مُناصِرون للعبوديّة في القرن ال 21 ورمْز بلادهم تمثال الحريّة

منذ أيّام، جرت مُناوشات دمويّة بين المُناهضين للعُنصريّة والمُؤيّدين لها، في شارلوتسفيل. ونحن في القرن ال 21 لا زال هناك مُؤيّدون للعنصريّة. نزلوا إلى الشّارع، مُحتجّين على قرار المدينة بإزالة تمثال الجنرال "روبرت لي" أحد رموز الحرب الأهليّة الأميركيّة، المُؤيّد آنذاك للعبوديّة والمُعترِض على رغبة الرئيس "إبراهام لنكولن"

أثناء عملية إزالة نصب روبرت لي التي تسببت بالمواجهات في شارلوتسفيل
بات بعض المواطنين في العديد من المدن والولايات الأميركيّة، يعتبرون وجود نُصُب تعود إلى قيادات "الكونفدراليّين الجنوبيين" في ساحاتها العامّة، ما هو إلا تشبّثاً بالمبادئ التي كانوا يُمثّلونها أيّام الحرب الأهليّة (1861_65) حين أعلنوا انشقاقهم عن الرئيس الأميركي المُنتخَب "إبراهام لينكولن"، مُعترضين على محاولاته تحرير العبيد، مُصرّين على الإبقاء على سياسة العبوديّة، ما أدخلهم في حربٍ أهليّة.

منذ أيّام، جرت مُناوشات دمويّة بين المُناهضين للعُنصريّة والمُؤيّدين لها، في شارلوتسفيل. ونحن في القرن ال 21 لا زال هناك مُؤيّدون للعنصريّة. نزلوا إلى الشّارع، مُحتجّين على قرار المدينة بإزالة تمثال الجنرال "روبرت لي" أحد رموز الحرب الأهليّة الأميركيّة، المُؤيّد آنذاك للعبوديّة والمُعترِض على رغبة الرئيس "إبراهام لنكولن"، بإزالتها. في إطار هذه الأحداث، عبّر الرئيس الأميركي ترامب، بتغريدة عبْر تويتر، عن أسفه لإزالة ما سمّاه "الجمال" واعتبر في تغريدة لاحقة، أن المرء يتعلّم من أخطائه ولكن لا يستطيع تغيير التّاريخ، فهل تعلّم الأميركان في يومٍ من أخطائهم، أن اعتبروا أنفسهم قد أخطأوا يوماً ما؟

متاحف تحكي العبوديّة والعُنصريّة في بلد الديمقراطيّة

ربّما نوافق على عدم تحطيم تلك النُصُب والتّماثيل، للمُدافعين عن حُكم العبوديّة، ونقترح أن تُنقَل إلى متحفٍ يحكي تاريخ العُنصريّة والعبوديّة في أميركا، ولا ننسى أن نشأة أميركا نفسها، كانت، على أنقاض شعب أُبيد بأكمله، ألا وهو شعب الهنود الحُمر؛ فهل سيلحق كريستوف كولومبس الحساب؟

 

من طاعون الهنود الحُمر إلى كوليرا اليمن

حين قرأت عمّا يجري في شارلوتسفيل، تساءلت: هل لا زال هناك، في الجهّة الأخرى من الكرة الأرضيّة، ضمير حيّ؟ حيث لا زال صدى أنين الهنود الحُمر، حين أتت جماعة كريستوف كولومبس برفقته، على حين غرّة، مُصطحبةً معها الطّاعون، وافتعلت المجازر بشعوب بريئة معزولة عن العالم، ترقص مع الذئاب وتغنّي للقمر والنجوم، أغاني تحسبها صلاة، تحسبها مُناجاة عاشق لإله، أو مُناجاة مُتَيّم بحبيب من قبيلة أخرى..

