"الإسلام السياسي" أزمة مصطلح ونخبة

تمتد جذور مفهوم "الإسلام السياسي" إلى مرحلة ما بعد إلغاء الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين، عندما سقط آخر نظام سياسي إسلامي على يد القوميين العلمانيين الأتراك.

  • يستند
    يستند "الإسلام السياسي" كمصطلح إلى فكرة أساسية مضمونها فصل الدين عن الحياة والسياسة

في بداية مُبكرة وغير موفقة، بدأ سياسي فلسطيني حملته الانتخابية بفرقعة قنبلة صوتية، أصابت إحدى شظاياها حركات المقاومة الفلسطينية ذات المرجعية الإسلامية، عندما قال: "كل الأطراف الموجودة لديها مشكلة مع الإسلام السياسي أو الإسلاموية السياسية". وبعيداً من المشكلة التي تحدّث عنها، فإنَّ مصطلح "الإسلام السياسي" فيه أزمة مزدوجة: الأولى أزمة مصطلح في المفهوم نفسه، والأخرى أزمة نخبة في الفئة المُستخدِمة للمفهوم.

تمتد جذور مفهوم "الإسلام السياسي" إلى مرحلة ما بعد إلغاء الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين، عندما سقط آخر نظام سياسي إسلامي على يد القوميين العلمانيين الأتراك، فانقطع حبل الخلافة الإسلامية الممتد من دولة الخلافة الراشدة، ونشأت تيارات فكرية، وتكونت جماعات إسلامية، وأُسست أحزاب إسلامية... لاستعادة النظام السياسي الإسلامي (الخلافة) إلى الوجود والحكم، برز منها تيار الجامعة الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي... 

هذه التيارات والجماعات والأحزاب اصطلح على تسميتها "الحركة الإسلامية"، في إشارة إلى كل من يسعى إلى استعادة دور الإسلام الأساسي في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات والشعوب والأمة، انطلاقاً من الفهم الشمولي للإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهاج حياة ونظام حكم، غير أنَّ خصومها من المتغربين العلمانيين العرب اصطلحوا على تسمية الحركة الإسلامية بمصطلح بديل هو "الإسلام السياسي"، في عملية "نسخ ولصق" عن أساتذتهم من المستشرقين الأجانب.

يستند "الإسلام السياسي" كمصطلح إلى فكرة أساسية مضمونها فصل الدين عن الحياة والسياسة، وهي فكرة مستوردة من الغرب الأوروبي الذي عاش ظروفاً تاريخية اصطدم فيها الدين المسيحي الكنسي مع كل مكونات الحياة، كالعلم والسياسة، فإضافة "السياسي" إلى "الإسلام" توحي بأنها ليست جزءاً منه، وكأنَّ الإسلام كدين ليس له علاقة بشؤون الحياة السياسية، وكأنَّ الحركة الإسلامية أقحمت نفسها في معترك السياسة من دون وجه حق، لتحقيق أهداف سياسية ليست من أهداف الدين، أو كأنها استغلت الدين للوصول إلى أهداف غير دينية أو وظّفته للسيطرة على الحكم. وإضافةً إلى ذلك، في المصطلح اختزال للإسلام في أحد جوانبه (السياسة)، يدل على وجود أنواع مختلفة منه، فهذا إسلام سياسي، وذاك إسلام اقتصادي، وآخر إسلام عروبي، وإسلام أميركي... 

وفي رفض استخدام المصطلح من هذا المدخل، كتب المفكر الشهيد فتحي الشقاقي: "مسألة الفصل بين الدين والسياسة جاءت في قراءة التاريخ الأوروبي الغربي الحديث... الإسلام تجربة مختلفة تماماً... فهو في جوهره، ومنذ لحظة تنزيله، نظام للحياة ليسوسها على أسس من العدل والحق والخير والكرامة والسلام. دخول الإسلام على خط الحياة كاقتصاد وحرب وإدارة ونظم واجتماع لم يكن منفصلاً أو لاحقاً، بل جاء من أجل ذلك. من هنا، إن مسألة الفصل ليست خاطئة فقط أو مُضلّلة فقط، ولكنها مستحيلة أيضاً... السياسة من منظور إسلامي هي عملية تجسيد الشريعة في دولة".

