في الجرود.. قصصٌ لا تُحكى

الأرض هنا لا تُشبه أيّ مكان آخر، وحدها حرارة الشمس الحارقة تحكي سُمرة الجباه، وزنود اعتادوا على رفع العتاد وثقل الحديد، وتسلّق التلال والصخور، وعيون ترتسم فيها شقوق حمراء من شدّة الغبار، أو سعال يأتي ويرحل بين الحين والآخر. يقف (غريب) مُسلّماً على رفيقه، الذي يتواجد منذ أكثر من شهر في المنطقة. يسأله عن عودته، يبتسم فلا يُجيب. ضحكته (الهلوودية) رُسمت لدى طبيب أسنان. وهي مُكلِفة حتماً. هؤلاء رجال يحبون الحياة، عكس ما يشيع البعض.

وحدها الملاحم البطولية ترسم الحدود
وحدها الملاحم البطولية ترسم الحدود
صباحاً، استقلّينا سيارات المقاومة، عبرنا في أحياء شعبية قبل الوصول إلى جرود عرسال، ودُعاء الأطفال لا يُفارقنا، "الله يحميكن".. نادى الأطفال مخاطبين المقاوِم الذي كان يقلّنا إلى الجرود. حين تجلس بقربهم، لا تكلّ ولا تملّ عن طرح الأسئلة "الحشرية" و"المملّة". تنهل منهم لتعرف أكثر فلا ترتوي. لا تخلو الطرقات من معالمٍ أوحشتها المعارك مع المسلحين، يشرح فيها "غريب" (الإسم العسكري) عند كل خطوة مجريات المعركة. ومع عبارات صبغتها لهجته البقاعية، قصص تضيع فيها، فهي كثيرة. ملئية بالدهشة والحب معاً. ليس لاندفاعهم نحو القتال فحسب، فلقد "كان هنالك فائض بعدد المقاتلين"، إنما لصدق روحانيتها. قلّة هم الراضون في الجرود، فقد التحقوا بجبهة القتال وهذا ما يتمنّوه. أما الخائبون فهم كُثُر، الذين لم يأتِ دورهم بعد. يتسابقون واحداً تلو الآخر لحجز مكان. القوّة هي لغة هذه الأرض، و"الروح هي التي تقاتل". السنّ لا يهم، المستوى العلمي كذلك، فهم شبّان ورجال، مهندسون وطلاب مدارس. الرابط الوحيد بينهم هو روح المقاومة.


الأرض هنا لا تُشبه أيّ مكان آخر، وحدها حرارة الشمس الحارقة تحكي سُمرة الجباه، وزنود اعتادوا على رفع العتاد وثقل الحديد، وتسلّق التلال والصخور، وعيون ترتسم فيها شقوق حمراء من شدّة الغبار، أو سعال يأتي ويرحل بين الحين والآخر. يقف (غريب) مُسلّماً على رفيقه، الذي يتواجد منذ أكثر من شهر في المنطقة. يسأله عن عودته، يبتسم فلا يُجيب. ضحكته (الهلوودية) رُسمت لدى طبيب أسنان. وهي مُكلِفة حتماً. هؤلاء رجال يحبون الحياة، عكس ما يشيع البعض. لكنه ربما ينتظر موعد الشهادة؟ ويأبى مُفارقة المكان قبل تحقيق الهدف. شاب آخر حضر إلى أرض المعركة في سيارته الخاصة، الباهظة الثمن (أف جي كروزر أي أكثر من عشرين ألف دولار) ليتنقّل بها، فتجد آثار الرصاص عليها. يدحض ورفيقه بذلك كل مقولة الـ500 دولار. أيّ تفاهة هذه. رجل خمسيني آخر بين مجموعة على الحاجز، لم يمنعه سنّه من القدوم. اندفاعه للواجب المقدّس لا يقلّ عن أّي شاب موجود هنا. لقد قرأنا عن هؤلاء في الصُحف. رأيناهم في شاشات التلفزة. لكنّ وقع الأمر في الحقيقة مختلف. كل ذلك حقيقة. لا يمكن لقنوات النفط تشويهها.


