"النوموفوبي": الخوف من الابتعاد عن الهاتف

الاستهلاك المفرط للهاتف الذكي حوّله من خدمة ووسيلة يمكن الاستفادة منها في حياتنا إلى قيد يحتجز حريتنا لمصلحة كبريات الشركات، ويساهم في التأثير فينا وتسييرنا.

  • بعيون الشركات العالمية الكبرى، لم يكن تنامي عدد مستهلكي الهواتف أمراً عادياً
    بعيون الشركات العالمية الكبرى، لم يكن تنامي عدد مستهلكي الهواتف أمراً عادياً

تسير رحلة الهاتف الذكي إلى المزيد من التمدّد والتغلغل في حياتنا، بعد أن أصبح شغلنا الشاغل في كل التفاصيل والأوقات. من منا لا ينظر إلى هاتفه 20 مرة في اليوم على الأقل؟ بل ربما في الساعة الواحدة!

ثمة حقيقة لا يمكن أن نتجاهلها، مفادها أن الهاتف الذكي بات واحداً من أكثر الأساسيات الحياتية اليومية أهمية. يعيش معنا أدق التفاصيل وأكثر الظروف حساسية. هو اللصيق بنا في كلّ الأماكن. من خلاله، نرى العالم ويرانا. من خلاله، نعيش الحياة بتفاصيلها. هو مخزن الأسرار وحافظ الذكريات. ما أقوله ليس شعراً أو استشرافاً للمستقبل، بل حقيقة أدركتها الأرقام، بحيث يمكن الحديث اليوم عن أكثر من 5 مليارات و200 مليون شخص يحملون هاتفاً، بحسب إحصائية قامت بها "إيركسون" للعام 2020.

بعيون الشركات العالمية الكبرى، لم يكن تنامي عدد مستهلكي الهواتف أمراً عادياً، بل أصبح حافزاً لعملية تطويرية كبيرة جرت خلال السنوات الأخيرة. واحدة من تجلياتها إنترنت الجيل الخامس والرهان على حجم الاستهلاك المستقبلي، إذ تقيّم الشركات استهلاك الإنترنت من خلال الهاتف في العام 2019 بما يوازي 10 جيغابايت شهرياً، وسط توقعات بأن تصل هذه النسبة إلى 30 جيغا في أوروبا في العام 2025، وإلى 50 جيغا شهرياً في أميركا الشمالية.

عملية التطوير التي ارتكزت على هذه الأرقام عزّزت كل ما يزيد نسبة التعلق بهواتفنا، وربطت أمور حياتنا به. لذلك، بتنا نرى تسارعاً وتنامياً كبيراً في إعداد التطبيقات التي تدرج في قائمات أسواق التطبيقات التي توفر خدمات عديدة معظمها مجاني. وقد وصل عدد تحميل التطبيقات في العام 2019 إلى 204 مليار تحميل عالمياً في العام 2019، ليتضاعف بذلك 45% عن العام 2018.

أما في العام 2020، فقد بلغ 218 مليار تحميل عالمياً، وحقّق ربحاً يوازي 143 مليار دولار. وتعد الصين الأولى بين المستثمرين في عالم التطبيقات، إذ تحوز نسبة 40% من الإنتاج عالمياً، وهي تعمل اليوم وتصبّ جهدها على تطوير تطبيقات الألعاب.

النوموفوبي

الاستهلاك المفرط للهاتف الذكي حوّله من خدمة ووسيلة يمكن الاستفادة منها في حياتنا إلى قيد يحتجز حريتنا لمصلحة كبريات الشركات، ويساهم في التأثير فينا وتسييرنا، إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن نسبة استخدام الهاتف تتراوح بين ساعتين و5 ساعات يومياً، بحسب البلدان، وهي ترتفع عاماً بعد آخر، ما يفسر ظهور مصطلح "النوموفوبي" عالمياً، أي فوبيا الابتعاد عن الهاتف التي انتشرت في عدد من البلدان، وباتت حالة اجتماعية تؤثر سلباً في سلوكيات الأفراد.

هذا ما لمسته دراسة لشركة "mozoo" المتخصصة بالإعلانات على الهاتف، إذ أشارت إلى أن أكثر من 50% من مستخدمي الهاتف في فرنسا مثلاً يقومون بالاطلاع على هاتفهم بمجرد الاستيقاظ من النوم، وذلك قبل أي شيء آخر.

أما تصفّح مواقع التواصل الاجتماعيّ، فقد بلغ في معدّل وسطي عالمي 23 متراً (نحرك إصبعنا على الشاشات لنسير على 23 متراً)، بل أكثر من ذلك، فإنّ عدد المرّات التي ننظر فيها إلى الهاتف خلال اليوم ارتفع من 52 مرة في النهار في العام 2018 إلى مرة كلّ 12 دقيقة حالياً.

لا يخفى على أحد حجم الأمور الإيجابية التي يحملها الهاتف الذكيّ لحياتنا ويومياتنا، وقدرته على توفير الكثير من العناء والجهد والوقت، لكنّه في الوقت عينه حمل الكثير من الأمور السلبية التي تجاوزت حدودها، إذ بات وسيلة للسيطرة على الناس وتوجيههم وفق رغبات كبريات الشركات التي تعمل ليلاً نهاراً على دراسة استخدامات الهواتف بكل تفاصيلها، لفهمها والعمل وفقها على ترويج أفكار وتسويق سلع. من هنا، ينبغي الحذر والتفكير في أجيال المستقبل التي نسلّمها الهاتف ونتركها معه لساعات.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد علي طه

صحافي لبناني متخصص في الإعلام الرقمي

إقرأ للكاتب

الرقمنة في الصين.. تحويل التهديد إلى فرصة

لا يمكن الحديث عن ثورة الصين الرقمية التي حصلت على مدار عقود، وما تزال، من دون الوقوف عند ما...