وهم السّعادة

يقول عالم النفس مايكل آيسنك إن الخرافة الأولى عن السعادة تتمثل في أن "مقدار سعادتك يعتمد ببساطة على عدد الأحداث الممتعة التي تحدث لك وطبيعتها".

  • هكذا تمضي الأيام ونحن نبحث عن السعادة من دون أن نعرفها بمفاهيم واضحة
    هكذا تمضي الأيام ونحن نبحث عن السعادة من دون أن نعرفها بمفاهيم واضحة

حين توصد كلّ أبواب الحياة أمام الإنسان، ويعجز عن تأمين لقمة عيشه وقوت أبنائه، وتنعدم أدنى مقومات الحياة أمامه بعد طول معاناة، يصبح إقدامه على إنهاء حياته أمراً مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً. يظنّ أغلب الناس أن نسب الانتحار ترتفع في الدول الفقيرة والتعيسة، لكن المؤشرات تظهر عكس ذلك، إذ إن الدول الأكثر سعادة تشهد نسب انتحارٍ عالية؛ ففي الوقت الذي تنعم شعوب أوروبا بالاستقرار والأمان والبحبوحة، وتحصل على التقديمات الاجتماعية والصحية اللازمة، وتعدّ دولها من أكثر الدول سعادةً، تُسجّل فيها أعلى نسب انتحار في العالم. والمفاجئ أن النسبة تنخفض بشكل كبير في الدول الأقل سعادة.

إنَّه الحرمان النسبي الذي يجعل معاناة الأغنياء البسيطة أكثر فتكاً من معاناة الفقراء الجسيمة. تدفع الفطرة البشرية الناس إلى مقارنة أنفسهم بأقرانهم وذويهم في مجتمعهم الصغير. حين يقارن مواطن أوروبي متواضع الحال نفسه مع أفراد ميسوري الحال في محيطه ومجتمعه، سيشعر بالإحباط، وسيجد أنه يمتلك سيارة اقتصادية متواضعة وبيتاً صغيراً، بينما يقود أقرانه سيارات باهظة الثمن، ويعيشون في بيوت كبيرة. عندها، تعظم في عينه الصغائر، ويزداد شعوره بالأسى وبعدم إنصاف القدر له، لكن في واقع الأمر إنَّ ما يراه حرماناً يحسبه آخرون في دول العالم الفقيرة ترفاً ورفاهيةً.

في الضفة الأخرى من العالم الثالث، نجد مواطناً يكابد صعاب الحياة، ويقاسي شظف العيش، لكنه يصبر ويتعايش مع واقعه، كحال أهله وعشيرته، ولا يدفعه الحرمان إلى التخلّي عن حياته. إنها معاناة جماعيّة لا تفرق بين أفراد مجتمعه. لذا، يرى وضعه مقبولاً ومقنعاً، وتضفي التحسينات الطفيفة التي تطرأ على حياته أثراً بالغ الإيجابية فيه، وترفع منسوب سعادته.

هل يشتري المال السعادة؟

أثناء تصفّحك منصة "إنستغرام"، تعترضك صورة رجل ثري يستجمّ على متن يخته الفاخر في جزيرة أوروبية خلابة بصحبة زوجته الحسناء. تتأمّل في جمالية الصورة بحسرةٍ. كم ستكون سعيداً لو قُدّر لك أن تكون مكانه؟ كم ستكون مبتهجاً لو كنت تملك مالاً كافياً للتنعّم بما ينعم به هذا الثري؟! لكن هل يجلب المال السعادة حقاً؟! يقول عالم النفس دانيال كانيمان، الحائز على جائزة "نوبل"، إنّ الناس تحت تأثير ظاهرة "التركيز الوهمي" يظنّون أن المزيد من المال يمكن أن يجعلهم أكثر سعادة.

ويرى دانيال أنَّ الناس عندما يفكّرون في تأثير أي عامل منفرد في رفاهيتهم وسعادتهم، فإنهم يميلون دوماً إلى المبالغة في أهميته. أولئك الأقل ثراءً يعتبرون أنَّ الوضع المالي وحده كفيل بجلب السعادة. وتؤدي السّينما والإعلانات والتلفاز دوراً في تنميط مفهوم السعادة وتأطيره، ليبدو مرتبطاً بشكل مباشر بمقدار الثروة والرفاهية والشريك المثير والسيارة الحديثة.