وإضافة إلى دلالة مصطلح "الإسلام السياسي" السلبية في علاقة الإسلام بالحياة، وعلاقة الحركة الإسلامية بالسياسة، ارتبط المصطلح بمفاهيم أخرى تحمل دلالات أكثر سلبية. هذه المفاهيم بضاعة غربية باعها المستشرقون الأوروبيون لتلاميذهم المتغربين العرب، منها ما استخدمه السياسي الفلسطيني في مقابلته الصحافية كمرادف لمصطلح "الإسلام السياسي"، وهو مصطلح "الإسلاموية السياسية" الذي يحمل مضامين توحي بالتطرّف والتشدّد والتعصّب، ويعد مفهوماً مُنحازاً ضد الحركة الإسلامية، يربطها بالعنف والإرهاب و"الإسلاموفوبيا"، ومنها ما استخدمه الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، عندما جعل الجزء الثالث من الكتاب تحت عنوان "الإسلام السياسي"، واستخدم مصطلح "الأصولية الإسلامية" كمرادف للإسلام السياسي، بمعنى العودة إلى الأصول الإسلامية الأولى، في سياق استعراضه جذور الجماعات الإسلامية التي استخدمت العنف ضد المجتمع والدولة في عهد السادات.

استمر الكُتّاب والإعلاميون والسياسيون من النخبة العلمانية المتغرّبة المرتبطة بالأنظمة الحاكمة المتصارعة مع الحركة الإسلامية في استخدام تلك المصطلحات والمفاهيم السلبية وغيرها، في إطار شيطنة الحركة الإسلامية، وعمدوا إلى ترسيخ خطاب الكراهية والإقصاء ضدها.

ترسيخ خطاب الكراهية والإقصاء ضد "الحركة الإسلامية" أو ما سُمي بـ"الإسلام السياسي" من النخبة المُتغرّبة، وجد من يزوده بالوقود من خطاب التيار المُتطرف التكفيري المنتسب إلى الحركة الإسلامية، الذي جاء كرد فعل على القمع الدموي للأنظمة الحاكمة المستبدة والفاسدة بحق شعبها وبحق الحركة الإسلامية، واستجابة للفهم الحرفي الجامد للنص. وقد استغلوا تطرّف هذا التيار بأجنحته المختلفة في قضايا سياسية واجتماعية وثقافية متعددة، كالمواطنة والديمقراطية والحرية والمرأة وغيرها، لاتهام "الإسلام السياسي" بالرجعية والتخلف والجمود والتحجّر.

 كما استندوا إلى ممارسات بشرية خاطئة في التعامل مع الآخر المسلم وغير المسلم، وفي الوصول إلى السلطة أو ممارستها، ليثبتوا ما أسموه فشل الإسلام السياسي، فنشروا كتباً ومقالات بعناوين تعني مدلولاتها أن "الإسلام السياسي" فشل وانتهى إلى غير رجعة، ومنها كتاب المستشرق الفرنسي أوليفييه روا بعنوان "فشل الإسلام السياسي" في العام 1992، وتبعه آخرون بعناوين مشابهة، منها مأزق الإسلام السياسي، وأزمة الإسلام السياسي، وانحسار الإسلام السياسي، وتهشّم الإسلام السياسي، وما بعد الإسلام السياسي... 

الإسلام السياسي الذي يتحدث عنه هؤلاء ليس الإسلام السياسي الذي تحدث عنه الدكتور مصطفى محمود في كتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، ومن ملامحه تجاوز الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الاجتماعي والحضاري، وهو الإسلام الذي ينازعهم السلطة في توجيه العالم وبنائه بقيم أخرى، والذي يريد أن يُحرّك الحياة بمبادئ مختلفة؛ الإسلام الذي يريد أن ينهض بالثقافة والعلم والاختراع والتكنولوجيا، ولكن لغايات أخرى غير التسلّط والغزو والعدوان والسيطرة.