في الطريق، مواقع للمُسلّحين أُحرقت قبل الإنسحاب. تلك كانت تحكي ألف حكاية. تحصّن التكفيريون في مقالِع الحجارة. حوّلوا هذه الأرض إلى بؤرة لتفخيخ السيارات، وإطلاق الصواريخ على القرى والمدن اللبنانية المحاذية. خلف هذي التلال مغارة. فيها حكايات أخرى، تبدأ من سلالم التعذيب التي استخدمها المسلّحون طيلة فترة وجودهم في الجرود. أشرطة الكهرباء الموجودة بقربها، تشي بعقابٍ كان يتلقّاه أسرى الجيش اللبناني و"المرتدّين عن الطاعة". طُرُق تعذيب أشبه بتلك التي استخدمها جيش لحد قبل عشرات السنوات. غرف نوم الأسرى تكاد تشبه القبور. لا تتّسع لأكثر من "جثّة". حبوب مهدّئ الأعصاب في كل مكان. تجدها فارغة وعلى شتّى أنواعها، فقد استنفدها المسلّحون في تفريغ ذُعرهم أيام المعركة. دروس دينية هنا وهناك، لا تعدو كونها كلمات على ورق. لا بأس ربما استُخدمت لإشعال النيران، وحفظ الأشياء. أي شيء، إلا التطبيق. على لوح صغير بين الصخور كتب المسلّحون عبارة "لا يدخل الجنّة كل نمّام"، لهذه العبارة تحديداً سبب واضح. التشتّت بينهم كان كبيراً وقد وصل حدّ الفتن. الردّ كان للمقاومة بوسْم كُتب إلى جانبها: "هنا هُزموا"، وعند إحدى الخيم كتب أحد المقاومين ممازحاً: "أبو تارك التلّي". لروحهم المرحة دور أيضاً في رسم الانتصار. وفي الجانب الآخر، خلّف المسلّحون وراءهم الكثير من العتاد والثياب و"الخيبات" اللامتناهية.


تجلس معهم لتناول وجبة طعام، بعد نهار شاق تحت حرارة الشمس. تسأل نفسك، ما بال الذين أمضوا أياماً على هذه الحال؟ وهم في خضّم المعركة؟ بينما نحن هنا في "نزهة ما بعد الانتصار"! وقد قاسينا الحر والغبار والسير بين التلال. الطعام يشبه الوجبات التي نراها في الصوَر. القليل من الرز وقطعة دجاج. أو معلبات جاهزة. الكيك والعصير للتحلية. لا يكتمل المشهد من دون فنجان قهوة، ذات رائحة طيبّة، ورائحة الحطب ممزوجة به، أشبه برائحة البارود. المكان يفرض قوانينه. كان ذلك كلّه في معرض الألفة التي سادت بين الحاضرين. تجلس خلف الساتر الموضوع بينهم وبين عدسة الكاميرا. كيف لها أن تنقل كل ذلك؟ وبين ثنايا هذه المشهدية، تجد في كل خطوة قصصاً سطّرها الشهداء بدمائهم. ثمة ما لا يمكن وصفه بعبارات خجولة، فالعِبَر كلها تكُمن في التفاصيل. وبين هذه الأسطر لا متسّع للملمة الذاكرة. وحدها الملاحم البطولية ترسم الحدود.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
إيمان بشير

صحفية لبنانية

إقرأ للكاتب

جبل صافي.. المقاومة تكشف دروبها السرّية

افتتحت المقاومة الإسلامية في الأسابيع الماضية مسيراً جهادياً جنوبي لبنان تحت عنوان "درب صافي...

حزب الله حاضر جنوباً، بعد 5 سنوات من الحرب في سوريا

لا يزال الأمين العام لحزب الله يرسم قواعد اللعبة العسكرية في جنوب لبنان، لا يزال يصنع بخطابه...