طوق من الإجراءات الغربية المعادية لن يثني سوريا عن إتمام الاستحقاق

تصرّ الدولة السورية على إنجاز كلّ الاستحقاقات الدستورية بمواعيدها المحددة، باستثناء الانتخابات البرلمانية السابقة في العام 2020، التي تأخّرت لأشهر بسبب انتشار وباء كورونا.

  • طوق من الإجراءات الغربية المعادية لن تثني سوريا عن إتمام الاستحقاق
    تبنّت واشنطن مؤخراً موقفاً متشدداً إزاء الانتخابات الرئاسية السورية

كان واضحاً وملموساً مع اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري السوري المتمثل في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في العشر الأخير من شهر أيار/مايو 2021 - وفق الموعد الذي أعلنه مجلس الشعب السوري بالنسبة إلى المقترعين في الخارج والداخل - ارتفاع وتيرة التصريحات والسلوكيات الخارجية المعادية لإنجاز هذا الاستحقاق، بالتزامن مع استخدام كلّ الضغوط التي لم تختلف كثيراً عما تعرّضت لها سوريا في انتخابات الرئاسية في العام 2014، وإن اختلف شكلها، "إذ شهد العام 2014 قيام الدول المعادية لسوريا، وحتى منظّمة الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاصّ إلى سوريا (الأخضر الإبراهيمي)، بممارسة ضغوط مختلفة لعدم إنجاز الانتخابات، بذريعة سيطرة المسلّحين على أكثر من نصف المساحة الجغرافية لسوريا، والتّشكيك في قدرة الدولة السورية على توفير الأمن للناخبين وعدم القدرة على نشر المراكز الانتخابية في الكثير من المدن السورية، بالتزامن مع قيام الكثير من قيادات المسلحين بتهديد السوريين، باستهدافهم العاصمة دمشق والكثير من المناطق التي ستشهد انتخابات بالقذائف"، في حين أنّ الواقع الحالي يؤكّد ممارسة الضغوط ذاتها، وحدوث الاختلاف في الأسلوب والشكل فقط، وإن كان المضمون والهدف ذاته.

وسط ذلك، وعلى الرغم من كلّ ما سبق، تصرّ الدولة السورية على إنجاز كلّ الاستحقاقات الدستورية بمواعيدها المحددة، باستثناء الانتخابات البرلمانية السابقة في العام 2020، التي تأخّرت لأشهر بسبب انتشار وباء كورونا، التزاماً منها بالحفاظ على الحياة الدستورية وشرعية ممارسة الأداء السياسي الذي تحاول الدول الخارجية استهدافه تحت ذريعة "عدم وجود الشرعية"، وهي، أي الدول المعتدية على سوريا، تصرّ في المقلب الآخر على تأجيل كل الانتخابات، بما فيها الرئاسية، حتى التوصّل إلى تفاهم سياسي لإجرائها، في ظلّ مراقبة أممية من قبل الدول التي لها تاريخ بتزوير الانتخابات في أوروبا الشرقية وعدد من الدول الأخرى في السابق.

ولتعزيز توجّه استهداف الانتخابات الرئاسية في العام 2021، ومحاولة تأجيلها لأغراض تبتغيها الدول المعتدية على سوريا، أو على الأقل محاولة عدم الاعتراف بشرعية نتائجها، سارعت هذه الدول ومن يدور في فلكها من مجاميع مسلّحة، بما في ذلك الانفصالية منها، إلى اتباع عدة وسائل ضغط مثّلت أدوات جديدة لها لتحقيق أهدافها. وقد تمثّل ذلك في:

- فرض ما سُمي بقانون "قيصر" ودخوله حيز التنفيذ في منتصف العام 2020، بهدف استهداف الوضع المعيشي للمواطن السوري، عبر تجفيف منابع الموارد المادية ودفعه إلى عدم المشاركة في الحياة السياسية، عبر الترويج لمسؤولية الدولة السورية عن تردي الأوضاع المعيشية والخدماتية، وهو ما عبر عنه بكل صراحة ووضوح المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا جيمس جيفري في شباط/فبراير العام الفائت، وقبل دخول "قيصر" حيز التنفيذ، بالقول: "إن الولايات المتحدة تعاقب النظام السوري وداعميه بسبب انتهاكاته". وأضاف: "واشنطن لن تعترف بنتائج انتخابات الرئاسية القادمة"، وهو ما يعني أن قانون "قيصر" كان مجرد أداة للضغط على الدولة السورية للإذعان للمطالب الأميركية، وفي الوقت ذاته محاصرة الدولة السورية اقتصادياً، لعدم قيامها بواجبها في ما يتعلق بإعادة الإعمار ومستلزمات الحياة اليومية، وهي تهدد بـ"قيصر 2"، في محاولة لترويع السوريين الذين يشكلون هدف الإرهاب والحصار الاقتصادي، لدفعهم، وفق الرؤية الأميركية، إلى التخلي عن دعمهم للدول والمؤسسات ومقاطعة الحياة السياسية.

