سوريا من صوت الشرق الصلب إلى صوت النظام الدولي الجديد

ثمة حقيقة في التاريخ تقول "كل احتكار يتعفّن" والأخطاء بالتأكيد، في المواقف بداية التعرية للمواقف، وفي التاريخ ثلاثة مواقف، أولها للاستهلاك وثانيها للاستهداف وثالثها للبناء و رسم معالم جديدة...والذين لا يميّزون بين هذه المواقف أو عنها غافلون هم الذين احتضنتهم الأخطاء وبنوا حياتهم على اللهو سواء داخل بيوت الفكر أو داخل القصور.

و من هذا المنطلق يمكن تفسير الحالات التي يوجد عليها اليوم دُعاة الارتماء في المجهول على الخارطة السورية سواء أولئك الذين يدّعون التديّن وهم للدين أعداء (ولا داعي للتفسير هنا) أو أولئك الذين يتطلّعون لقيادة العالم من تحت الأقمار الصناعية أو البزّة العسكرية.. الجنرال "ديغول" قال ذات يوم وهو يُصافح المغنّية بريجيت باردو: "أنت صاحبة البزّة العسكرية ولست أنا" و كان يعي ما يقوله بالتأكيد...لكن الرئيس "إيزنهاور" فهم الأخطاء من حوله وما يمكن أن تصنعه بالإنسان فقال قولته المشهورة: "لا أريد أن ألقى الله و يداي ملطّختان بالدماء"، و كان أفضل بذلك من سعود الفيصل وحمد بن جابر ونبيل العربي وبقية أعراب الخليج في فهم الإيمان الديني...
المشكلة عند هؤلاء أن غيابهم عن الواقع السياسي - وإن كانوا ضمن دائرته نظرياً - يبدو بآلاف السنين وأنهم لطاولات "البوكير" أقرب، وقد قالها لحمد بن جابر السفير الروسي في مجلس الأمن: "لدينا صوَر لك.. وأعرف أنك لاعب بوكير جيّد في كازينوهات أميركا".. إن المشكلة السورية هي بيد الموقف الروسي الصيني وليس بيد أي سياسي آخر أو دولي آخر،  حتى أميركا تجاوزتها الإحداث فيها.. وأن من يظنّ أن الأوهام كما هي لدى سعد الحريري الذي مازال مصراً على عدم شرعيّة النظام السوري ليس مخطئا فحسب بل هو يحاول عبثاً الخروج من بطن الحوت كما خرج يونس ـ عليه السلام ـ بقدرة القادر المقتدر على تصريف الحياة وإعادة بنائها في لحظات الانهيار وهذا أمر مستحيل لهم، حين يقول "هاملتون" في تقرير له: "إذ الحرب ممنوعة على أميركا خارج أميركا، و إذا فُرِضت عليها داخلها فسيكون الثمن باهظاً".. 

وحين تؤكّد الأحداث على أن سوريا هي مركز الجهاز العصبي للعالم فإن على المنظّرين للحرب أن يدركوا جيّداً ثمن التدخّل في سوريا خاصة وأن الأميركي اليوم هو الهارب من الحرب وليس سواه، وحين تشير روسيا باللاءات الثلاث لا للتدخّل العسكري في سوريا، لا لإعادة تجربة ليبيا في سوريا، لا لإسقاط النظام السوري، فإن ذلك يعني أن أمر سوريا بالنسبة لروسيا محسوم، وأن الذين يجب إسقاطهم هم الذين يقتلون بالأوامر من الخارج وجلّهم مرتزقة مع مؤيّديهم من الأعراب والأتراك.. وحين تقول الصين: "لا للتدخّل في سوريا وأن التسوية السياسية هي الطريق المهم ولا بديل عنها"، فإن ذلك يعني وبأبسط المفاهيم والقراءات إن الأدوار مُتبادَلة بين روسيا والصين في القضية السورية وإنها مدروسة بدقّة .. وحين يقول أحد الدبلوماسيين الروس في حوار في قناة إعلامية : "اليوم ولأول مرة سينتصر أول زعيم عربي على الغرب"، ويعني بذلك بشّار الأسد.. وهذا ما قالته أيضاً روسيا والصين حين استعملتا حق النقض المزدوج في مجلس الأمن الدولي معاً...بل إن الموقف الروسي صار أكثر وضوحاً، فحين يقول وزير خارجية روسيا "لافروف": "اليوم يجب التعامل بحزم مع الأحداث في سوريا والأطراف المحرّضة عليها"، وهذا ما تقوم به روسيا اليوم، فقد أعلنت الحل العسكري ضدّ أيّ حل عسكري خارجي وبلا عودة وتقوم بتصفية الأماكن المتواجد فيها الإرهاب والمرتزقة من دون إذن من أحد.