وفقاً لدراسة نشرتها مجلة العلوم المتخصّصة، لا يؤدي الدخل المرتفع إلى تحسين الرضا عن الحياة، إنما قد يتسبّب في المزيد من القلق والتوتر. في بعض الحالات، قد يؤدي هذا "التركيز الوهمي" إلى سوء استثمار الوقت، إذ يخصّص المرء وقته للعمل على أمورٍ يحسب أن إنجازها سيؤمن له السعادة، ويغفل عن تفاصيل حياته اليومية الأخرى، كالاهتمام بأسرته وممارسة هواياته ومؤانسة الأصدقاء.

كان لافتاً في الدراسة أنَّ الأشخاص الذين يتقاضون رواتب عالية يقضون معظم أوقاتهم في العمل، ويزعمون أنهم سعداء، لكن عند الغوص في تفاصيل حياتهم، يتبيَّن أنهم لا يشعرون بالرضا الذاتي، وأنهم ليسوا سعداء، كما يعلنون. هذا ما جعل الباحثين يستنتجون أن الناس لا يعرفون مدى سعادتهم أو رضاهم بالطريقة التي يعرفون بها طولهم أو أرقام هواتفهم؛ فأولئك الذين يعتبرون أنفسهم سعداء، ليسوا بالضرورة سعداء، إنما ما يقصدونه هو أنهم أقل بؤساً مما كانوا عليه من قبل.

هكذا تمضي الأيام ونحن نبحث عن السعادة من دون أن نعرفها بمفاهيم واضحة. تارةً، نحسبها في اقتناء سيارة رباعية الدفع نقودها ونستمتع برفاهيتها، وتارةً أخرى نظنّها ارتباطاً عاطفياً بشريك يعجبنا. وأحياناً، نعتقد أنها تكمن في وظيفة جديدة ستنقلنا نحو مسار نوعي في المهنة. وثمة من يخال – أو تخال - أن السعادة تتلخَّص في عملية تجميل للأنف أو لأماكن أخرى، وغيرها الكثير الكثير من الأوهام التي نبالغ في التركيز عليها، معتقدين أن السعادة كامنة فيها، من دون أن ندرك أننا نسير في دوامة تبعدنا عن جوهر السعادة.

يقول عالم النفس مايكل آيسنك إن الخرافة الأولى عن السعادة تتمثل في أن "مقدار سعادتك يعتمد ببساطة على عدد الأحداث الممتعة التي تحدث لك وطبيعتها"، فمن يرغب في الوصول إلى السعادة الحقيقية، عليه الكفّ عن التفكير المستمر في أشكال مادية متصورة لها، فالسعادة هي اختيار ينبع من قرارة أنفسنا، وهو ما يؤكده الفيلسوف أرسطو بمقولته: "السعادة تعتمد علينا"، ويضيف الفيلسوف سقراط: "سر السعادة ليس في السعي للحصول على المزيد، إنما في تنمية قدرتك على الاستمتاع بالقليل".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسان شعبان

رئيس قسم المكاتب الخارجية في قناة الميادين و إداري في غرفة الأخبار

إقرأ للكاتب

هل ينبغي أن تبدأ الآن ببناء علامتك الشّخصيّة والتّسويق لنفسك؟

العلامة التجارية الشخصية أو التسويق الذاتي لم يعد ترفاً أو حكراً على أصحاب المصالح والشركات، بل...

لماذا أصبحنا تعساء؟

"التكيّف هو عدو السعادة". هذا ما يخلص إليه الباحث في علم النفس توماس جيلوفيتش، الذي توصل إلى أن...

كورونا يؤسّس لنهجٍ جديدٍ في عالم الأعمال

وقف هنري أمام بائع الآلة وقال "سأتحدّى آلتك بنفسي، فلنقم بسباق في تحطيم الصخور وإن فزت فلترحل...

كيف نواجه صنّاع التّفاهة في شبكات التواصل الاجتماعيّ؟

لا قيمة للمعرفة إن أُتخِمت بالمفاهيم المعقّدة، وصارت محصورة بالنخب وبعض المثقَّفين

صناعة الفقر.. يقنعوننا باقتناء الدواجن ليبيعونا العلف

يبرر هاردن للأغنياء السطوة على مقدرات الفقراء من دون الشعور بالذنب، على اعتبار أن الطبيعة...

حراك لبنان بين غوغائيّة الثوّار ومُكر الأحزاب

هكذا أضحت مطالب الحراك ضبابية يُناقِض أحدها الآخر، وصار المطلب الاقتصادي ثانوياً والخشية بأن...