- وضع شروط من قبل بعض الدول للاعتراف بشرعية الانتخابات القادمة. هذه الشروط تحمل ثغرات من شأنها التدخل في الانتخابات ومضمونها، ولها تأثير في النتائج حتماً، وفق توجهات هذه الدول، بما في ذلك ما كشفته صحيفة "الشرق الأوسط" من وثيقة تضمنت 4 شروط تبنّتها فرنسا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام السابق، وهو ما يشكّل تدخلاً في الشؤون الداخلية لسوريا، ويفرغ الانتخابات من مضمونها، ويضع البلاد ومستقبلها رهينة بالتوجهات والرغبات الغربية، "على غرار المصير الأوروبي بعد مشروع مارشال 1945".

- توظيف الإعلام بمختلف وسائله في حملة من شأنها تزييف الحقائق والوقائع منذ قرابة عام، عبر التّرويج لما سمي صفقات بين سوريا وروسيا، لتلميع صورة القيادة السورية والانتقال إلى الخطط التي سميت "ب" و"ج"، وكذلك تحريف مضمون لقاء الرئيس بشار الأسد مع الإعلاميين السوريين، ومحاولة إظهار اللقاء المفتوح بأنه تمضية للوقت فقط، وما سبقه من نشر فيديوهات عبر صفحات مؤقتة تحمل أسماء متعددة تشير بشكل أو بآخر إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة قبل تحديد موعد الانتخابات وفتح باب الترشح.

- وضع العراقيل أمام أيّ تفاهم سوريّ-سوريّ، والمتمثل في إنجاح التفاهمات بين الحكومة السورية وقيادات من ميليشيات "قسد"، وإيجاد نواة لاندلاع الفوضى والفتنة في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، بالتزامن مع قيام بعض مستشاري المبعوث الدولي إلى سوريا، غير بيدرسون، بالضغط عليه ودفعه إلى تحميل الدولة السورية مسؤولية فشل الجولة الأخيرة ومحاولة إقناعه بأن القيادة السورية تضع العراقيل أمام مسار عمل اللجنة الدستورية. 

- العودة إلى التلويح بملف الكيميائي، سواء من خلال ما ادّعته صحيفة "واشنطن بوست" منذ أسابيع عن وجود مخازن لدى سوريا لم تكشف عنها في العامين 2013 و2014، أو التحرك الغربي عبر تحميل الدولة السورية مسؤولية ما حصل في سراقب، ومن ثم تجميد سوريا من حقوقها في المنظمة، أو ربما من خلال التجهيز لافتعال مسرحيّة محتملة من قبل المسلحين في إدلب أو ريفها، ولا سيّما في ظلّ توافر دوافع للقيام بهذا السلوك الإرهابي وتحميل الدولة السورية مسؤوليته.

تكمن أسباب ذلك في النقاط التالية:

السبب الأول: وصول إدارة جو بايدن الديمقراطية إلى البيت الأبيض، وهي جزء من إدارة سابقة - إدارة باراك أوباما كانت تلوح بالخيار العسكري في ما يتعلَّق باستخدام الكيميائي - وقد تكون فرصة للتنظيمات الإرهابية وداعميها لجر هذه الإدارة نحو مثل هذا السيناريو.

يترافق ذلك مع تصعيد الصراع الأميركي الروسي في أوكرانيا واحتمال توسعه عبر الحروب غير المباشرة باتجاه ساحات نزاعات أخرى، بما فيها سوريا، وهو ما دفع وزارة الدفاع الروسية، في بيان لها، إلى استهداف قاعدة للإرهابيين أُنشئت قرب "التنف"، ما أدى إلى مقتل 200 إرهابي كانوا يمهدون للقيام بأعمال إرهابية قبيل الانتخابات، بالتزامن أيضاً مع تلميع صورة زعيم جبهة "النصرة" الإرهابي أبو محمد الجولاني لدى الرأي العام الغربي والأوروبي، بعد استضافته في إحدى وسائل الإعلام الأميركية.

