المقاومة، الصوت الصلب في مواجهة الانهيار

إن الأمة العربية بما تملك على الخارطة السياسية والاقتصادية بإمكانها أن تقلل من الأخطار التي تلاحقها، إذا أخذت بمبدأ الإصغاء للرأي العام. فالشعوب التي أطاحت بالطغاة في أكثر من مكان في الماضي، هي أيضاً اليوم قادرة على إعادة ميزان القوى لصالحها في أي مواجهة، وإن الانتصار إذا أخذناه بالمسلمات الدينية فإنه دائماً للمؤمنين وهذا وعد مؤكد من الله، وإذا أخذناه بمسلمات التاريخ فإنه لن يكون إلا إلى جانب من يعي حقيقة الصراع ويتفهم جذوره ومقاصده وبالتالي لما كانت أمم صغرى وأخرى كبرى.

تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان يمكن تعميمها والاستفادة منها

إن تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان ــ وهي تجربة وقعت خارج الموازيين والحسابات السياسية للسلطة اللبنانية والعربية بكاملها ـ يمكن تعميمها والاستفادة منها، فإذا تم الأخذ بها وبنتائجها فإن لا الولايات المتحدة الأميركية ولا إسرائيل يمكن أياً منهما تصريف سياستهما خارج حسابات تلك النتائج. وقد أعترف الجميع بالآلام التي لحقت بإسرائيل جراءها، إذ أدركت أن ما كان يبدو القيام به ضدها مستحيلاً صار ممكناً وبأقل الخسائر الممكنة في الأرواح والدماء في صفوف المقاومة.

نعم لم تكن المقاومة حصراً على زمن معين ولا انتصار لظروف معينة، ذلك أن السياقات التاريخية، تؤكد بالأحداث والسوابق، أن المقاومة هي الفعل الوحيد الذي لا يقهر وليس في التاريخ البشري على الإطلاق ما يفيد على أن مقاومة شعب ما ذهبت هباءاً منثوراً، في حين كل الحروب التي خاضتها البشرية طغياناً وكفراً وعلى وجه الخصوص القوة الكبرى باءت بالفشل. فشلت فرنسا في حروبها كلها، وفي حرب الجزائر ذاقت أسوأ مرارتها بالمقاومة ثم بالثورة الشاملة، وفشلت بريطانيا، في الهند وفي أفغانستان، و فشلت أمريكا في "فيتنام" وهي الآن على محك الفشل في العراق وسوريا بالمقاومة، وانتصر مانديلا بالمقاومة، وانتصر شعب فيتنام بالمقاومة ضد جبروت أمريكا، وانتصرت الجزائر بالمقاومة ضد الحلف الأطلسي، وانتصرت إيران لرؤيتها الدينية بالثبات على الموقف وأحدثت ثورة هزت أركان العالم كله بالمقاومة، وهي الآن تتحدى بثبات أي عدوان إسرائيلي عليها. وفي حال العدوان ستقابله إيران برد مدمر وفي توان رعب متساو، وهي جرأة لم نعهدها لدى حاكم مسلم مند سقوط الخلاقة الإسلامية، وإذا كان هذا هو المنطق الذي يسير التاريخ في مفاصله، فلماذا الخوف إذن من المقاومة؟ ولماذا تحاصرها الأنظمة وهي (أي المقاومة) ماضية في طريقها طالما قادتها جماعة مؤمنة أو رجل مؤمن يوقظ في الناس الشعور بأنها (المبدأ والمعاد) حتى في الظروف السيئة. إنها بأبسط المفاهيم القدر المحتوم على كل شعب مسّته الظروف بسوء أو أحاطت به الأطماع بما في ذلك أطماع الاستعمار.

