يا فخامة الرئيس... ميلاد مجيد

يا فخامة رئيس الولايات المتحدة الأميركية لكي تشعروا بروح عيد الميلاد، عليكم أن تنطلقوا من هناك، من فلسطين المُحتلّة. فلسطين التي تنتظر أن تفكّوا قيود رجالها وتُحرّروا نساءها، التي اشتاقت إلى سماع أصوات أطفالها يلعبون في حقولها، يُخبرون حبّات ترابها قصصهم المؤلمة... إنها تنتظر أن تعيدوا لها إسمها، هويتها وشعبها.

الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب
لفتني بعد انتخابكم رئيساً للولايات المتحدة الأميركية فيديو تمّ تناقله على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر فيه فخامتك في  إحدى المُناظرات السياسية وأنت تؤكّد استبدال عبارة "أعياد سعيدة" بـ "ميلاد مجيد" لأنك تريد أن ترى الميلاد في كل مكان وأن تشعر به.

ولكن يا فخامة الرئيس ماذا يعني عيد الميلاد؟ وكيف يُمكنكم الشعور به؟

بالنسبة لي، كفتاة مسيحية ولدتُ في لبنان حيث قام يسوع المسيح بعجيبته الأولى في قانا الجليل، إنّ ولادة الطفل يسوع لا تُشبه ولادة أيّ طفل آخر. فهو الذي تجسّد من الروح القُدس في أحشاء مريم العذراء يوم بشّرها الملاك في مدينة الناصرة، وولِد في مذود فقير في مغارة بيت لحم... فاجتمع حوله الرُعاة والمجوس، الفقراء والأغنياء...

 فهل تعني لكم الناصرة شيئاً؟ وبيت لحم؟ هل تعرفون أين تقعان؟

في فلسطين... فلسطين المُحتلّة التي تُسمّونها "إسرائيل".

فلكي تشعروا بروح عيد الميلاد، عليكم يا فخامة الرئيس أن تنطلقوا من هناك، من فلسطين المُحتلّة. فلسطين التي تنتظر أن تفكّوا قيود رجالها وتُحرّروا  نساءها، التي اشتاقت إلى سماع أصوات أطفالها يلعبون في حقولها، يُخبرون حبّات ترابها قصصهم المؤلمة... إنها تنتظر أن تعيدوا لها إسمها، هويتها وشعبها.

وكونوا على يقين أن طفل المغارة لا ينتظر من فخامتكم أن تزيّنوا له الشوارع بأكثر الأضواء برقاً، ولا أن تكتبوا على واجهات المحال والمطاعم "ميلاد مجيد"، ولا أن تحضّروا أفخم الحفلات لتلبس نساؤكم أثمن المجوهرات والأثواب... إن طفل المغارة لا يُريد منكم أن تغسلوا أياديكم وكأنكم أبرياء... فالدماء ليست الدليل الوحيد على ارتكاب الجريمة، لأن مَن يُخطّط ويموّل مُجرماً خطيراً ببذّة فاخرة وابتسامة حادقة. إن طفل المغارة ينتظر من فخامتكم أن تكفّ أياديكم عن تمويل الجماعات الإرهابية، وأن تستخدموا قوّتكم الدبلوماسية لوقف الحروب. ينتظر أن تفتحوا أبوابكم لإخوتكم في الإنسانية. فهو يُريد أن تُعيدوا أطفال العراق إلى أرضهم، ليبنوا بيوتهم التي هدمتها وحوش التنظيمات الإرهابية، لعلّهم يشعرون بالدفء والأمان. يُريد منكم أن تُعيدوا أطفال سوريا إلى شوارعها الأثرية، فيزيّنونها بضحكاتهم البريئة قبل أن يخطفها الخوف والحرمان. ويُريد منكم أن تتركوا لبنان ينعم بسيادته بعيداً عن تدخّلاتكم حتى يكبر أطفاله حاملين راية الاستقلال.

إن المسيحي، يا فخامة الرئيس، لا يعبُد المال ولا يشتهي النساء، لا يرفض أخاه الإنسان ولا يتمسّك بالمراكز الدنيوية. إن المسيحي يُحب من دون مقابل ويُعطي من ذاته كل ما يملك، يُضحّي في سبيل سعادة الآخر من دون أن يسأل عن دينه أو لونه أو هويّته، لأنه يؤمن أن وجوده في هذه الدنيا ليس إلّا طريق عبور إلى الحياة الأبدية حيث الراحة والسلام. إن المسيحي يُحب أخاه المسلم لأنه يعلم أنهما أبناء الله، فيعيشان معاً بلا خوف ولا شكّ، بل بثقةٍ وإيمانٍ أنهما سوياً يكونان أقرب الى قلب الله. إن المسيحي يفتح باب منزله للمهجّرين لأنه يعيش كلمة الله، فلا ينطق بها فقط لإشعال غرائز جمهور، بل يُنفّذ وصية الله "كنتُ غريباً فآويتموني".

فيا فخامة الرئيس، كفاكم مُتاجرةً باسم يسوع المسيح وكفاكم استغلالاً لذكرى يوم ميلاده... ولا تدّعون أنكم مسيحيون وأنتم لا تعرفون عن المسيحية سوى إسمها وبعض تقاليدها. إن المسيحية لا تكتمل من دون الإنسانية. وصيّة الله لكم ولنا: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات". فاسمحوا لنا أن نعود أطفالاً غير حاقدين على تصرّفاتكم، وكونوا أطفالاً بقلوبكم وضمائركم، لعلّ طفل المغارة يبتسم لكم ولنا ويرضى عنكم وعنا. فنقول معاً: ميلاد مجيد!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سينتيا بدران

صحافية لبنانية

إقرأ للكاتب

لي جيشٌ عظيم ومسؤول قياديٌّ بامتياز

بعد أن أصبح كلّ لبنانيّ مُحلّلاً سياسياً، بات اليوم كلّ مواطنٍ مُحلّلاً عسكرياً! ما هي دقائق...

الطفلة الحديدية خَتْمُ الحرب يُطبَع على وجهها

هل ستبقى وفاء سعيدة؟ وإلى متى ستظلّ قوية؟ هل خضوعها لعمليّات التجميل من أجل ترميم ملامِح وجهها...

سحر المُجوهرات في رسالتها

مَن مِن النساء لا تُحب المُجوهرات؟ مَن مِنكنّ لا تبحث عن الحلّي التي تليق بعُنقها؟ ومَن مِن...