قد تكون المرحلة القادمة، وفق التوجه الأميركي، متمثلة بالانتقال من مرحلة التلميع إلى مرحلة التعاون الاستخباراتي والأمني والعسكري، ولا سيما بعد إعلان الأمن القومي الروسي عن إلقاء القبض على إرهابيين تابعين لجبهة "النصرة" في القرم، كانا يخططان لعمل إرهابي ضد منشآت حيوية بالتزامن مع التصعيد الأميركي الروسي في أوكرانيا.

- السبب الثاني: اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، ومحاولة التنظيمات المسلحة ومن يقف خلفها لتقليب الرأي العام السوري والإقليمي والدولي ضد القيادة السورية، عبر السعي لتحميلها مسؤولية ذلك ومحاولة عدم إضفاء الشرعية على الانتخابات.

أكثر ما تخشاه الدول المعتدية على سوريا في حقيقة الأمر، هو تكرار مشاهد الأمواج البشرية التي شهدتها السفارة السورية في لبنان من أعداد غفيرة لسوريين شاركوا في الانتخابات في العام 2014. لذلك، من المحتمل، وبشكل يفوق التأكيد، أن تمنع هذه الدول السوريين من التوجه إلى صناديق الاقتراع، وأن تمارس ضغوطاً على الدول المضيفة للاجئين السوريين، وخصوصاً الأردن ولبنان والعراق وبعض الدول الأوروبية، لعدم السماح بإجراء الانتخابات في أراضيها.

وفي هذا السياق، تبنّت واشنطن مؤخراً موقفاً متشدداً إزاء الانتخابات، بعدما أعلن نائب المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، جيفري ديلورنتس، نهاية الشهر الماضي، أنَّ إدارة الرئيس جو بايدن "لن تعترف بنتائج الانتخابات في سوريا، ما لم يتم التصويت تحت إشراف الأمم المتحدة".

وبموازاة الموقف الأميركي، برز موقف أوروبي مشابه، إذ رفضت كل من فرنسا وألمانيا ورئاسة الاتحاد الأوروبي الانتخابات ونتائجها المستقبلية، "من دون التوصل إلى حل سياسي شامل في البلاد يكون مصدره الأروقة الأممية، وطبقاً للقرارات الدولية، وأولها القرار 2254 للعام 2015، الذي يقضي بأن تكون هناك هيئة حكم انتقالي تحضّر لدستور جديد للبلاد، وتعد للانتخابات التي تُجرى تحت إشراف الأمم المتحدة"، وذلك قبل تحديد موعد الانتخابات ومعرفة المرشحين إليها، وهو ما يؤكد أن التناغم الأميركي الأوروبي واضح في استهداف المسار السياسي السوري بذرائع متعددة، وخصوصاً تحت ذريعة أنها تجري من دون إشراف الأمم المتحدة، والتي شكّلت في السابق منصة لهذه الدول، لتزييف الانتخابات وتغيير نتائجها بما يتناسب مع مصالح هذه الدول، وليس بما يتطابق مع معايير الديمقراطية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

السوريون يتمسَّكون بانتمائهم ويقلبون المعادلات عبر صناديق الانتخابات

لا يمكن لأيّ نظام سياسي في العالم أن يجبر مواطنيه على المشاركة في الانتخابات في عدد لا يُستهان...

لماذا الأقصى اليوم أقرب؟

انتفاضة المقدسيين استطاعت تأكيد المؤكد الذي رسخته المقاومة اللبنانية بأن الكيان الصهيوني ومن يقف...

نتنياهو وعقدة التّشكيل والتّأليف

سيحتاج نتنياهو في هذه الحالة إلى صوتين يحسمان النتائج لمصلحته، في حين أنّ ساعر لن يقبل بشكل شبه...

هل نضجت الظروف الإقليمية أمام المبادرة الروسية لحل الأزمة السورية؟

بعد مرور 10 سنوات من الحرب على سوريا، فإنَّ هذه المبادرة، رغم امتلاكها مقومات النجاح، ما زالت في...

سيناريوهات مقاربة بايدن مع الملف النووي الإيراني

إلى جانب التحديات الداخلية، تنتظر بايدن ملفات حسّاسة وتحدّيات لا تقل خطورة على صعيد السياسة...

ناغورنو كاراباخ.. تفاقم الصّراعات الجيوسياسيّة

من الواضح أنه لن تكون هناك حلول جذرية قريبة للصراعات القائمة على مستوى النظام الدولي، في ظل...