التَّضليلُ السياسي وَوعيُ المُتلقي ووسائل التواصل الاجتماعي

الاعتماد على الإشاعة في رَفع رَصيد المقبوليّة السياسيّة، وخصوصاً في المنافسات الانتخابيّة، ومن خلال منصات المرشحين السياسيين، أصبح وسيلة فاعلة في زيادة الاستقطاب السياسي ضد الخصوم.

  • التَّضليلُ السياسي وَوعيُ المُتلقي ووسائل التواصل الاجتماعي
    الإشاعة الكاذبة أو الأخبار الزائفة هي صورة مِن صور المعلومات المُضللة

في مَطلعِ الألفيّة الجديدة، ومع بزوغ ما سُمّيَ بفجرِ الديمقراطية والحريّة السياسيّة، أبدى الكثير من السياسيين وعلماء الاجتماع في كثيرٍ من دول العالم المتقدّم والأنظمة الأقل تطوراً، تَخَوّفهم مِنْ مفاهيم ثلاثة، هي نَشر المعلومات المُضلِّلة، والاستقطابات السياسيّة، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتي إذا ما أسيء استخدامها، فإنَّها ستكون سبباً في تَقويض روح الديمقراطية، وَنَشر التفاهة، وزعزعة الفكر الواعي، وإغلاق أبواب النقاش البنّاء. 

ونحنُ اليومَ، وإن كنّا نَعيش عَصر منصّات التواصل الاجتماعي، حيثُ الأفق المُتحرر، والفضاء الرَّحِب، والسرعة في نشرِ الآراء والمعتقدات والقناعات، إلا أنَّ تجاوز العوائق الاجتماعية والجغرافية لا يعني بالضرورة نقل الحقيقة كاملة ضمن الحدود الأخلاقيّة والمصداقية والموثوقية في الدعاية والنشر، ولا يعني أنَّ المعايير الحقيقية في نقل الصورة وتثبيت الخبر لا تخضع للتشويه والتّضليل. 

لقد أكّدت العديد من الدراسات الحديثة أنّ المعلومات المضلّلة ذات البعد السياسيّ يجري تناقلها بسرعة مُذهلة في منصّات التواصل الاجتماعي، والفضل في ذلك لا يعود إلى تلك الوسائل فحسب، وإنما إلى العقول التي خَطَّطَت وصَنَعَت ونَشَرَت أيضاً، ومن ثم الوعي الذي صَدَّق ودفع إلى إعادة نَشرَ تلك المعلومات الزائفة. 

ربما يكون مِنَ الأهمية بمكان القول إنَّ حالةَ الاستقطابات السياسية هي واقعٌ مُرتبط بنشر المعلومات المُضللة، وإنَ كل الأطراف تستخدم مَواقع التواصل الاجتماعي في التأثير والتلاعب بالوعي الفردي، من أجل حشد الطاقات وتعبئتها بأسلوب يخدم البرنامج السياسيّ الواحد والرافض للآراء والأفكار المُخالفة، فَكُلُّ مَن لَيسَ معي هو في الحقيقة ضدّي! وجميع الأفكار والأيديولوجيات هي في الأصل مُنحرفة، باستثناء تلك التي أدعو لها! وهو ما جَعَل الأمر أكثر تشابكاً وتعقيداً، وخصوصاً أنَّ هذه المُرتكزات الثلاثة تدعم بعضها البعض، وتقود إلى تأجيج الوضع السياسي والاجتماعي، من خلال خلط الأوراق وتزييف الحقائق؛ فالمعلومات المُضللة تقود إلى الاستقطابات السياسيّة، وتجعل الأفراد أكثر عرضةً للتضليل السياسي. 

بدورها، تعمّق الاستقطاعات حالة التضليل السياسي، كما أنّ الجميع يستعين بوسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب الأفراد والجماعات وتحويلهم إلى أدوات لتعميق الارتباط بين هذه المُرتكزات. 

