هواء الجليل..

إن ما يحصل في المُخيّمات الفلسطينية في لبنان "وضْع غير مُريح"، فقد أورد المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني في تقرير له أن "ربع اللاجئين البالغين من الفلسطينيين فقدوا الأمل بالمستقبل"، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وعدم توافر فُرَص العمل، أو قلّتها، وصعوبة إكمال المسيرة التعليمية، والمستقبل المجهول بعد التخرّج.

ربع اللاجئين البالغين من الفلسطينيين فقدوا الأمل بالمستقبل
يُشكّل الشباب الفلسطيني في لبنان العنصر الأكبر من مكوّنات المجتمع (46.5%)، بحسب دراسة ميدانية أعدّتها مؤسّسة حقوقية مؤخراً، فإن هموم هؤلاء الشباب كثيرة جداً ومُعقّدة جداً، وتغيب عنهم قضية مُختصرَة بكلمتين، "أفق الحياة". فالواقع الصعب يضيف على فئة الشباب خصوصاً في المُخيّمات الفلسطينية مُعاناة مُزدَوِجة، تُعيق تحقيق طموحاتهم المشروعة. فغدا هؤلاء يعانون الإحباط ويسود بينهم شعور عام بالخوف والقلق، وإلى نوع ما عدم القدرة على التكيّف مع المجتمع. ولهذا يرى العديد من الشباب الفلسطيني الذي ما فتيء يسعى إلى الهجرة، باعتبارها محاولة للتخلّص من الواقع البائِس وفرصة لتحسين ظروفه وظروف عائلته.

 ورغم الواقع الصعب للشباب الفلسطيني في المُخيّمات، إلا أنهم لا يتركون فرصة إلا ويلتقطونها من أجل الوصول إلى الحدود مع فلسطين وتحقيق حُلم العودة، خصوصاً عندما سنحت الفرصة بالاقتراب من الحدود في مسيرة العودة الشهيرة، اختار الفلسطينيون بمن فيهم الشباب الذهاب إلى الحدود مع فلسطين المحتلة واستشهد بعضهم..

رغم بُعد المسافة الجغرافية من مخيّم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا، عن حدود فلسطين المحتلة، إلا أن أهل المُخيّم تشتعل في دواخلهم نيران عشْق العودة إلى الديار التي اقتلع ذويهم منها الاحتلال الإسرائيلي في العام 1948، وأصبح أهل عين الحلوة كما الطفل ينامون على أكتاف حيفا، وبحضْن عكا، يتنفّسون هواء يافا. ويسعون إلى العودة إلى أرضهم وترك مكانٍ هو من "الغلاف إلى الغلاف مُخيّم"؛ لأنه عندما لجأ اللاجئون إلى المُخيّم كانوا نحو 15 ألف نسمة من قرى الجليل في شمال فلسطين، وأصبحوا 120 ألفاً، معظمهم تشتعل فيهم نار الحنين للعودة إلى "البصة"، و"دير القاسي"، و "الزيب"، و"إجزم"، و "دير غزال" و "ياجور"، وترْك الخيام و"الزينكو" وكل منازل المُخيّم.

عند الاقتراب من فلسطين تشعر أن نُسيمات الهواء مختلفة؛ فالسماء صافية، والأرض مُبتهِجة، والطيور غير خائفة.. واللاجئون وحدهم يقفون هناك على "ناصية الحُلم" يقاتلون. يقاتلون بذكريات الأجداد وروايتهم، فتكرج إلى الأذهان في غمرة الشوق ذكريات ما قبل اللجوء التي تحدّث عنها الآباء والأجداد عن السنين الخوالي، وعن بلاد كانت تنام على كتف الجبل، وينتقل هواؤها لا يخشى الاعتقال من فلسطين إلى لبنان إلى الشام وتطوان.. وكأن كل واحد يُردّد:

"كان لي بيت هناك.. وأحلى أحلى ذكريات.. من جرّد سيف عذاباتي وأشعَل نار جراحاتي؟ مَن يا وطني مَن؟"...