هل سيُحاسَب النّازيّون الجُدُد، كما يجري الآن من مُحاسبة للنّازيّين القدامى، بتحطيم تماثيلهم؟ هل سيُحاسَبونهم قبل أن يصبحوا أصناماً، وتماثيل، على شهوتهم التي لا تضعف لإراقة الدّماء في بلادنا، أم هم لا زالوا تحت عتمة إعلامهم، لا يدرون ما فعل سفهاؤهم بنا وبحضاراتنا؟

في بلاد رمزها تمثال الحريّة، هناك مَن يُدافع عن العُنصريّة، وعن عصر العبوديّة. أليست هي بلاد العجائب؟   

نُصُب النّازيين وكنوزنا المُبهِرَة

يأسف رئيس أميركا، على نُصُب النازيين التي تتحطّم، واصفاً إيّاها ب"الجميلة"، وما دام يُدرك أن جمالاً في الدنيا ، فماذا نقول عن إرث جدودنا الذي تحطّم، على أيدي جنودهم تارةً، وعلى أيدي إرهابييهم تارةً أخرى؟ يأسف دونالد ترامب على بعض التّماثيل التي لا تمّت إلى الجمال بصلة، فماذا نقول عن الإبهار في كنوزنا التي يعود تاريخها، إلى ما قبل ولادة بلادهم بآلاف السّنين.

هل ستنتبه شعوبهم وبعدما فات الكثير من الأوان، للجرائم والمجازر التي ارتُكِبَت بحقّنا وبحقّ حضارتنا؟

جلجامش، وزنوبيا، وعُمَر المُختار..

دمر الإرهابيون العديد من الأوابد التاريخية في تدمر السورية
الشّارع الأميركي تستعر ناره، ما بين مُؤيّد ومُطالب لإزالة نُصُب وتماثيل المُحاربين، وما بين مُعارِض، من قِبَل النازيين الجُدُد، في وقت غزّى محاربوهم الجُدد أيضاً، ورؤساؤهم وجنرالاتهم بأسلحتهم الفتّاكة، العراق وأُتْلِفَت متاحفها، وتماثيلها، وما لا يُعدّ ولا يُحصى من آثارها وحضارتها، حضارة تعود لأكثر من خمسة قرون ق.م. وملايين من شجر النّخيل، وأعذبه. وكُتُب.. وأقدم الملاحم في التّاريخ، "جلجامش" وفلسفة الخلود، وأسئلة وجوديّة..  
أكملت حكومة بلاد العمّ سام، وأنزلت حقدها على بلاد زنوبيا، ودمّرت على أيدي الإرهابيين التي صنعتهم، قلعة تدمر، وما أبقت من حضارة سوريا، وحلب الحضارة، ومعلولة المسيح ومريم، وأصداء شعر المتنبّي في أحيائها القديمة وأسواقها التي يعبق فيها التّاريخ. بيوتها وقناطرها وشبابيكها، وأحجار صامِدة من آلاف السّنين، وأُعْدِم المعري بقطع رأس تمثاله..  مرّت الطائرات الحربيّة، لما سُمّي ب"التّحالف الأطلسي" ونيران حقدها، على ليبيا المقاومة. دمّرت وقتلت.. وعُمَر المُختار، وقف شامخاً تحت المقصلة، وما ركع.. وبترول.. وما أخفاه التعتيم الإعلامي من تخريب ونهب، هو مُرعِب!!.. 

أرض بلقيس والبخور

دار الحجر من روائع الفن المعماري في اليمن
تجلّى حقد، وقُبْح، المُحاربين والنّازيين الأميركيين الجُدُد، في اليمن. اليمن، التي انحدر أغلبنا في الدّول العربيّة من أرضها وترابها؟