إذا كانت النخبة العربية العلمانية المتغرّبة قد استغلّت تطرّف بعض الحركات المنتسبة إلى الإسلام على مستوى الفكر والممارسة، وتخبط مواقفها وتحالفاتها، وتقديم مصالحها على مبادئها، فأطلقت عليها مصطلح "الإسلام السياسي"، ثم شوّهت مضمونه وعممته على كل الحركة الإسلامية بتياراتها الفكرية المتباينة، فإنَّ النخبة الفلسطينية التي تنتمي إلى المدرسة نفسها سارت على دربها، من دون أن تدرك خصوصية الحركة الإسلامية الفلسطينية كحركة مقاومة وطنية بمرجعية إسلامية، أو حركة إسلامية قضيتها المركزية وطنية، فوضعتها في قائمة "الإسلام السياسي"، وأسقطت عليها كل مضامينها ومدلولاتها السلبية.

لذلك، رد عليهم المفكر الراحل رمضان شلح، رافضاً تسمية الحركة الإسلامية الفلسطينية بالإسلام السياسي، فقال: "نحن لسنا حركة إسلام سياسي، وأتحدث عن الحركة الإسلامية في فلسطين، وخصوصاً حماس والجهاد، ونرفض هذا المصطلح الذي نحته وصاغه الغرب وتردده أبواقه بيننا لتشويه الإسلام، لأنَّ المراد بهذا المصطلح أنَّ الإسلاميين أدخلوا السياسة في الإسلام فشوّهوه وحرّفوه. نرفض هذا المصطلح، لأنّه مُضلل وكاذب، لأنَّ الإسلام في فهمنا لا يخضع للسياسة، بل هو الذي يوجهها ويحميها من التيه والضياع، وصولاً إلى التماهي مع العدو... لذلك، نحن لسنا إسلاماً سياسياً، ولكن سياستنا إسلامية".

"الإسلام السياسي" أزمة مصطلح مستورد من الغرب، ينتمي إلى سياق تاريخي مختلف، ويستخدم كبديل من مصطلح "الحركة الإسلامية" الأصيل. وإن كان لا بد من استخدام هذا المصطلح، فإن الإسلام السياسي الذي يعرفه الأحرار يختلف عن الإسلام الذي يعرفه العبيد؛ الإسلام الذي يوظّف الدين لخدمة السياسة، فيتعايش مع الاستبداد والفساد والظلم والتبعية والاحتلال.

 الإسلام السياسي الذي يعرفه الأحرار هو الذي يجعل الدين موجّهاً للسياسة، فيدفع الناس إلى التمرد والثورة على الاستبداد والفساد والظلم والتبعية والاحتلال. "الإسلام السياسي" أزمة نخبة متغربة تستورد مفاهيمها وثقافتها من الغرب، وتنتمي إلى إطار فكري وسياق تاريخي مختلف عن إطار الأمة وسياقها، وتحتكر مفهومي الإسلام والوطنية في إطار مدرستها الفكرية السياسية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد القططي

كاتب ومحاضر في جامعة الإسراء - فلسطين

إقرأ للكاتب

ماذا خسر المسلمون بعزل المعتزلة؟

الخروج من الأزمة الحضارية يقتضي التوفيق بين العقل والنقل، والتراث العربي الإسلامي لم يغفل عن هذه...

الشتم.. تفريغ انفعالي وإفلاس أخلاقي

إن حالة الثرثرة اللسانية والضجيج الصوتي، ولا سيما الفارغ والقبيح منه، شتماً ولعناً، تُصيب الأمم...

ما زال أبو ذر الغفاري يمشي وحده

مخرج من المأزق الفلسطيني الحالي لن يكون عبر إعادة إنتاج النظام السياسي الذي قادنا إلى مأزقي...

ميشيل عفلق.. الإسلام برؤية قوميّة

وللإسلام عند عفلق دور مركزي في مواجهة التحدي الغربي الحديث للأمة العربية، وهو سبب عداء أوروبا...

فلسطين.. بين إمامين

لم يكن ذلك التاريخ ما يربط بين الإمامين فقط، فقد كانت فلسطين مُلتقاهما فكرياً وعملياً، باعتبارها...

السنّة والشّيعة.. التعايش بدلاً من التّقريب أو الصّراع

تأسَّست دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة في العام 1947، بفضل جهود علماء دين سُنة وشيعة.