الوصول إلى الحدود مع فلسطين ليس أمراً سهلًا، وإنما دونه صعوبات كبيرة؛ فالازدحام شديد، والطريق طويلة إلى قرية "مارون الراس"، إحدى القرى اللبنانية التي تتبع قرى قضاء بنت جبيل في محافظة النبطية، والتي تبعد كيلومترين فقط من الحدود اللبنانية الفلسطينية. وتكمُن أهميتها كونها تقع على تلال مُرتفِعة تطلّ على العديد من المناطق المهمّة في الجنوب اللبناني وشمال فلسطين المحتلة، منها: مدينة بنت جبيل، و"عيترون"، و"يارون" وقرية "صلحا" الفلسطينية.



المشهد لا يمكن وصفه. فقد كان مشهداً صادِماً، حتى أن البعض لم يستطع تمالك نفسه فبدأ البكاء، وذرفت العيون دمعها اللاهِب شوقاً لاحتضان أرض الوطن، فالتهبت الأضلع، واستعرت النار في القلوب استعاراً.. فأرض الوطن أمامنا، وأشجار الكرم، وحبل الغسيل، ومناديل "فاطمة".. لكن ما يفصلنا عنها أمتار قليلة، وسياج وجنود وكلاب عاوية.. ومع هذا ردّد الكثيرون شِعْر "محمود درويش":

"خديجة لا تُغلقي الباب.. لا تدخلي في الغياب.. سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل.. سنطردهم من حجارة هذا الطريق الطويل.. سنطردهم من هواء الجليل"..



هناك كُنتَ تشعر أن عيون الشهداء: عماد أبو شقرا، وخليل محمّد أحمد، ومحمود محمّد سالم، ومحمّد سمير صالح، وعبد الرحمن صبحة، ومحمّد إبراهيم أبو شليح، تُحلّق في سماء الوطن من أقصاه إلى أقصاه لا تبغي إلّاه.



خفقت القلوب مع الشهيد الأول الذي رفع العَلَم الفلسطيني وأصرّ على تخطّي السياج الفاصل.. رشق المُتظاهرون الجنود الإسرائيليين الموجودين بالحجارة ولوّحوا بالأعلام الفلسطينية، ومع زخّات الرصاص باتّجاه المُتظاهرين العائدين كانت خفقات القلوب تزداد، ليس خوفاً من المحتل، وإنما زيادة إصرار على العودة والمواجهة. ومع سقوط الشهيد تلو الشهيد، كان خوف بعضنا على مَن أُصيب ـ ولم نعلم مصيره ـ يزداد ويتّسع، فهم ضميرنا الذي تحرّك واخترق ووصل إلى أرض الوطن، وقذف الجنود بالحجر.. أما نحن فلم نستطع تحقيق رغبة عارِمة اجتاحتنا لكي نكون مثلهم عندما فدوا الوطن.



فهؤلاء لم يرغبوا بمُغادرة المكان القريب من الوطن، القريب من الروح.. ولا يريدون العودة إلى المُخيّم، إنما كانت الأمنية العودة إلى الوطن.. ليثبتوا لقادة الاحتلال الإسرائيلي أن أجيال ما بعد النكبة من أهل فلسطين لم يعيشوا فيها، لكنّها سكنتهم، وينتظرون على أحرّ من الجمر يوماً يعودون فيه إليها.



ومع غروب الشمس، أيقنّا أنها شمس الحقيقة اللاهِبة ستظلّ مُشرِقة في كل القلوب، التي أسْرَجت خيلها باتجاه الغضب الساطع الآتي لا محالة. مع الذين يُكملون مسيرة مَن أصابته رصاصات الاحتلال القاتِلة بالرأس مباشرة، ولا يزال يقبض بيده على حجر، وبأخرى يشير إلى "خديجة" ألا تغلقي الباب!!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هيثم أبو الغزلان

قيادي في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان.

إقرأ للكاتب

مئوية تصريح بلفور وهزيمة "إسرائيل" القادمة

ليس صحيحاً أن "آرثر بلفور" كان لا سامياً أي معادياً لليهود ومعارضاً لهجرتهم إلى بريطانيا، فهذا...