دُمّرت اليمن. آلاف المباني والمعالِم الحضاريّة والأثريّة. سدّ مأرب، وهو من أقدم السدود في العالم، ودليل على تقدّم الفكر الإنساني بتلبية حاجاته. يعود تاريخه إلى الألفيّة الأولى ق.م. بل ربّما وصل في القِدَم وكفكرة بدائيّة، إلى القرن الثّامن ق.م. وآثار "عرش" بلقيس، وخطواتها، ولمْعة ذكائها، والكثير من الشّواهد التّاريخيّة، التي تعود إلى ما قبل التّاريخ، أقربها من خمسة آلاف عام. اليمن، عبق البخور والقهوة، والتّوابل، والسّعادة، أصبح يعبق بالكوليرا.. في اليمن مرّت سلطانات حكمن بحكمة وعدل، قبل أن يأتي عصر عارضات أزياء هوليوود، اللواتي تَمُتْنَ جوعاً، حفاظاً على عظامهن الناتئة، من أجل عرض فساتينهن، فأضحت شعوبنا في اليمن والصّومال والسّودان وغيرها من البلاد، ناتئة عظامهم، كي تشبع حكومات بلاد بوش، وأوباما، وترامب وما قبلهم.. نُهِبَت كنوز بلادنا، ولم يشبع حقدهم، من تحطيم الكثير منها..

ويتحدّث ترامب عن الجمال!؟ فنضع له أيقونات تضحك ساخِرة..

 قبل أن تُبنى ناطحات السّحاب النيويوركيّة، كانت وبأجيال وقرون، مباني اليمن شاهقة، في الجبال وعلى الصّخور التي نحتتها الطّبيعة، وبقدر صلابتها، كان قصف الطائرات الأميركيّة السعوديّة وباقي الحلفاء، لئيماً، همجيّاً.

ويتحدّث ترامب عن الجمال!؟ أيقونات تضحك ساخِرة..

هل سيغتالوا إبراهام لنكولن من جديد؟

تمثال لينكولن الموجود مقابل الكونغرس في واشنطن
على ضوء ما يجري، من إزالة، وتحطيم لأصنام المُحاربين القُدامى، هل سيصل الدّور، إلى تمثال لنكولن، الموجود مُقابل الكونغرس في واشنطن، ليحطّمه النّازيّون الجُدُد، مُنتقمين لأساتذتهم القُدامى، الذين تآمروا على قتله واغتالوه، بأيدي الجاسوس الكونفدرالي "جون ويليكس بوث" أم ستتمكّن جماعة مُناهضة العنصريّة والعبوديّة، من حمايته؟

هناك أمام تمثال إبراهام لنكولن، نطق "مارتن لوثر كينغ" عبارته الشّهيرة "عندي حلم".. أمّا هنا، فسأفشي أنا بحلمي الذي سَيُعتبر وَهْماً: سيتغيّر الوضع العربي ونعود لبناء حضارتنا الحديثة، طالما لسنا نحن مَن صَنَعَ الإرهاب، بل يوماً بعد يوم نقضي عليه، بيدنا الطائلة

تماثيل بتوقيع ترامب، لمَن هدم حضارتنا وافتعل بنا المجازر

هل يسقط تمثال الحرية كما سقط برجي التجارة؟
منذ أيّام وقّع رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة، ترامب، على قانون جديد، لتشييد نُصُب تُخلّد أفراد القوّات المسلّحة الأميركيّة، الذين قضوا حسب تعبيره، خلال مشاركتهم في الحرب الدوليّة على الإرهاب!..

هل هو ردّ على مُناهضي العُنصريّة والعبوديّة، في بلاد الأحلام، التي حوّلت العالم إلى كابوس؟ وهل سيسقط تمثال الحريّة، كما سقط البرج التّجاري، على أيدي أحد الذين تربّى بين أيديهم، وأوهموه، أن الدّين هو قتل الأبرياء، وتحطيم كل ما هو جميل؟ أسئلة تُطرح على الباكي على جمال نُصُب النّازيين.. نهدي إليه أيقوناتنا السّاخِرة.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سهى صباغ

كاتبة لبنانية

إقرأ للكاتب

عالم المنطق يرحل، ويترك لنا عالماً لا منطق فيه

عادل فاخوري كان أستاذاً أكاديميّاً شاطراً بتفسير علمه، الذي يُعتبر من أصعب العلوم الموجودة في...