إذن...
الحقيقة أن كلاً من فرنسا، وقطر، وتركيا، وبريطانيا، والسعودية  على عِلم بأن أميركا رفعت يديها عن سوريا مند عهد باراك أوباما، ولكن حتى لا يُقال أن الأسد انتصر طرحت على الجميع فكرة التفاوض مع الأسد لا المطالبة بإسقاطه كما كان يُقال، وقد بلّغ الجميع بهذا التوجّه الجديد من طرف "باراك حسين أوباما" قبل  مجيء "ترامب".. الواقع الجديد هذا ليس من أجل افتراض خاطئ في ميدان التحوّلات التي تجري اليوم من أجل بعث نظام دولي جديد، "بوتين هو القيصر فيه و "أوباما" و "هولاند" ومن جاء بعدهم أيضاً الآفلون فيه، ومن المفارقات الكاريكاتورية أن هذا الكلام قيل وكان وقتها "بوتين" قد نُصّب كرئيس منذ ثلاثة أشهر وأوباما بقي له ثلاثة أشهر لإعادة انتخابه..


صحيح أنه من رحم التاريخ تولد الأمم ومن قوة الجغرافيا فيها تنهض سريعاً  ومن هما معاً تنتصر على قوة الخارج، فالحضارة المؤسسة على ركام التاريخ وصلابة الجغرافيا حضارة لا يمكن أن تخون من هم عليها قائمون، فهي في عمق وجدانهم مثل قشرة المحار جندي بقشرته في أعماق البحار، سوريا البلد الوحيد الذي لا يمكن فهم سياسته إلا بناء على فهم ما حملته من عبء ذلك التراكم الحضاري، ومن ذلك التمايز الجغرافي لسبع سنوات من الحرب ضدّ همجيّة وحوش الوهّابية بغطاء "داعش" ولا زالت تقف في وجه العاتيات من دُعاة الانشطار الحضاري وأصحاب المخزون الاستعماري كموقف صلب، فالتاريخ والجغرافيا فيها أهم شاهد في وجه التاريخ وفي وجه من لا يملكون من التاريخ إلا الأسوأ، والكثير من المحلّلين الاستراتيجيين لم يتمكنوا من فهم الواقع السوري فهماً يمكّنهم أو يدلّهم على شيء إسمه خارطة قوة سوريا، وخارطة هويتها السياسية.. في تصريح صريح لثعلب الصهيونية "كيسنجر" لصحيفة نيوروركر يقول: "لقد اعتقدنا أن حافظ الأسد قد قضى على جميع الأغبياء في بلاده ولكن لحُسن حظنا ما يزال هناك 3 ملايين منهم.. هل تعتقدون إننا أقمنا الثورات في تونس وليبيا ومصر لعيون العرب.. ؟" يضحك ساخراً بعدها ويقول: "كل ذلك لأجل عيني إيران وسوريا، لقد حاولت مع حافظ الأسد وأنا أعترف أنه الشخص الوحيد الذي هزمني وقهرني في حياتي كلها". ويتابع "إن ثورة سوريا أصبحت ومنذ آوت 2011 حرباً عالمية ثالثة باردة، ولكنها ستسخن بعد عدّة شهور هنا".  هولاكو "احتل أكثر من نصف آسيا ولكنه هُزِم عند أبواب دمشق" ثم يواصل كلامه "روسيا وأوروبا الشرقية تدين بالأرثوذوكسية وهي تابعة دينياً لسوريا وهذا سرّ من أسرار روسيا وسوريا بالتالي "فإخواننا العرب" لو رشوا روسيا بكل نفطهم لن يستطيعوا فعل شيء". تلك أهم شهادة على تواطؤ الكل ضدّ التاريخ في سوريا، لأن سوريا هي بالتأكيد مُعجزة التاريخ في وجه الغُزاة... إذن، حاولت الولايات المتحدة الأميركية الدخول في الحرب مباشرة وهدّدت وتوعّدت وتم ذلك كله تحت ضغط إسرائيل والسعودية وقطر، ولكن تبيّن لها في النهاية إنها أمام حائط مثل حائط ذي القرنين الذي فصل بين "ياجوج وماجوج" وأصحاب العدل والإنصاف..حاولت بعد أن جمعت كل أطراف الشر في المنطقة وخارجها لكن وجدت نفسها تلعب في مساحة لا يمكن القبض عليها حتى ولو جنّدت كل سكان الأرض لذلك، لأن عهد "بوتين" ليس عهد "يلتسين".   

