ظل الصراع الدولي الحالي، ما لم يتحسَّسا الأهمية القصوى لتصحيح هذه العلاقة بما يخدم مصلحة الشعبين الجارين، وخصوصاً مع تزايد الاهتمام بهذه المنطقة بين القوى المتصارعة عالمياً، وهو ما يمكن أن يحمل المزيد من المخاطر التي ستؤجج هذا النزاع، في حال كان اختيار علاقاتهما الدولية على طرفي نقيض من هذا الصراع الدولي. كما أنه يمكن أن يشكل فرصة لحل جميع النزاعات وبناء وحدة اقتصاديّة وسياسيّة، إذا كان اختيار علاقاتهما الدوليّة منسجماً مع التحولات الاستراتيجية في مراكز القوى الدّولية.

وفي هذا السياق، أقول إن المغرب، وتماشياً مع هذه التحولات، عليه ألا يذعن لعلاقات التبعية الاستعمارية، وخصوصاً أنه أصبح يعيش مرحلة الأفول لصالح قوى اقتصادية وسياسية عالمية جديدة ستحدد مصير العالم في المدى المتوسط.

 من هنا، عليه أن يترجم استقلالية قراره السياسي عبر انتهاج سياسات متوازنة مع الانفتاح على الصين، من أجل إقامة علاقات شراكة استراتيجية دائمة، وخصوصاً أن الأخيرة هي التي تنبأت بتصدره مركز القوة العالمي، كما عليه أن لا ينصاع إلى الضغوطات الغربيّة، وأن لا ينخدع بالموقف الأميركي الأخير والمتأخّر من القضية الوطنية، والذي جاء كخطوة استباقية من أجل قطع الطريق عليه بعد انفتاحه على الصين، واستمالته إلى صراع خاسر إذا ما ارتهن إليه.

يأتي ذلك في الوقت الذي ندرك أنّ ملفّ الصحراء المتواجد في اللجنة الأممية الرابعة، لن يحله هذا الاعتراف، بل إن مفتاح حله داخلي وإقليمي يمر عبر مسارات أساسية، في مقدمتها تفعيل الممارسة الديمقراطية ورفع نسبة النمو الذي سينعكس إيجاباً على جميع المغاربة، إضافةً إلى فتح قنوات النقاش المباشر مع الجزائر، للنظر بكل جرأة في المصالح الاقتصادية التي تعود بالمنفعة المشتركة على البلدين في أقاليمنا الجنوبية وعموم ترابهما. 

 إن توجّه الجزائر نحو الصين أثار حفيظة فرنسا والاتحاد الأوروبي مؤخراً. وقد تمثل في شراكات اقتصادية استراتيجية في إطار ما يسمى بمشروع "الطريق والحزام"، الذي شمل الكثير من القطاعات، منها الطرقات والسكك الحديدية والموانئ والطاقة، وأخيراً معامل الحديد والصلب، ورفع حجم مبادلاتهما التجارية التي بلغت أكثر من 6 مليارات دولار، واحتضان الجزائر أكبر جالية صينية في أفريقيا بلغت ما يقارب 70 ألفاً. هذا التوجه هو اختيار استراتيجي ذكي ينسجم مع التحولات الدولية، ويعكس إلى حد ما على استقلالية القرار السياسي لدى الجزائر. 

وبالتالي على الدولة المغربية الاستفادة من هذه التحولات وتوجيه مسار علاقاتها الاستراتيجية بما يخدم مصلحة المغرب في التنمية، عبر عقد شراكات دائمة مع الصين التي ستشكّل مركز القوة الجديد في العالم، بدلاً من الرهان على الطرف الخاسر، وهو ما سيعزّز إمكانية حل مشكلة الصحراء المغربية، بتحكيم الشريك الصيني المشترك لكلا البلدين عبر مشاريع اقتصادية مشتركة تعود بالمصلحة العامة على الشعبين.

أمّا رهان المغرب على الغرب الأطلسي المنسحب من الساحة الدولية لمصلحة القوى الصاعدة الجديدة، رغم ممانعته، فلن يكون لمصلحته اقتصادياً وترابياً، وسيبقي النزاع بينهما حول الصحراء مشتعلاً.

  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
تدمري عبد الوهاب

المنسق العام لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب

إقرأ للكاتب

عندما يتوقّف الزمن السياسي عند النخب السياسية الأميركية

ألا يمكن القول إنَّ أميركا فوّتت على نفسها فرصة تاريخية لكسب احترام العالم لها وتقبلها كمتزعمة...

إحياء الجبهة الأطلسيَّة: الفشل الَّذي ينتظر الإدارة الأميركيّة الجديدة بالوقائع والأرقام

هل سيستطيع بايدن فعلاً إصلاح ما أفسده ترامب في هذا الحلف الذي تضرر كثيراً بفعل سياساته التي...

أميركا بين نزعات الهيمنة وبداية انهيار نظامها السياسي

تحديد ملامح المرحلة المقبلة، سواء ما تعلق منها بالسياسة الداخلية أو الخارجية، يستدعي الوقوف عند...

التطبيع المغربي-الإسرائيلي.. قراءةٌ في الخلفيات والتداعيات

ما كان يُسمّى بالاجماع العربي والإسلامي من القضية الفلسطينية، قد انفرط بعد أن طبّعت جلّ دول...

اعتراف أميركا بـ"مغربيّة الصحراء".. ماذا بعد؟

ما سأطرحه من أسئلةٍ هو فقط من أجل تفكيك هذه المتلازمة التي رُبطت من خلالها الدولة والحكومة...

الانتخابات الأميركية.. هل من رهان على التغيير؟

ترامب حالةٌ استثنائيّة ومعقّدة لمنظومةٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ متحيّزةٍ للعنصر الأبيض التي...