الأزمة في لبنان أزمة نظام لا حكومة... والمؤتمر التأسيسي أفضل الممكن

لم يعد اتفاق الطائف يتماشى مع المتغيِّرات الداخلية والإقليمية، مع تغيُّر واضح غيَّر موازين القوى، الأمر الذي يحتّم البحث عن صيغة جديدة تحفظ وحدة الكيان بعد تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وتحافظ على ثرواته.

  • من احتجاجات تشرين الثاني 2019
    من احتجاجات تشرين الأول 2019

دخل تكليف الرئيس سعد الحريري تأليفَ الحكومة اللبنانية شهره التاسع، والأخير استهلك حتى تاريخه 255 يوماً مقترباً من الرقم القياسي المسجَّل باسم الرئيس تمام سلام.

فسلام تم تكليفه في 6 نيسان/أبريل 2013، وأعلن تشكيل حكومته في 17 شباط/فبراير 2014.

ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة في لبنان، ما دام الدستور اللبناني لم يحدِّد مهلة للرئيس المكلَّف لتأليف الحكومة تماماً، كما لا يحدَّد لرئيس الجمهورية مهلة لدعوته النواب إلى إجراء الاستشارات الملزمة بشأن اختيار رئيس لتكليفه تأليف الحكومة.

النواب في الطائف، عام 1988، لم يستطيعوا الاتفاق على صيغة موحَّدة بشأن مهلة التأليف، وذلك بسبب التناقضات الطائفية، وخشية كل طائفة من فقدان صلاحيات حصلت عليها بموجب التعديلات الدستورية التي نقلت لبنان إلى عهد الجمهورية الثانية بعد الاستقلال.

وعليه، ظلّ الأمر معلَّقاً على التوافق السياسي الداخلي، أو على الحاضنة الإقليمية للبنان.

إذاً، في الدستور لا إمكان لإقالة الرئيس المكلَّف، والأخير هو وحده من يستطيع الإفراج عن الحل، أي من خلال تقديم اعتذاره.

اليوم، بعد مخاض عسير بالتزامن مع الانهيار المتدحرج في البلاد بسبب الحصار الخارجي، يتّجه الحريري إلى الاعتذار في مهلة أقصاها منتصف تموز/يوليو الحالي، وفي أسوأ الأحوال مطلع أيلول/سبتمبر المقبل.

"لا بديل... ولا مغامرة جديدة"

لم يعد خافياً أن الخلاف بات عميقاً بين تيار المستقبل برئاسة الحريري، والتيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس ميشال عون، وأن زمن التسوية، التي أُبرمت عام 2016 وعاد بموجبها الحريري إلى رئاسة الحكومة في موازاة انتخاب عون رئيساً للبلاد، لم تعد صالحة اليوم، وانهارت إلى غير رجعة منذ استقالة الحريري المفاجئة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بعد نحو أسبوعين على انطلاق الاحتجاجات في 17 تشرين الأول/أكتوبر.

منذ ذاك التاريخ وبات التعطيل سيد الأحكام. فعهد الرئيس عون، الذي ينتهي في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2022، بات أشبه بعهد تصريف الأعمال بعد نحو عام على استقالة حكومة الرئيس حسان دياب بعد أيام على انفجار المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020.

وفي عملية حسابية، فإن ما فقده العهد حتى تاريخه من هدر للوقت يقدَّر بأكثر من عامين، من أصل أقل من 5 أعوام، الأمر الذي يعني أن ثلث العهد كان تصريف أعمال.

أمّا مَن المستفيد من ذلك؟ فالإجابة سهلة، والمستفيدون من ذلك هم خصوم العهد التقليديون؛ أي أولئك الذين رفضوا انتخابه عام 2016، وانضم إليهم الحريري، ومعه القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي. وفي المقابل، لم يبقَ حليف حقيقي ومخلص لعون سوى حزب الله.

وَسْط هذا المشهد المعقَّد وضِيق الخِيارات، يروّج تيار المستقبل اعتذارَ الحريري بعد اصطدامه بمعوّقات حالت دون تأليف الحكومة. ويُلقى "المستقبل" باللائمة على التيار الوطني ورئيس الجمهورية، بينما يتمسّك عون بالدستور وبضرورة احترام الميثاق، ولاسيما في تسمية الوزراء، ومعارضته أن يسمي الحريري الوزراء المسيحيين، بينما يُمنَع على رئيس البلاد تسمية أيّ وزير مسلم.