كان من الممكن أن لا تذهب الأنظمة العربية مذهب الغرب الاستعماري في ضبط رقاص الواقع اقتصادياً وسياسياً ضد المقاومة الفلسطينية بالحصار، ووصفها بالإرهاب جنوناً كما فعلت السعودية، وأن لا تمنع مع الغرب وصول المساعدات، وخاصة الأموال إليها وهي أموال مقررة قانوناً في مقررات الجامعة العربية. بل كان من الواجب مواجهة دعاة الحصار بحصارهم بما تملك الأمة من ثروات ومن اقتصاد. لكن الحكم غير الراشد والذي يهتم بالعرش أكثر من أي اهتمام بالمبادئ أولى في نظرهم من شعب يحاصره الموت وتقام ضده المجازر تلو المجازر بحماية الفيتو الأميركي، وصمت أوربي، وتأسف عربي.

إن المشكلة  -من وجهة نظرنا على الأقل- هي كيف يمكن إعادة الجدية إلى السياسة الفاعلة التي تأخذ من منطق الأحداث قوتها ومن مرتكزات التاريخ فاعليتها، وأن غياب الحس بالخطأ الفردي، في القضايا الحساسة هو بداية الخطأ القاتل ذاته. وإلا فلماذا حرص الأنبياء على الشورى؟ حتى أن الملكة بلقيس على قوتها وجبروتها لما أتاها كتاب سليمان قالت: (ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون).إن غياب هذا المنطق هو سبب كل الكوارث التي نعوم فيها بالدماء، فمن أين جاء الفساد؟ من الأمة أم من الحاكم؟وإلى أي مدى يمكن تصفية الواقع من هذه الأسئلة؟ إنني وكما أعلم، أن الأمم تقاد بحاكم يؤمن بما تؤمن به الأغلبية ويعمل لهذا الإيمان، وأن أي خروج عن هذا الافتراض هو بالتأكيد بداية التقبل للسلوك المنحرف والدخول في لعبة ما يعرف بـ: "الارتهان للرأي الفردي" و نعني به الرأي الأحادي والتجربة الماركسية في هذا الاتجاه ماثلة للعيان. فبعد سبعين سنة من التلفيق السياسي انهارت ولم تترك وراءها سوى طقوس من الشمع.

إن الأمة العربية بما تملك على الخارطة السياسية والاقتصادية بإمكانها أن تقلل من الأخطار التي تلاحقها، إذا أخذت بمبدأ الإصغاء للرأي العام. فالشعوب التي أطاحت بالطغاة في أكثر من مكان في الماضي، هي أيضاً اليوم قادرة على إعادة ميزان القوى لصالحها في أي مواجهة، وإن الانتصار إذا أخذناه بالمسلمات الدينية فإنه دائماً للمؤمنين وهذا وعد مؤكد من الله، وإذا أخذناه بمسلمات التاريخ فإنه لن يكون إلا إلى جانب من يعي حقيقة الصراع ويتفهم جذوره ومقاصده وبالتالي لما كانت أمم صغرى وأخرى كبرى.

وعلى الذين يتجاوبون مع الواقع بأية سلسة من المتغيرات تقع ضمن افتراض الواقع ووفق تصور البناء وإعادة البناء لا وفق تصور "انأ ومن بعدي الطوفان" يتجاوبون مع التاريخ في صنع الإحداث. إن توجيه الحركة نحو المستقبل هي أهم من النظر في الماضي من دون الأخذ بسياقات التاريخ فيه، وأن التغيير صوب المستقبل هو إحدى سنن الكون، فالمعرفة بدأت هكذا، فنظريات الأمس في الطب و العلوم مثلاً ألغتها النظريات الجديدة بحكم التطورالمعرفي. وما كان مستحيلاً بالأمس صار اليوم ممكناً ومشاعاً بين الناس بما في ذلك العوام منهم. وإنه من غير الوعي بحقائق الصراع تحميل الواقع ما يجرى عليه من أخطاء دون وعي أو إدراك للسلبيات التي تنتج عنه، فالأمر خارج الوعي به ليس متاحاً، والاختيار بين الحقيقة والإدعاء من اختيار العقل.أما الأخذ بما يتلاءم مع منطق التجزيئية فهو هروب من المواجهة وسوء تحمل المسؤولية وهذا ما تعانيه اليوم الأمة العربية.