 إنَّ الوسائل التكنولوجية الحديثة، وإن كانت تَسمح لأفراد أو تيّارات ببثّ معلومات أو نشر خطابات سياسية بسهولة، وبالتالي تلقّيها من قبل جمهور واسع، إلا أنَّ هذه التكنولوجيا في الوقت نفسه قد تكون منصّة مناسبة لجهات مُتطرفة تسعى إلى نشر معلومات مُضللة، وتروّج لمصالح فئوية أو حزبية أو طائفية، وتعمل على إسقاط الأطراف المُنافسة، من أجل تحقيق مكتسبات مالية أو سياسية. 

والإشاعة الكاذبة أو الأخبار الزائفة هي صورة مِن صور المعلومات المُضللة، فالإشاعات ادعاءات تنشأ قوتها من النقل الاجتماعي نفسه، والتي تهدف بصورة أو بأخرى إلى نشر الخداع. ومهما كانت نيّة الناشر، مقصودة أو غير مقصودة، فإنَّ التأكّد منها وإثبات صحة النصّ المُضَلّل من عَدَمه، يبقى في كثير من الأحيان أكثر صعوبةً وتعقيداً، فالأخبار المزيَّفة عندما يتمّ تسريبها في مواقع التواصل الاجتماعي، تترك تأثيراً مباشراً في النتائج السياسية، من خلال حرف مستويات المعرفة، وزعزعة الثقة بالأحزاب والتيارات الوطنية، فالأخبار الكاذبة وسيلة لإنتاج مجتمع مُضطرب ومُنفصل ومُستقطب على نحو متزايد على أسس حزبية أو طائفية، الأمر الذي يجعل كَشفَ الحقائق أمراً صعباً، ومستحيلاً بعض الحالات. 

إنَّ درجةَ الخطورة في الخطابات السياسيّة المُضللة والمُوجَّهة عبر منصّات التواصل الاجتماعي مُرتبطة بوعي المُتلقّي ودرجة تقوقعه على الآراء المشابهة، وانصهاره في ارتباطات حزبيّة أو عقائدية أو قوميّة، وعزوفه عن البحث عن الحقيقة والاطلاع على الرأي الآخر. كلّ ذلك يقود إلى حالة اللاوعي في التفكير، وبالتالي يتحوّل إلى أداة تشارك في نشر المعلومات المُضللة وتعميقها، مُستعيناً بالسريّة التي توفرها منصّات التواصل الاجتماعي.

لقد أثبتت العديد من الدراسات السياسية والاجتماعية وجود علاقة وطيدة وارتباط مباشر بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومستويات المعرفة السياسيّة لدى مستخدمي تلك المنصات. هذه المعرفة تعتمد على نوع المعلومات المُتداولة وطبيعتها، ففي الوقت الذي يتمّ تداول معلومات صحيحة ونافعة في رفع المستوى المعرفي والحقائق والمفاهيم السياسية لدى المواطن، فإن التضليل والتلاعب بالرأي العام قد يكون لهما تأثير في عملية التجهيل والتلاعب بعقول وأفكار المتلقين، من دون قيود زمانية أو مكانيّة، وبمنهجيّة واحترافيّة عاليتين.

إنّ انخفاض تكاليف إنتاج الأخبار بشكل كبير، وعزوف الكثير من القراء عن تداول النصوص ذات الحجم الكبير أو ما يسمّى بـ"المحتوى التفصيلي"، أدى إلى التوجّه إلى إنتاج "المُحتوى الموجز". ولأنّ الأخير يفتقر إلى الأدلة التفصيلية، فقد استعان به الكثير من السياسيين في الترويج للمعلومات المضللة، وفي بعض الحالات برعاية جهات حكومية، إذ عَمِلَت على إعادة تَدويره وَتَضخيمه بشكلٍ مُصطنع، باستخدام الروبوتات والحسابات الآلية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى زيادة واضحة في استهلاك هذا النوع من المعلومات "المُفبركة" والمُضللة، وازدادت معها التأثيرات السلبية على مستويات المعرفة بالسياسة وتفرعاتها عند العوام من المواطنين.

