هل توقّفت الحرب في سوريا عملياً كما قال الروس؟

عندما تشتعل النيران وتتصاعد ألسنتها السياسية الممهّدة للعسكرية منها في أرض الخصوم، فإن لاشيء غير النشوة والثقة تعتريان الأسد، كانت جولته في حيّ المزّة وزيارته لمعرض صناعي هناك وأخذه السيلفي مع المواطنين، رسالةً وتأكيداً على ما قاله لجهة أن الأسوأ بات خلف الظهر، وهو أي (الأسوأ) بات في عقر الديار الخليجية.

جولة الرئيس السوري بشار الأسد في منطقة المزة
عسكرياً أعلنت هيئة الأركان الروسية أن الحرب في سوريا توقّفت عملياً وأنهم لا يقاتلون المعارضة المعتدلة ويسعون لطرد تنظيم داعش من المناطق التي يسيطر عليها، بدوره جاء بيان الجيش والقوات المسلّحة السورية ولأول مرة خالياً من لفظ  (والفصائل الأخرى)، عندما أكد على مواصلة قتال الإرهاب ممثلاً بتنظيم داعش والنصرة " فقط " في تعليق على وصول الجيش العربي السوري إلى الحدود العراقية، والحدود الإدارية لمدينة الرقة، فما الذي يحدث في الميدان السوري، وماهو مصدر الثقة لدى الروس حتى يعلنوا عن توقّف الحرب عملياً في سوريا.

 
في بحث معمّق لطبيعة تطوّرات الميدان، ولاسيما في البادية السورية يمكن أن نعزو ذلك لثلاثة أسباب رئيسة :

الأول هو متانة العنوان الاستراتيجي للتحالف الروسي الإيراني العراقي السوري، ومعهم القوات الرديفة في المضي قدماً في تطبيق " قاعدة ولو بلغ مابلغ " إلى أعلى مستوى لها، برغم سيل من التهديدات الأميركية التي وصلتها الرسائل العسكرية من حلفاء سوريا ولاسيما بعد الغارة الأميركية الأخيرة على موقع تابع للجيش السوري، وكذلك القرار الاستراتيجي بمنع أي وصول أو تقدّم للقوات الأميركية مهما كلّف الأمر، هذه الرسائل التي لم يملك معها الأميركي، إلا المسارعة لتليين الخطاب والإشادة بدور موسكو في خفض التوتّر في البادية، كما جاء على لسان المتحدّث باسم البنتاغون.
السبب الثاني هو أزمة قطر المستعرة والتي استطاع محور حلفاء سوريا أن يتلقّفها ويبني عليها ويستثمرها جيّداً بما ينعكس إيجاباً على تطوّرات وشكل الميدان، بمعنى كسبه لطرفين فاعلين في يوميات الميدان السوري، القطري الذي لن يستطيع أن يبقى وحيداً يلاقي مصير المواجهة مع السعودية وحلفائها، وكذلك الطرف التركي الذي سعى بطبيعة الحال للإعلان جهاراً عن عدم تخلّيه عن قطر، وعزّز قوله بالموافقة على تعزيز وجوده العسكري هناك، ربما لأنه بات يشعر أن " الدور " سيلاحقه لامحالة فيما تعمل السعودية على تشكيله في إطار مواجهة الحركات الإسلامية، وفي مقدمها الأخوان المسلمون، وتالياً انعكاس ذلك بالضرورة على سلوك الفصائل التي تدعمها تركيا في سوريا، ومن هنا نقرأ ونفهم ما تم إعلانه لجهة أن وحدة عسكرية تابعة لدرع الفرات سلّمت عتادها ونفسها للجيش السوري في ريف حلب.
السبب الثالث هو حال الزعامة والريادة التي تعمل السعودية على تكريسها لتسيّد المشهد الإقليمي من بوابة قطر، وهو ما سيشكّل بالضرورة إلهاء ً ولو مؤقتاً عن المشهد السوري. 
حديث لافروف عن أن اجتماع أستانة المقبل سيشكّل منطلقاً لفصل المعارضة السورية المعتدلة عن الإرهابية منها، وكذلك البدء في تنفيذ خرائط مناطق خفض التصعيد، يشكّل بما لايدع مجالاً للشك عن تفرّد اليد الروسية في تصفية الميدان السوري سياسياً وعسكرياً وفق " غربالها " فقط.
الأيام المقبلة ربما ستشهد جولة مختلفة من المحادثات السورية السورية، نتمنّى من خلالها أن يصدق التوصيف الروسي لجهة توقّف الحرب السورية، وهو تمنٍ ينسحب بطبيعة الحال على كامل منطقتنا التي ضاقت بالحروب ولغة النار.