هذه العقدة الأساسية في البلاد، ومن خلفها هناك مَن يراهن على استسلام عون للأمر الواقع، ولاسيما إن حملة شعواء تتواصل ضد "العهد" لتحميله مسؤولية التعطيل والانهيار.

بيد أن كل ذلك تفصيل في ظل الأزمة الحقيقية التي تعصف بلبنان منذ سنوات. فالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون دعا صراحة إلى عقدٍ اجتماعي جديد، بينما كان السيد حسن نصر الله أول من دعا إلى عقد مؤتمر تأسيسي، وتحديداً في حزيران/يونيو 2012. لكنّ النكد السياسي في لبنان حال دون التعامل الجِدّيّ مع دعوة السيد.

إلا أن نصر الله عاد وكرّر تشخيصه الأزمةَ في البلاد، مؤكداً أنها أزمة نظام، وليست أزمة تأليف حكومة.

كلام الأمين العام لحزب الله ليس من العدم، وإنما بعد تجارب أثبتت عقم النظام الحالي. وهذا أمر معروف في لبنان.

فالجمهورية، التي تأسَّست عام 1926، لم تعرف الاستقرار السياسي حتى بعد رحيل المحتل الفرنسي عام 1943، على الرغم من إبرام ما عُرف بالميثاق الوطني الشفهي بين رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح.

النظام اللبناني دخل في أزمات بَدءاً بعام 1952 وما عُرف بـ"الثورة البيضاء"، التي أطاحت الخوري وأوصلت كميل شمعون إلى الرئاسة، بيد أن التحاق الأخير بالمحور الأميركي و"حلف بغداد" أدى إلى ثورة مسلّحة وضعت حداً لطموح شمعون إلى التمديد، على غرار سلفه الخوري، ومهَّدت الطريق لقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب ليكون أول عسكري رئيساً للجمهورية، وليترك إرثاً كبيراً نقل لبنان إلى مصاف الدول، من خلال سلسلة تشريعات أرست دعائم دولة القانون والمؤسسات، من خلال الهيئات الرقابية. في موازاة ذلك، شرع شهاب في سلسلة خطوات لوضع حد للتمييز المناطقي وسبر أغوار المناطق المحرومة، من أجل تحديد الأولويات، والشروع في الإنماء المتوازن، باعتباره مدخلاً للإصلاح وتعميق الانتماء الوطني.

لم يُكتب لشهاب النجاح في خطته بسبب تحالف الكتل المناوئة لتحرير النظام من الزبائنية.

بيد أن البلاد دخلت مرحلة خطِرة مع تكريس دعائم النظام الرأسمالي، وجنوح الطبقة الحاكمة إلى إنهاء دولة الرعاية، الأمر الذي تسبّب ببدء شرخ كبير بين الفقراء وأصحاب الرساميل المتحالفين مع الطبقة الحاكمة التي شكلت حماية لهم.

انفجر الصراع حرباً عام 1975، ثم بات لبنان مشرَّعاً أمام التدخلات وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، إلى أن جاء اتفاق الطائف ووضع حداً للحرب.

لم يكن ذلك الاتفاق سوى تسوية على الطريقة اللبنانية. والأكثر من ذلك أنه بات هجيناً في الشكل كما في المضمون. ولم يكن هناك إمكان لتصحيح الخلل في بنوده، مع تكرار معزوفة أنه لم يطبَّق كاملاً.

في المحصِّلة، ترنَّح "الطائف" عام 2005 بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ودخل لبنان عصر التسويات الموضعية التي أثبتت فشلها في إنتاج طبقة سياسية تمنع الهدر وتحارب الفساد وتؤمّن حُسن التمثيل في البرلمان.

وأكثر من ذلك، لم يعد اتفاق الطائف يتماشى مع المتغيِّرات الداخلية والإقليمية، مع تغيُّر واضح غيَّر موازين القوى، الأمر الذي يحتّم البحث عن صيغة جديدة تحفظ وحدة الكيان بعد تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وتحافظ على ثرواته. لكنّ السؤال: ما هي الدولة التي ستستضيف ذلك المؤتمر؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك من دون "غبار ودخان"؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عباس الصباغ

محرر ومراسل في قناة الميادين