إنَّ الاعتماد على الإشاعة في رَفع رَصيد المقبوليّة السياسيّة، وخصوصاً في المنافسات الانتخابيّة، ومن خلال منصات المرشحين السياسيين، أصبح وسيلة فاعلة في زيادة الاستقطاب السياسي ضد الخصوم. وقد يتعدّى الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك، فقد تعمل الإشاعات ذات الميول الراديكالية على تعميق حالة الفوضى، وتشويه الصورة الحقيقية للمنافس السياسي، الأمر الذي قد يخلط الصورة الصادقة مع الصورة الكاذبة، ويُعقّد المَشهد، لتكون النتيجة بروز طبقات سياسية لا تُمثل في الحقيقة واقع الأغلبية الجماهيرية ومتطلّباتها.

ومع تصاعد الانتقادات الواعية والرفض لكلّ أشكال المعلومات المُضلّلة ودعايات الاستقطاب السياسي، نرى بعض الشركات المالكة لمنصّات التواصل الاجتماعي تعمل على حظر الحسابات والمحتويات التي تروّج للإشاعة الكاذبة الرامية إلى تشويه الحقائق، من خلال تحديث برمجة الخوارزميات المُعتمدة لزيادة الموثوقية لدى المستخدمين، إلا أنَّ الارتباط بين تلك المؤسسات وجهات دولية وحكومية يجعل الأمر أكثر صعوبة، بل قد يقود إلى الازدواجية والانتقائية في التعامل مع حسابات مروّجي الإشاعات الكاذبة، وخصوصاً أولئك الذين تقف خلفهم أجندات سياسيّة مدعومة من دول كبرى، ليبقى وعي المتلقّي وثقافته، وخروجه من الخندقة الحزبية والطائفية، هو الخيار الأوحد في إيقاف موجات الإعلام المُضلل.

 إنَّ التفريق بينَ ما يُطلَقُ عليه "الاصطفافات الحزبيّة" أو "العقائديّة" والوعي الفكري، وما يفرضه من أهميّة التدبّر في قراءة أية معلومة أو إشاعة من أجل بناء ما يسمى بـ"الاعتقاد المشروع"، هو أحد أهمّ السُبل للحدّ من انتشار الإشاعة الكاذبة، وتحجيم دور المعلومات المضللة وخوارزميات التمزيق الممنهج، والحدّ من التناطح بين أطياف الشعب الواحد، فالرأي الصادق والوعي والفكر أصبحت جميعها مسيرة شاقة في زمن التضليل والإشاعات الكاذبة والتخوين المُمنهج في "منصات التقاطع الاجتماعي".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أكرم جلال كريم

مدير مركز التعليم العالي للبحوث والتطوير الأكاديمي (CHERAD)

إقرأ للكاتب

الحقيقة في مستنقع السياسة: التّجهيل الممنهج والخداع المبرمج

لقد تشبّث العديد من السياسيين بالكذب والخداع، معتبرين أنهما "أكذوبة نبيلة" في مدينة أفلاطون،...

الأخلاق النفعيّة والإزدواجية في السلوك الإنساني

الفِكر السّليم والمُعتَقد الصحيح والذي لا يخضع للنوازِع والغرائِز البهيمية هو وحده مَن سَيَصل...

مَن هو المُسبِّب الحقيقي للعُنف؟

العُنفُ مفهومٌ ليس وليد اليوم، إنّه ظاهِرة بدأت منذ أن خلقَ الله تعالى الإنسان، فَقَتْلُ هابيل...

خديعة الحِياد.. حينما تهرب السياسة إلى أعلى التل

يقول المُناضِل والزعيم الأميركي مارتن لوثر كينغ إن "أسوأ مكان في الجحيم مُخصَّص لأولئك الذين...

أوّل مرة تُذكَر فيها "الحريّة" في التاريخ.. كم ثمن هذه الأشياء؟

قدَّم سُقراط الحرية على أنّها "قدرة الإنسان على فعل ما هو أفضل"، بينما ربطها أفلاطون بالخير...

الخطاب الإعلامي في ميادين الصِراع .. اللعبة الخطرة

نحن في زمنٍ نرى فيه خطابات إعلامية شجاعة تنشر الحقائق، ونرى خطاباً يسعى إلى التلاعُب بالعقول.