هذا جانب، هناك جانب آخر فهمته الولايات المتحدة الأميركية وغاب كلياً عن الحُكام الأعراب هو جديّة موقف روسيا والصين والذين هم معهما في المواقف والرؤى، لم تكن روسيا اليوم مثل ما كانت عليه في عهدي "غورباتشوف، ويلتسين" بل إنها في موقف آخر فيه من الصلابة في الرؤى ومن الفهم للأحداث ما يكفي للقول الفصل في مواقفها تجاه سوريا وغير سوريا، وقد قالته بوضوح ومن دون تراجع هكذا فهمه المحلّلون من داخل روسيا وخارجها، والكل فيهم مجتمع على أن روسيا اليوم تقود ثورة ناعمة على مستوى القارة الآسيوية وأنها فعلاً تسيطر مع الصين على المربّع الآسيوي سياسياً وعسكرياً في مقابل سيطرة الصين عليه اقتصادياً، لقد فهم الأميركيون هذا الجديد في السياسة الروسية فاتّجهوا - ولكن بعد تأخّر- نحو آسيا وهو ما حدّده وزير الدفاع الأميركي السابق "بانيتا" حين أعلن توجيه الأساطيل الأميركية إلى المحيط الهادي، وهو ما أكّدته أيضاً وزيرة الخارجية السابقة "هيلاري كلينتون". في مقابل هذا التوجّه توجّهت الصين إلى باكستان وأكّدت لها إنها ستساعدها في مواجهة الأزمة المالية التي تلاحقها، ولعل الأهم في كل هذا هو ما صدر عن المؤتمر الأخير لمنطقة "شنغهاي" والذي تستعد إيران لتكون ضمن القوى الفاعلة فيه وهذه إشارة إلى أن ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية من إرهاب دولي لن يفلح اليوم ولن تكون مثلما كانت عليه في الفترة المحدّدة بين 1992/ 2010 كدولة كونية أو كما قالت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً:  "فقد أخذنا على عاتقنا حماية العالم وصناعة التاريخ.. نحن أمّة لا بديل عنها"، بل وذهب غيرها من حكّام أميركا إلى القول "نحن نعلّم العالم"، وبهذا الاحتقار والتعالي شنّوا حروب إبادة،  فحين سُئلت أولبرايت عن إن حرب العراق قد تؤدّي إلى قتل العديد من الناس أجابت "حتى لو قُتِل مليون!" وقد يحدث هذا مع ترامب...  فقد كتبت الأسبوع الماضي الأوبزريف برؤى تشاؤمية تقول "إن ما يُثير القلق هو ارتياح الرئيس الأميركي بين الديكتاتوريين والملوك والمستبدين، الذين لم يتم انتخابهم، والذين يتشاركون معه في احتقار حقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية الإعلام". أما تيموثي فارون، رئيس حزب الأحرار في بريطانيا فقد قال "إنَّ بريطانيا تتعامل بارتياح مع واحدٍ من أكثر الأنظمة تطرفاً وقذارةً وقمعية في العالم. وكنا نظن أنَّ أمننا سيأتي في المقام الأول، لكن يبدو أنَّ الأمر ليس كذلك".